Home / مافيا / في قبضة المهووس / الفصل الرابع

Share

الفصل الرابع

Author: ALANET
last update publish date: 2026-06-10 00:37:30

الفصل الرابع

تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه.

يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين."

لم ينبس بحرف، ولم تفعل.

كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام...

وفي لحظةٍ غريبة، انسلّ من ذاكرتها مشهدٌ قديم، دفينٌ في الطفولة...

شجرة التوت في حديقة المنزل، كانت تتسلّقها بعناد، حتى خانتها الأغصان وكادت تهوي.

تذكّرت كيف اندفع الطفل ذو الشعر الليليّ حينها، مدّ ذراعيه والتقطها قبل أن تلامس الأرض.

نفس الذراعين... نفس النظرة... نفس الأمان.

هوَ نَفسهُ رافييل

انفتح باب القاعة بعجلة، واندفع كلٌّ من رايان، وكيفن، ومايك، تتبعهم فلورا بخطى قلقة.

ما إن وقعت أعينهم على المشهد، حتى توقّف الزمن للحظة.

قال رايان وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة:

ــ "هيه... هل دخلنا فيلمًا رومانسيًّا عن طريق الخطأ؟"

أمال كيفن رأسه قليلًا، وأخذ يتأمّل المشهد بتمعّنٍ قبل أن يتمتم:

ــ "لوحةٌ مكتملة... العنوان؟ حين يتقاطع الخوف بالحبّ."

ضحك مايك بخفّة وقال بصوتٍ فيه من المزاح بقدر ما فيه من الدهشة:

ــ "من كان يظنّ أن رافييل، ملك البرود والهدوء، سيحمل فاليريا، ملكة الرقة والتهذيب، وكأنّها كنزه الشخصي؟"

ثم نظر إلى فلورا وهمس مازحًا:

ــ "أقسم أنني أرى بوادر كوبل سينمائي هنا... ينقصهما فقط غروبٌ خلفيّ وموسيقى حالمة."

رفّت شفاه فلورا بابتسامة دافئة، وقالت:

ــ "يبدو أنّنا وصلنا في التوقيت الخاطئ... أو ربّما الأجمل."

لم يتحرّك رافييل، وكأنّه لم يسمعهم.

نظراته كانت لا تزال مغروسة في عيني فاليريا، تحكي لها ما لا يجرؤ قلبه على النُطق به.

أما هي، فكانت تشعر وكأنّها عادت تلك الطفلة... المعلّقة بين السماء والأرض، تنتظر ذراعيه ليحتويا خوفها من السقوط

تراجع رافييل، بخطوات هادئة متداركًا الموقف، وساعد فاليريا على الوقوف، فيما كانت نظراتها لا تزال معلقة بعينيه، بين الحرج والامتنان، وبين سؤال صامت يتردد في أعماقها.

وقف التوأم الثلاثة، يراقبون المشهد بصمت، حتى كسر مايك الصمت وهو يبتسم ويقول:

ــ "أحقًا ما نراه؟ رافييل الأخ الأكبر، يحمل فاليريا بين ذراعيه كأنها زهرة ثمينة."

أضاف ريان بنبرة مزاح:

ــ "لقد تحولت القصة من مجرد رفقة إلى ملحمة أسرية!"

ضحك كيفن وهو يضع يده تحت ذقنه كأنه يتأمل لوحة فنية نادرة:

ــ "عنوان هذه اللوحة: (حين يذوب الجليد تحت وهج العيون)."

ابتسم مايك، وركب ذراعه على كتف ريان قائلاً:

ــ "تخيلوا هذا المشهد في فيلم... فاليريا، ملكة الرقة، ورافيل، الأكبر الحامي، أي توافق أسمى من هذا؟"

التفت مايك إلى فلورا، وهمس لها مازحًا:

ــ "أما زلتِ تعتقدين أن القصص الجميلة لا تحدث إلا في الروايات؟"

ابتسمت فلورا وهي تمسك بذراع فاليريا بلطف:

ــ "ربما تبدأ هنا، حيث لا يتوقعها أحد."

رفع رافييل بصره بهدوء نحو مايك، وأجاب:

ــ "كنت أمرّ بالمتحف بعد انتهاء مهمة خاصة في ألمانيا، فاستغللت الفرصة لأتأمل قليلاً."

قال ريان مازحًا:

ــ "مصادفة غريبة أن نلتقي هنا... أو ربما ليست مصادفة على الإطلاق."

أجاب رافيِل بنبرة جمعت الغموض والصدق:

ــ "الأمور تحدث عندما يجب أن تحدث."

تبادل الأشقاء الثلاثة النظرات، ثم قال مايك ضاحكًا:

ــ "كأننا في بداية فيلم رومانسي، هل نضيف الموسيقى التصويرية الآن؟"

ضحك الجميع، وقال رافييل:

ــ "هناك مطعم إيطالي قريب، هادئ وأنيق... أظن أنه مكان مناسب للغداء."

صفق ريان بخفة:

ــ "طعام إيطالي؟ إذن نحن على الطريق الصحيح نحو السعادة."

قال مايك وهو يربت على كتف رافييل:

ــ "وهكذا يبدأ الأخ الأكبر بالتقرب من العائلة... من يدري، ربما يصبح نسيبنا قريبًا!"

احمر وجه فاليريا فجأة، وخفضت بصرها، بينما علقت فلورا بمكر لطيف:

ــ "أظن أننا نفتقد قدرة التمثيل الآن... فكل المشاعر حقيقية."

همست فلورا لفاليريا:

ــ "هل تشعرين بشيء مألوف؟"

أجابت فاليريا بصوت خافت:

ــ "كأنني عشت هذا الحنان من قبل... في زمن آخر."

وانطلقوا معًا، يخرجون من أروقة المتحف، تاركين خلفهم رائحة الغبار والرصاص، متجهين إلى نور أبسط...

إلى غداء يبدو عاديًا، لكنه في قلب فاليريا كان بداية شيء لا يشبه العادي أبدًا

على سطحٍ مظلمٍ، وقف القناصُ ينظر إلى رجلٍ آخر ترتسم على وجهه ملامح القلق والمسؤولية.

قال القناصُ بنبرةٍ صارمة:

ــ "كانَ من المفترض أن تكون أنتَ الحامي، تحميها من الرصاصة، لا أن تترك الأمر للسفير، لم يكن عليك أن تترك البطل يكون غيرك."

ردَّ الرجلُ بترددٍ:

ــ "لم أكن أعلم بوجود السفير هناك، وإلّا لتدخّلت فورًا. لم أتوقع أن الأمور ستصل لهذا الحد."

قال القناصُ بنبرةٍ تحذيرية:

ــ "حاول أن تقترب منها أكثر، كن واضحًا في حضورك أمامها، لا تكن مجرد ظلٍّ بعيد. عليك أن تكون البطل الذي تنظر إليه."

في المطعم الإيطالي الدافئ، حيث تعطر الأجواء روائح الريحان والثوم، وضوء الشموع ينساب بلطف على الوجوه، جلس رافييل - السفير - على رأس الطاولة، محاطًا بالتوأم ريان، كيفين، ومايك، بينما جلست فلورا مقابلهم، وعلى يسارها فاليريا.

بدا التوتر واضحًا بين التوأم وفلورا، الذين لم يكونوا يعرفون تفاصيل الحادثة بدقة، فسأل ريان بقلق:

ــ "هل كان هناك رصاصة حقًا؟ هل أصابت أحدًا؟"

قال كيفين متوترًا:

ــ "كيف تمر الرصاصة هكذا؟ الأمر يبدو خطيرًا جدًا."

ابتسم رافييل مطمئنًا، وقال:

ــ "الطلقة لم تصب أحدًا، بل مرت فوق رأسي، وارتطمت بالحائط خلفي. كنت في المكان المناسب لأحمي فاليريا من أي خطر."

نظرت فلورا إلى فاليريا بقلق، وقالت:

ــ "لم نكن نعلم مدى الخطر. علينا أن نكون أكثر حذرًا."

قال ريان بعزم:

ــ "الأفضل أن نعود إلى إيطاليا بعد يومين. لا يمكننا المخاطرة أكثر."

وافق كيفين:

ــ "فاليريا تستحق الحماية التامة."

وفي تلك اللحظة، دخل شخص غير متوقع إلى المطعم

دخل أدواردو إلى المطعم بخطواتٍ واثقة، واقترب من الطاولة التي يجلس حولها رافييل والتوأم وفلورا وفاليريا، وسلم عليهم بابتسامةٍ هادئة ودافئة.

دعاه رافييل قائلاً:

ــ "تعال وانضم إلينا، مكانك معنا محفوظ."

جلس أدواردو بينهم، فاستغل مايك الفرصة وسأله أمام الجميع:

ــ "ما الذي تفعله هناك في ألمانيا؟"

أجاب أدواردو بثقةٍ واضحة:

ــ "كنت جزءًا من مهمة السفير رافييل، مهمة حساسة تتطلب تواجدي هناك لفترة ليست بالقصيرة."

ثم توجه أدواردو إلى فاليريا بنظرةٍ تحمل دلالات المغازلة، وقال:

ــ "وجودكِ هنا يضفي على المكان رونقًا خاصًا، كأنكِ النجم الساطع في سماء هذا المطعم العتيق."

ابتسمت فاليريا خجلاً، وأمالت عينيها نحو الأرض، بينما تابع أدواردو حديثه بنبرةٍ دافئة:

ــ "لو أتيحت لي الفرصة، لسررت بأن أتعرف عليكِ أكثر بعيدًا عن زحمة العمل وضوضائه."

في تلك اللحظة، همس ريان إلى فلورا بصوت خافت لا يسمعه سواه:

ــ "هل لاحظت مدى تقربه منها؟ إنه يتجاوز حدود الحديث العادي."

أجابت فلورا بخفوت وهي تراقب الموقف:

ــ "نعم، الإعجاب واضح في عينيه، ولا يستطيع أن يخفيه

لكن لِنَكون صادقين، أنّه رَجُل وسيم"

ناظرها ريان بسخريه ليقول بثقة:

"لكن لَيس أجمَل مِن أخي"

وبينما كانا يتبادلان الهمسات، همس كيفين إلى رافييل بصوتٍ منخفض لا يسمعه إلا الاثنان:

ــ "يا أخي، تبدو غيورًا بشكلٍ ملحوظ، خفف من غيرتك قليلًا."

ابتسم رافييل بابتسامةٍ باهتة، ورد بهدوء:

ــ "الغيرة ليست سوى دفء في القلب، والحماية مسؤولية ثقيلة تستحق هذا الشعور.

بعد أن انتهى الجميع من تناول طعامهم، تبادل رافييل وأدواردو نظراتٍ ثاقبة، ثم قام رافييل ودعاه للخروج إلى بهو المطعم حيث الهدوء والابتعاد عن صخب الجلسة.

قال رافييل وهو ينظر إلى أدواردو بجدية:

ــ "لقد لاحظتُ مدى اهتمامكِ بفاليريا، هل تنوي الاقتراب منها أكثر مما ينبغي؟"

ابتسم أدواردو ابتسامةً خفيفة وقال:

ــ "فاليريا امرأة استثنائية، وأرى في معرفتها فرصةً لا تتكرر. ولكن لا أريد أن أتجاوز حدود الاحترام، فأنا أدرك مكانتها عندك وأستطيع رؤية تعلقك بها من عينيك"

نظرت عينا رافييل إلى أدواردو بحدةٍ وبريقٍ غيور، ثم قال بصوت منخفض:

ــ "حماية فاليريا ليست مجرد مهمة، إنها عهد وعاطفة. لا أسمح لأي أحد أن يتعدى على هذا العهد."

أومأ أدواردو برأسه وقال بهدوء:

ــ "أنا أفهمك جيدًا، ولن أخطو خطوة تتعارض مع رغبتك. ولكن، أرجو أن تسمح لي بأن أكون صديقًا، حتى لو كان ذلك على بعد خطوة."

تردد رافييل قليلاً، ثم أجاب:

ــ "سنرى ما تخبئه الأيام، لكنني لن أتراجع عن حمايتها مهما كان الثمن.

*ليس وكأنّ السفير لا يعلم ماهي غايته من الأساس*

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع عشر

    الفصل السابع عشر ‎12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري ‎حطّت الطائرة بهدوء، ‎فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ‎ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، ‎لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. ‎تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ‎ـ دي فاليريو يتكلم... ‎صوت جافّ على الطرف الآخر: ‎ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... ‎لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. ‎اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ‎ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ‎ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ‎ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. ‎نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ‎ـ انتبه على نفسك، رافـي. ‎أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، ‎كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، ‎وافترقا... ⸻ ‎في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا ‎في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، ‎أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. ‎انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ‎ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ‎ثم انقطع الاتصال. ‎وفي

  • في قبضة المهووس    الفصل السادس عشر

    الفصل السادس عشر ‎– منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد ‎دخلت فاليريا القاعة الواسعة، ‎وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، ‎وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: ‎"مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." ‎أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، ‎من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، ‎يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. ‎وسط ذلك الزخم، ‎وقف رافـييل بجانبها، ‎ممسكًا بيدها برقة، ‎كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: ‎"أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." ‎سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، ‎تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، ‎مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. ‎انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، ‎توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ ‎في طريق العودة إلى الفندق ‎جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، ‎كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ‎ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... ‎التفت رافـييل إليها، متفهمًا، ‎فأكملت: ‎ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا

  • في قبضة المهووس    الفصل الخامس عشر

    الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. ‎مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ‎ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ‎ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. ‎في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ‎ـ هل لاحظتَ ذلك؟ ‎أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ‎ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ ‎الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – ‎دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. ‎الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. ‎وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، ‎خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... ‎كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. ‎خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ‎ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."

  • في قبضة المهووس    الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م

  • في قبضة المهووس    الفصل الثاني عشر

    الفصل الثاني عشر ‎📍قاعة الاجتماعات: ‎كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. ‎المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. ‎دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. ‎دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ‎ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. ‎وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ‎ــ "شكراً لحضوركم السريع... ‎أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. ‎الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status