ANMELDENالفصل الثاني
وقف إلى جانبه تحت ظلال الذكرى، أمهم التي حملت عبء الفقد وحدها، تقف بقوةٍ رغم الألم، عيناها تحملان حزنًا صامتًا، وأملًا يتشبث بالأيام القادمة. في تلك اللحظة، كان الصمت يثقل الأجواء، وكأن العالم يترقب ما سيحدث، وتلك النظرات التي يوجهها رافييل إلى فاليريا، تكاد تخبر بأن خلف ذلك الغموض قصة عميقة، قصة حبٍ معقدة، تسكنها الرغبات والندم والوعود المكسورة. توقف الجميع، والحضور يُمسك أنفاسه، بينما ظلال الماضي والحاضر تتشابك في قلب المنصة، وتبدأ صفحة جديدة من حكاية لا تنتهي وقف المدير شامخًا على منصة الحفل، نظراته تجوب بين الحضور، تحمل في طياتها فخرًا عميقًا واعترافًا بجهود كل طالبٍ وطالبةٍ جمعهم هذا اليوم. رفع صوته، صامتًا للحظة، ثم بدأ ينسج كلماته بدقة وعناية: "أيها الحضور الكريم، أيها الخريجون الأعزاء، ها نحن اليوم نحتفل بثمرة سنوات من العمل الجاد، والتحديات التي اجتزتموها بعزيمة لا تلين." توقف قليلاً، كأنه يرغب في أن تصل كلماته إلى كل قلبٍ حاضر. "اليوم، أنتم لا تغادرون مجرد مؤسسة تعليمية، بل تخرجون من رحم التجارب، حاملين بين أيديكم مفاتيح المستقبل، مشاعل تضيء دروبكم ومسارات حياتكم." نظر إلى فاليريا وفلورا، ثم أضاف بصوت ملؤه الإيمان: "لقد شهدنا فيكم قوة الإرادة، ونقاء الطموح، وتحدي الصعاب، وهذا ما يجعلني أؤمن بأنكم ستسيرون نحو القمة، لا محالة." ابتسم بخفة، ثم أكمل: "فلتكن هذه الشهادات ليست نهاية، بل بداية، ولتكن أحلامكم أقوى من أي عقبةٍ تواجهونها." اختتم كلمته بنبرةٍ مفعمة بالأمل: "فليحفظ الله عزائمكم، وليبارك خطواتكم، وأنتم تستعدون لكتابة فصولٍ جديدة من النجاح، والتألق، والتميز." صاحت الجماهير بتصفيقٍ حار، تعبيرًا عن تقديرهم، وانطلقت أصوات الفرح معلنة بداية حياة جديدة "أيها الحضور الكريم، وها قد بلغنا اللحظة التي نُعلن فيها عن خريجينا الأعزاء لنبدأ بالفتاة التي لم تكتفِ بتحقيق حلمها فقط، بل تميزت وتفوقت، وحصدت أعلى الدرجات بمعدلٍ ممتاز بالتخصص الذي ختارته يفوق كل التوقعات... فاليريا أنتونيلّي!" تلاقت النظرات نحوها، تصفيقٌ حارٌ يملأ الأرجاء، بينما كانت خطواتها تتقدم بثقةٍ لا تفتأ تزداد، عينيها مشعةٌ بإصرار منقطع النظير، وقلبها يفيض فرحًا بهذا التتويج المستحق. اقترب المدير منها، ومد يده حاملاً شهادة النجاح، وقال بصوتٍ يملؤه الاعتزاز: "هنيئًا لكِ، فاليريا، على هذا التفوق والنجاح المبهر، لقد كنتِ مثالًا للتفاني والإصرار، وهذا الإنجاز ليس إلا بداية لطريقٍ طويل من الإنجازات التي تنتظرك." التقطت الشهادة بكل فخر، رافعة رأسها عالياً، كأنها تقول للعالم: ها أنا هنا، قوية، ناجحة، لا تعرف المستحيل. عاد المدير إلى مكانه، بينما تصاعدت أصوات التصفيق والهتاف، محتفلةً بفتاةٍ صنعت من التفوق قصتها، ومن العزيمة أسطورتها وقفت فاليريا أنتونيللي أمام الحضور، عينان تلمعان بإرادة لا تنكسر، وصوتها يحمل قوة الإيمان والعزيمة، تتنفس اللحظة وتبدأ كلامها: "أيها الجمع الكريم، في هذا اليوم المميز، أقف أمامكم ليس فقط كخريجة، بل كفتاة صنعت من الإصرار طريقًا، ومن التحديات قوةً دفعتني نحو النجاح. لا يسعني في هذه اللحظة أن أنسى من كان لي العون والسند في كل خطوة، أبي الجنرال الذي زرع في قلبي معنى الانتصار، وأمي الرسامة التي رسمت لي ألوان الأمل والإبداع في كل لحظة، فلكما مني أسمى آيات الشكر والامتنان. ولأعز رفاق دربي، فلورا، التي كانت النور في الظلمات، والروح التي لم تفارقني رغم كل الصعاب، شكراً لكِ لأنك كنتِ عائلتي الثانية. ولا أنسى أصدقائي الأوفياء، مايك، كيفين، وريان، الذين شاركوني الأحلام، والدعم، والضحكات، فأنتم جزء لا يتجزأ من نجاحي هذا. نجاحي هذا هو نجاحنا جميعًا، ثمرة تعاوننا، وإيماننا بأن لا مستحيل أمام القلب الذي يؤمن بالعزيمة. فلتكن هذه اللحظة بداية فصل جديد، نكتب فيه قصص نجاحنا بأحرف من نور، ونحلق في سماء أحلامنا بثقة لا تهتز، مع وعدٍ لا ينكسر بأن نواصل السير على درب الأمل مهما كانت التحديات. كانت فاليريا ت، مشغولة بفرحتها وتفاصيل اللحظة وخطابها ، عيناها تلمعان بالأمل والإنجاز، غير مدركة أن هناك من يراقبها بنظرات تخطف القلب وتنسج من الصمت ألف كلمة حب لم تُقال. واقفٌ على بُعد، عينيه تتبعان كل حركة لها، يكتنفه هدوءٌ غامض، ولكن في داخله نارٌ تشتعل شوقًا، نظراته تتحدث دون أن ينبس بكلمة، تحمل معاني العشق والاشتياق، وهو يعلم أن قلبه ينبض باسمها في صمتٍ لا يكسره سوى حضورها. أما فاليريا، فغارقةٌ في عالمها، غافلةٌ تمامًا عن هذا الحب الخفي، كأنها لا ترى سوى حلمها الذي تحقق، ولا تشعر بالنبضات التي تخفق من أجله في مكانٍ قريب تكمل خطابها بعد ثواني صمت لتقول أخيرًا وليس آخرًا، أريد أن أشكر نفسي أريد أن أشكر نفسي على إيماني بنفسي. أريد أن أشكر نفسي على كل هذا العمل الجاد. أريد أن أشكر نفسي على عدم أخذي لأي أيام راحة. أريد أن أشكر نفسي على عدم الاستسلام أبدًا. أريد أن أشكر نفسي على كوني دائمًا معطاءًة ومحاولًا أن أُعطي أكثر. وانهت خطابها بهذه الكلمات مع تصفيقات الحضور واصدقائها تقدم المدير للمنصة مرة اخرى ليقول "والآن، نأتي إلى لحظة مميزة، حيث تقف بيننا طالبةٌ لم تعرف لليأس طريقًا، ولا استسلمت للصعاب، بل كانت دومًا شعلةً من العزيمة والإصرار. فلورا روسيّ، التي برغم كل ما مرّت به، تألقت بإبداعها وجمال حضورها، وتخرجت اليوم من دورة عارضة الأزياء، فلتصقل بأحلامها وتخطو بثقة نحو المستقبل." تقدمت فلورا للمنصة وهي ترتجف من التوتر لتبدأ "بكل فخرٍ وامتنان، أقفُ اليوم أمامكم، حاملةً بين يدي شهادة تعب واجتهاد. لقد كانت الرحلة مليئة بالتحديات، لكن بالإيمان والإرادة استطعت أن أتجاوزها. أشكر عمي ومرت عمي على حبهم وحنانهم، كانوا لي سندًا لا يلين، وأشكر كل من آمن بي، ووقف إلى جانبي في كل لحظة ضعف. هذا الإنجاز هو بداية طريق جديد، أسير فيه بخطى ثابتة، أملًا بمستقبل مشرق، وأعدكم بأنني سأظل دوماً صادقة مع ذاتي، ومخلصة لأحلامي. تراجعت عن المنصة لتعود لمكانها بينما تلاحقها تصفيقات الحضور واخيراً الشبان الثلاث تقدم المدير بهدوء ليقول "والآن، ننتقل إلى ثلاثي مبدع، شبابٌ حملوا في قلوبهم الإصرار والطموح، كيفين، الفنان المبدع الذي يرسم أحلامه بألوان الحياة، مايك، الذي سحر الجميع بعروضه وأناقة خطواته، وريان، الذي جعل من عزف البيانو قصيدةً تلامس الروح. ثلاثة إخوة، ثلاث أرواح متحدة، يشكلون مثالًا للوفاء والتعاون. فليتقدموا اليوم لينقلوا لنا كلمات كتبها قلبهم لهذه المناسبة تقدم الثلاثة الذين قد اتفقوا لحزئية كل منهم "نقف اليوم أمامكم، نُعبّر عن أسمى معاني الشكر والامتنان، شكرًا لأمنا الحنونة، التي كانت دومًا السند والدفء، ولأخينا رافييل، الذي رغم صعوباته، يظل جزءًا من عائلتنا، ولأبي الراحل، الذي ترك لنا إرثًا من القوة والإرادة، يبقى في قلوبنا ونفوسنا. ولا ننسى فاليريا صديقتنا التي كانت لنا دائمًا الضوء والدعم، وفلورا، التي أضاءت دروبنا بحضورها وصدقها. معًا، نشكر كل من كان جزءًا من رحلتنا، وكل من ساهم في بناء أحلامنا، فبدونكم لما كنا هنا اليوم، فلكم منا كل الحب والتقدير. ومع انتهاء الحفل، وقف الخمسة في حديقة الجامعة، يضحكون، ويرمونَ قُبّعاتهم في الهواء. بينما وقفت عائلاتهم يُناظرونهم بفخرٍ، وقلوبهم تهتفُ بالاعتزاز. إلى الجهة اليمنى، وقفَ الجنرال كارلو أَنْتونيلِّي، منتصبًا، تُضيء عينيه دمعةُ نصرٍ مكبوتة، وإلى جواره زوجته ماريا أَنْتونيلِّي، التي كانت تحدّقُ بابنتها بعينِ الفنّانة، تلمحُ فيها لوحةً مكتملةَ التفاصيل. وعلى الجهة الأخرى، وقف صديق الجنرال المقرّب، الضابط لورينزو روسيّ، بملامحه الجادّة الممزوجة بالفرح، إلى جانبه زوجته أليسا روسيّ، تحتضن نظراتها الحنان كلّه. وبالطبع، لم تَخْلُ هذه الجُمعة من السفير الإيطالي، الذي دخل المكان بهدوءٍ، والسيجار بين أنامله، ترافقهُ نظرةٌ متفحّصةٌ للمشهد. رافـييل دي فاليريو، شابٌ تَشِي ملامحه بالدهاءِ والسكينة، وعيناه لا تفارقان فاليريا، المشغولة بتصوير تريندات التخرّج، لتشاركها مع جمهورها.الفصل المئة وسابع عشر وصل ريان إلى المستشفى بسرعةٍ جنونية، حتى إن صوت احتكاك إطارات سيارته بالأرض جذب انتباه الموجودين عند مدخل الطوارئ. لم ينتظر أحدًا. ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، ثم اندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب، وحمل فلورا بين ذراعيه مرةً أخرى. كانت رأسها مستندة إلى صدره، وعيناها نصف مغمضتين، بينما كانت أنفاسها بطيئة بصورة أرعبته أكثر. ركض بها نحو مدخل الطوارئ وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: — طبيب! بسرعة! — زوجتي فقدت وعيها! التفت الطاقم الطبي فورًا نحوه، وركض أكثر من ممرض مع سريرٍ طبي متحرك. اقتربوا منه بسرعة، وساعدوه في وضع فلورا على السرير. كانت إحدى الطبيبات تضيء مصباحًا صغيرًا في عينيها، بينما أخذ ممرض آخر يقيس ضغطها ونسبة الأكسجين في دمها. قالت الطبيبة بجدية: — انقلوها إلى غرفة الطوارئ حالًا. بدأ السرير يتحرك بسرعة داخل الممرات البيضاء الطويلة. ركض ريان خلفهم دون أن يبتعد خطوة. كان ينادي اسمها بين الحين والآخر، علّها تفتح عينيها أو تجيبه. — فلورا…فلورا، أنا هنا. لكنها لم تستجب. ازدادت سرعة خطواته، حتى وصل إلى باب غرفة الطوارئ. وما إن همّ بالدخول معهم، حتى
الفصل المئة وسادس عشر ما إن أنهت فلورا كلماتها الأخيرة، حتى خيّم الصمت على المكان. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، وعقارب الساعة المعلقة على الجدار، التي كانت تواصل حركتها وكأن شيئًا لم يحدث. ظل ريان ينظر إليها، وقد بدأ يستوعب حجم ما كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية. فتح فمه ليقول شيئًا… ليعتذر، أو يبرر، أو حتى يخفف من حدة التوتر. لكن الكلمات لم تخرج. لأن فلورا، فجأة، تغير لون وجهها. اختفت الحمرة التي كانت تغطي وجنتيها بسبب الغضب، ليحل محلها شحوبٌ واضح. رمشت عدة مرات، وكأن الرؤية أمامها أصبحت ضبابية. رفعت يدها إلى رأسها بتلقائية، وأغمضت عينيها لثانية. شعرت بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. دارت الغرفة من حولها ببطء… ثم بسرعة أكبر. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الدوار ازداد. مدّت يدها بسرعة نحو حافة الطاولة المجاورة، واستندت إليها بكل قوتها، بينما انحنى رأسها قليلًا. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: — ر… ريان… في اللحظة نفسها، انتبه ريان إلى حالتها. اختفى أثر الشجار من ملامحه في ثانية واحدة. اتسعت عيناه وهو يندفع نحوها. — فلورا! وصل إليها قبل أن تخونها ساقاها
الفصل المئة وخامس عشر بعد ساعات في مكانٍ آخر تمامًا… داخل منزل ريان وفلورا، لم يكن الهدوء الذي يملأ أرجاء المنزل يعكس أبدًا ما كان يحدث بين جدرانه. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً، والعشاء الذي أعدّته فلورا قبل أكثر من ساعة لا يزال على الطاولة، وقد برد تمامًا. وقفت أمام النافذة في غرفة المعيشة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى الطريق خارج المنزل. كل بضع دقائق كانت تلتقط هاتفها، تنظر إلى الساعة، ثم تعيده إلى مكانه وهي تزفر بضيق. ليس اليوم الأول… ولا الثاني… بل أصبح الأمر يتكرر كل مساء تقريبًا. يخرج ريان بعد انتهاء عمله بحجة لقاء أصدقائه، ولا يعود إلا في وقتٍ متأخر من الليل. وفي كل مرة كانت تقنع نفسها بأنها لن تفتح الموضوع، وأنها ستتجاهله… لكن مع تكرار الأمر، بدأ صبرها ينفد. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت باب المنزل يُفتح. دخل ريان وهو يخلع سترته بابتسامةٍ عادية، وكأنه لا يرى شيئًا غير طبيعي. — مساء الخير. لم تجبه. أغلق الباب، ثم التفت إليها. كانت لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه بصمت. اختفت ابتسامته تدريجيًا. — ماذا؟ قالها وهو يعرف الإجابة مسبقًا. اقتربت منه ب
الفصل المئة ورابع عشر في مكانٍ آخر… كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، بينما غمرت أشعة الشمس الهادئة الطابق العلوي من المبنى الإداري الذي يضم مكتب إدواردو. خلف الواجهة الزجاجية الضخمة، امتدت مدينة روما بكل صخبها، السيارات تتحرك في الأسفل بلا توقف، والناس يعبرون الأرصفة مسرعين، أما داخل المكتب فكان الهدوء سيد المكان. جلس إدواردو خلف مكتبه الخشبي الواسع، وأمامه كومة من الملفات التي تنتظر توقيعه، إلى جانب حاسوبه المحمول الذي امتلأت شاشته بالجداول والتقارير الخاصة بالجزء الشمالي من البلاد. كان يقرأ أحد التقارير بتركيز، يدوّن ملاحظاته بقلمٍ أسود، ثم يوقع على آخر صفحة قبل أن يضع الملف جانبًا ويطلب من مساعده إدخال الملف التالي. دخل المساعد، وضع الملف الجديد على المكتب، ثم غادر بعد أن ألقى تحيةً سريعة. فتح إدواردو الملف، لكن قبل أن يقرأ السطر الأول… اهتز هاتفه الموضوع بجانب الحاسوب. توقف قلمه في الهواء. نظر إلى الشاشة. كرستين. ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم يكن يدرك أنها أصبحت تظهر تلقائيًا كلما رأى اسمها. فتح المحادثة. كرستين: “هل أنت مشغول اليوم؟” قر
الفصل المئة وثالث عشر بعد يومين… كان رافييل وفاليريا يقفان داخل منزل الجبل، ذلك المنزل الذي اختاراه ليكون بداية حياتهما الجديدة بعد الزواج. كان المكان ما يزال شبه فارغ، إلا من بعض الأثاث القديم الذي سيُستبدل بالكامل، بينما كانت النوافذ الواسعة تكشف منظر الغابة الممتدة والجبال التي يكسوها اللون الأخضر. وقف إلى جوارهما أحد أشهر مصممي الديكور في إيطاليا، يحمل بين يديه مجموعة كبيرة من المخططات وعينات الأقمشة والأخشاب. بدأ يشرح أفكاره بهدوء، بينما كان الثلاثة يتنقلون بين أرجاء المنزل. — هنا ستكون غرفة المعيشة، أقترح استخدام الحجر الطبيعي مع مدفأة كبيرة في المنتصف، حتى تحافظ على طابع المنزل الجبلي. أومأ رافييل موافقًا، بينما أخذت فاليريا تتخيل المكان بعد اكتماله. اقتربت من النافذة الكبيرة المطلة على الغابة وقالت بابتسامة: — أريد أريكة كبيرة هنا… بحيث نستطيع الجلوس أمام المدفأة في الشتاء. التفت إليها رافييل مبتسمًا. — وكتاب في يدك… وكوب قهوة لا يفارقك. ضحكت وهي تنظر إليه. — وأنت؟ أجاب دون تردد: — سأكون بجانبك… هذا يكفي. ابتسمت بخجل، بينما دوّن المصمم الملاحظة وهو يبتسم بصمت
الفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا
الفصل الاول ٱلشَّمْسُ لَم تَظْهَر ، والْهَوَاءُ يَحْمِل ثِقْل يَوْم لَم يُكْتَب بَعْدُ. ٱلسُّكُون يَسْكُن ٱلْمَدِينَة كَغِطَاء مِن ظِلَال لا تُرَى، والأَنْفَاس تَحْبِس دُون حَرَكَة، تَنْتَظِر بزوغ لَحْظَة تَكْسِر الصَّمْت وتُحَرِّك الْقَلْب. في سَاعات ٱلْفَجْر ٱلْمُقْبِلَة، تَتَسَلَّل خُيُوط ٱلظ
الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،
الفصل الرابع تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام.
الفصل الثالث تربط بين الجنرال والضابط علاقةٌ قديمةٌ بوالد رافـييل، منذ الصبا، واستمرّت تلك العلاقة مع الابن بعد وفاته. وإلى جانبه، وقفت والدته لورينا دي فاليريو، المحامية المتقاعدة، زوجة وزير الدفاع الإيطاليّ الرّاحل، والصديقة المقرّبة لكلٍّ من ماريا وأليسا. لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يحتف







