LOGINصراعٌ محتدم بين عقلين لا يشبه أحدهما الآخر… عقلٌ اعتاد أن يفرض سطوته في عتمة العالم يتزعمه رجل لا يُبارى في دهائه، وعقلٌ آخر يقف على النقيض، صلبٌ كالصخر لرجل أعمال نادر الطبع لا يعرف الانكسار ولا يساوم على كبريائه. كلاهما نسج خططه في خفاء وأحكم خيوط لعبته كما لو كان القدر نفسه دمية بين يديه… غير أن القدر في سخرية لا تخلو من قسوة جمع بينهما في مصيرٍ واحد حين ألقى بهما إلى جزيرةٍ لا تعرف الرحمة. جزيرةٌ معزولة داخل سجنٍ اقتُطع من قلب الجحيم، لا يدخله إنسان إلا وترك شيئًا من إنسانيته عند البوابة. لكن ذلك السجن لم يكن سوى قناع… يخفي وراءه حقيقة أشد هولًا. ففي أعماقه تنبض مملكةٌ لرجلٍ اختلّ ميزان عقله فآثر أن يعيد تشكيل العالم على هواه فحوّل القتلة إلى طرائد، والبشر إلى كائنات لا تعرف الموت… ولا الرحمة. وهناك فوق أرضٍ مشبعة باللعنة تهاوت العداوة القديمة لا حبًا ولا صفحًا بل اضطرارًا؛ فغدا الخصمان حليفين، يسيران جنبًا إلى جنب لا طلبًا للنجاة وحدها… بل لأجل قلبين أنثويين أشبه بحلمٍ ضلّ طريقه إلى الجحيم. ما بين مكر المافيا، ولهيب الانتقام، ونبض عشقٍ ينزف بين أنياب الخطر… يتجسد صراع البقاء في أبهى صوره، حين تتحول اللعنة — على غير المتوقع — إلى نافذةٍ للحب.
View Moreفي أحد السجون المشيدة على جزيرة نائية، يضم مجموعة من أخطر المساجين حول العالم نظراً لصعوبة الهروب من أسواره العالية و أبراج المراقبة المثبتة بها أحدث كاميرات التتبع فائقة الدقة.
تعمل على رصد أي حركة داخل و خارج هذا الصرح بفضل مستشعرٍ آلي العمل يلتقط صوت وصورة، ذات قدرة على التصوير الليلي النهاري الملون، متصلة بأجهزة التواصل الداخلي لغرفة التحكم التي تعمل باللاسلكي، تراقب مداخل ومخارج مباني السجن والنوافذ الأمامية والخلفية وداخل الأسوار كمنظومة مراقبة أمنية متكاملة الرصد. تنقل للمتابعين ما يحدث داخل السجن بعنابره ومنافذه ووحداته وكل نفسٍ يتلقفه المحتجزين داخله، قاطعة أي أمل لهم في الخلاص من برودة ما يعايشونه داخل تلك الأسوار العاتية. حتى الحرس الداخلي خاضعين لهذا الحصار كي لا يستطيع أحد النزلاء من ترويض أياً من حراسه سواء بالمال أو بأي وسيلةٍ أخرى، وإذا افترضنا سيادة المادة في شراء بعض الذمم والأنفس البشرية، ونجح أحد السجناء بمعاونة النفس المملوكة في التحايل على تلك الإجراءات التتبعية المشددة، وتمكن في أبعد سيناريوهات خياله الطموح بالهرب. فهناك مئة من أمهر القناصة المسلحين ببنادقٍ من الأسلحة الحديثة ذات العيار الثقيل، صممت لتلبية غرض إصابة الهدف على مسافة تصل إلى 2 كم، يتخصر كل واحدٍ من هؤلاء القناصة بحزامٍ ذا وحدات بداخل كل وحدة الذخيرة الملائمة لنوع البندقية القابض عليها بين راحتيه، حتى باتت كَيَدٍ ثالثة ملازمةً له تحسباً لأي طارئ، يقوم بحشو خازنة سلاحه يدويًا عند الحاجة. وفي حالة نجاح أحدهم في تخطي تلك الأسوار، واختراق تلك المنظومة الأمنية المشددة ومغافلة الحُرَّاس، وهذا أمر يستحيل حدوثه مهما بلغت قوة وذكاء أحدهم هذا. فكيف له الصمود أمام أمواج المحيط العاتية بمياهه الباردة وقروشه المفترسة؟! وإذا نظرنا إلى مرسى الجزيرة سنجد مجموعة من الزوارق ذات مكينات الدفع الهوائي فائقة السرعة المسلحة سواء بالمدفعية أو الصواريخ أو الطرابيد، والتي يستخدمها خفر السواحل والشرطة البحرية لمراقبة المياه الإقليمية. عودة إلى داخل تلك الجدران التي تأوي مئات من الخارجين عن القانون من جنسياتٍ وأجناسٍ مختلفة، شاءت الأقدار أن يساقوا إلى هذا الصرح النائي، وقد قام العديد منهم بارتكب أخطاء بل كوارث يندى لها الجبين، وترتاع من هولها الأوصال ضاربين بكل معاني الإنسانية عرض الحائط. فبينهم رجال المافيا الدولية الذين ينحدر نسلهم من عصابات المافيا الأصليين الذين هاجروا صقلية بإيطاليا في أوائل القرن العشرين. و كان من أشهر هؤلاء الصقليون "جوزيف بونانو" أو كما يعرف ب"چو باناناز"الذي حل؛ ليسيطر على فرع المافيا الجديد بأمريكا. و أصبح الأمريكيون الذين ينحدرون من أصل إيطالي، هم المسئولون عن كل الجرائم المنظمة بأمريكا. إلى أن انشقت المافيا لستة و عشرين أسرة، تمثل أخطر عصابات السلب والنهب وغسيل الأموال وتجارة الأعضاء والكثير من إراقة الدماء فقط؛ لكسب الأموال وتوطيد جذورهم بالأراضي الأمريكية. وغيرهم من نزلاء هذا السجن الذين سولت لهم أنفسهم القيام بجرائم فردية أو جماعية تناولتها وسائل الإعلام و السوشيال ميديا بصورة حولت مرتكبيها إلى جناة عتيدي الإجرام، فأصبحوا من قاطني تلك الأسوار. و بالتعمق داخل وحدات هذا السجن، نجد ضمن عنابره عنبراً يضم أحد سُلالات هؤلاء النازحون، تتشكل ملامحه لتجسد تمثالاً نحت من لحمٍ ودمٍ في هيئة إنسان، تصرخ كل خلية به رافضةً إنتسابه لبني البشر إنه "ريكاردو ماتيو باناناز" المعروف ب"ريكا بان" ولنقل "ريكا" ، فبرغم سنوات عمره التي لم تتعدَ الخامسة و الثلاثون إلا أن إسمه منحوتٌ بحروفٍ من نار في قائمة زعماء المافيا الدوليين. وعلى من وضعه القدر هدفاً لهذا ال"ريكا" أن يبدأ ذويه بتحضير مراسم دفنه. "ريكا" من أخطر وأقوى رجال المافيا و الذي إمتدت نشاطاته؛ لتصل سيادته على أكثر من خمسين ولايةٍ ودولة، كما أن هناك جزر تقع تحت سيادته الكاملة، فأصبح المسيطر على سوق تجارة المخدرات حول العالم، وله بعض التعاملات مع فروع المافيا الأخرى، والتي تفرض هيمنتها على سوق غسيل الأموال. حيث يعمل القائمون في تلك الأنشطة المشبوهة على إرغام بعض رجال الأعمال الكبار بينهم الشرفاء وبينهم من لا يُعْرَف مصدر أمواله، وقد لمعت أسمائهم بين ليلةٍ وضحاها على المنصات التجارية، وارتفعت أسهم شركاتهم بالبورصة على دفع الإتاوات لرجال تلك العصابات؛ لتصب في مصلحة زعيمهم مقابل حماية تجارتهم وأموالهم، ويصل تهديداتهم في بعض الأحيان إلى أن تَطُول أيديهم الأنفس والأرواح للمعارضين لهم وذويهم. بل وإجبارهم أيضاً على القبول بدمج شركاتهم مع بعض الشركات والمرافق التي يحتاج أصحابها لستارٍ يخبئون خلفه ممارستهم لأنشطة أخرى غير مشروعة. يجلس الزعيم "ريكا" كما يلقبونه على أحد المقاعد الخشبية الملحقة بعنبر إحتجازه، يضع ساقاً على أحد متكأيِّ اليد لهذا المقعد، والساق الأخرى تلامس الأرض، يهزها بمللٍ من كثرة الأعذار التي يلقيها الحارس على مسامعه، يحك شحمة أذنه بفتور، وما إن انتهى الحارس من ثرثرته من وجهة نظر الآخر، قام "ريكا" من مجلسه يقترب من الحارس بخطوات رزينة ينبعث منها الثقة والكبر. قائلاً لذلك الذي يتصبب عرقًا وترتجف أطرافه، ومن ذا الذي لا تدب الرهبة قلبه وهو في حضرة الزعيم "ريكا": - انظر يا هذا، سأعتبر أنني لم أسمع حرفاً مما قلت، فلا شأن لي بقائدك، أنت تجني أموالاً طائلة من وراء خدماتك لي، فلا تزعجني بأمورك مع رئيسك، ما قلته ينفذ، كيف؟ فالطريقة تعود إليك. الحارس وهو داخله يمقط ذلك اليوم الذي جعل منه خانعاً لرجلٍ بخطورة "ريكا" وأصبح من أتباعه، لاعناً حبه للمال، فعشقه للمال أفضى به للتحالف مع الشيطان لأجله، قائلًا برضوخ: - أوامرك يا زعيم، ولكن أمهلني بعض الوقت، أنا أعاني الأَمَرَّين حتى ألهي مراقب الكاميرات؛ لكي أستطيع الدخول إليك، أو كي أتمكن من إرسال رسالة مبطنة لرفيقي على الطرف الآخر عبر جهاز اللاسلكي، فكما تعلم لا شبكات إتصال هنا على الجزيرة. ابتسم "ريكا" بزاوية فمه ساخراً: - وهذا أيضاً لا يعنيني، الليلة، أسمعت ما أقول يا هذا؟! الليلة ودون حججك تلك. الحارس بخوفٍ مضاعف بعد رؤية الغضب الذي بدأت معالمه تضح جلية على وجه هذا المتجبر، وهو يهز رأسه سريعًا بالموافقة: -حسناً يا زعيم الليلة. خرج الحارس وهو يسب ويلعن تحكمات هذا العتي "ريكا" ، فكيف سيخبر زميله بأن الزعيم "ريكا" يريد استعجال رجاله في الخارج بسرعة إرسال ذلك المدعو"سام چاكوب" إليه في هذا السجن المشدد النائي بأي طريقة وبأي ثمن؟! حتى لو اضطروا للتعاون مع بعض زعماء المافيا الآخرين أو المُعادِين له وفقاً لأي شروط، فقط يريده هنا في هذا المنفى الذي لا يطأهُ سوى من كان بخطورة "ريكا". فقد بلغ دهائه إلى أن هناك أكثر من خمسة حكومات ومنظمات دولية تسعى ورائه، ولم يستطع أياً من رجالها الإيقاع به، برغم علمهم بأماكن تواجده ولديهم صوره، ويعرفون كل شيء عن تجاوزاته وتجارته المشبوهة، لم يتمكنوا من إثبات أياً من تلك الإتهامات إليه، فهو فائق الذكاء شديد الحِيطة والحظر. بل وصل به الدهاء والمكر إلى أن من كان يحاول من رجال الشرطة المحلية أو المباحث الفيدرالية إنساب أيًا من تلك الجرائم القائم عليها بالفعل إليه، تُهْدم تلك الإدعاءات من أساسها بأول جلسة قضائية، فهو على دراية كاملة بالقانون، لا يضاهِ خبرته به أكثر رموز القضاء والمحاماة حِنكة. فهو يقوم بإتخاذ كل إحتياطاته، حتى إذا حاولت أياً من تلك القيادات إلقاء القبض عليه أثناء تسلم أو تسليم تلك البضاعة التي يُرَوِّجها، يكن حريصاً كل الحرص، فيضع خطة محكمة للهرب وأخرى تبطل القضية بسبب خطأ في إجراءات الضبط أو التلبس إن فشلت خطته بالفرار. حتى أثناء عقده للجلسات الإتفاقية أو المكالمات الهاتفية بينه وبين مورديه وموزعيه، يكن الحديث بينهم بألغازٍ ومصطلحاتٍ متفق عليها مسبقاً؛ تحسباً لقيام أحد بتسجيل تلك المحادثات. كما أنه يمتلك أحدث أجهزة التشويش الصوتي، وأجهزة التتبع والمراقبة عن بعد؛ لتأمين محيطه هو ورجاله أثناء تلك التعاقدات، مستحقًا وبجدارة لقب "الداهية" . فحرصه على تأمين رجاله الأوفياء لا يقل أهمية عن سلامته هو شخصياً، وحتى إن وقع أحدهم يسعى جاهدًا لتخليصه، كما أنه يَعُول كل من هم مسئولون من هذا الشخص حتى يرده إلى فاقديه سالماً، ولو اضطر إلى تهريبه. مما جعل تابعيه يتفانون في خدمته وتأمينه بكل عزمٍ وإخلاص، باذلون أنفسهم في تنفيذ أوامره حتى وإن قادتهم تلك الأوامر إلى الموت المؤكد والهلاك الحتمي، فماذا بها وهم يُودِعُون عائلاتهم وأحبائهم أمانة في عنق زعيمهم؟! وهم على أتم الثقة بأنهم لن يُضاموا في كنف حاميهم. وبلغ تبجحه منتهاه حينما قام أحد أكبر كوادر المباحث الدولية "ديفيد إبرام" بمحاولةٍ؛ لإيقاعه، ممنياً نفسه بنجاح يكن له السبق فيه، بأن يتصدر اسمه العناوين الأخبارية بكل الوسائل الترويجية الإعلامية، في كونه ألقى القبض على "الزعيم الداهية ريكا بان" وتفوق على من سعى قبله في ذلك. ولكن كلها كانت أضغاث أحلام، وَأَدَها "ريكا" في مهدها بثغرةٍ قانونية بمحضر الضبط، وما إن تم إطلاق صراحه الشَّرْطي على ذمة التحقيق بأول جلسة مُنعَقِدة في تلك القضية التي حضرها لفيفٌ من أشهر المحامين الموكلين بالدفاع عن" الزعيم ريكا" أمام هيئة المحلفين، منهم الحاضر بأجرٍ، ومنهم المتطوع؛ رغبةً في الظهور بالكادِر في تلك القضية التي كانت محور حديث الإعلام، وسُلِّطت عليها الأضواء، فحدثٍ كهذا لن يشهدهوا العالم كل يوم. وبعد إخلاء سبيل "الداهية" دون ضمانٍ، شرع في تحرير دعوى قضائية ضد "ديفيد إبرام"، مطالباً بتعويضٍ ماديٍّ كبير نظير التشهير به من قِبَل "ديفيد"، بل ورفع دعوى ضد المباحث الدولية مطالباً بإيقاف "ديفيد" عن العمل وعزله من منصبه، ومحاكمته بتهمة عدم أهليته للمنصب الموكل إليه وأنه غير كفءٍ له؛ لإلقاءه التهم الباطلة دون سندٍ قانوني. وتم ما سعى "ريكا" إليه جاعلاً من "ديفيد" عبرة لمن سولت له شياطينه أن يُجابِه أسطورة المافيا "ريكا بان". إلا أن أحد رجال الأعمال الشرفاء رفض تلك السيطرة، وأبى الخضوع، فكل تهديدات" ريكا" له لم تجدي نفعاً، ولم يهتز لها شعرةٌ ببدنه. هو رجل الأعمال الشاب "أسامة زايد يعقوب" المعروف ب"سام زد چاكوب" مصري أمريكي الجنسية بالغ من العمر 32 عاماً، ويملك مجموعة من الشركات الكبرى حول العالم، فهو ابن الملياردير "زايد يعقوب". وعندما علم "ديفيد" برغبة "ريكا" التحالف مع "سام"، أو بالأحرى إجباره على هذا التحالف، قرر الإنتقام بمعاونة" سام"، فأثمرت جهوده تلك المرة، وتمكنا من إيقاع "الداهية". "ديفيد" بذكائه وحقده وعزمه متعلماً من أخطائه السابقة. و"سام" بقوته الجسدية التي تعادل قوة "ريكا" بل قد يفوقه قوةً وعناداً، بنزاهته وإرادته في دحر شناعة وتفحش هؤلاء من سماهم بائعي السموم وتُجَّار الموت الذين كان أحد ضحاياهم أخيه الأصغر "إسلام"، فقد خطفه الموت جراء جرعة زائدة، لافظاً أنفاسه الأخيرة بين أحضان "سام" على أحد أسرة المشفى الذي نقله إليه على وجه السرعة، ولم يستطع فعل شيئاً لإنقاذه، فكانت إرادة الله أسبق وأرحم. عودة إلى داخل عنبر "ريكا"، فبعد خروج الحارس، قام "ريكا" بركل الكرسي بقدمه في تسديدةٍ ولا أروع إن قام بها أحد مهامجي فريق كرة القدم لخرقت تلك القذيفة شباك المرمى، يحرز بها هدفاً يتفنن المعلقون على المباراة في تحليله، ويُدَرَّس من قبل أمهر المدربين، فمن شدة الركلة تهشم الكرسي، وتناثرت أجزاءه مصدراً صوتاً مدوياً كصوت إطلاق قذيفة هوند تردد صداها بأرجاء العنبر والعنابر المجاورة. وهو يجوب أنحاء العنبر بجسدٍ ثائرٍ ذهاباً وإياباً، كليثٍ هاجمته الضباع، فبرغم ثأره الذي أخذه رجاله من "ديفيد" في حادث اغتيالٍ دَبَّروه بأمر منه، وصلهم عن طريق ذاك الحارس، إلا إنهم فشلوا في مخططهم ضد "سام" عدة مرات . فلم يجد بداً من إخماد تلك البراكين الثائرة من جهة "سام" سوى حيلة ترسله إلى هنا، وهناك مَن بالخارج قد تشرب من طباعه وأجاد التخطيط متمرِّساً على يد "الداهية"، وهو صديقه وذراعه الأيمن "نك"، والمقصود إيصال الرسالة الثانية له عن طريق الحارس. قائلاً بنبرة تخللها حقد وغل محتقن: -ارقد في الجحيم "ديفيد"، فقد حان وقت" سام" لأمنحه تأشيرة ذهابٍ بلا عودة، تباً لكما أيها الوغدين. أما بالخارج وبالأحرى في غرفة التحكم التي يوجد بها جهاز الإرسال عن بعد، يقف الحارس شارداً يفرك جبهته بتفكير، يزفر أنفاساً حانقة بسبب توبيخ قائده له، بعد أن توسله الحارس كي يسمح له بإرسال إشارة للطرف الآخر الموكل باستقبال البث الموجه من سجن الجزيرة متعللًا بضرورة إرسال صديقاً له؛ ليطمئنه على زوجته التي حان موعد وضعها لأول طفل لهما، وهو بعيداً عنها. تاركاً إياها خلفه وحيدةً بسبب ظروف عمله هنا، ولا يوجد من تلجأ إليه سوى جارة لهما كبيرة بالسن بلغ بها الهِرَم مبلغه، وقد نهشه القلق عليها، وتلك كانت الحجة التي على إثْرِها سمح له القائد بتلك الإشارة. ونظراً إلى أن الغرفة أيضاً مراقبة، فيجب ترتيب مايقول وفقاً لشفرة يتمكن من تفسيرها ذلك التابع أيضاً ل"ريكا" حتى يتوافق قوله مع حجته، فلا يشك الموجودين بالغرفة أو المراقبين لها بأمره، فيُوقِع حاله بمشكلةٍ كبرى قد تتسبب بدخوله هو الآخر حجز إنفرادي، لحين ترحيله للمحاكمة بتهمة الخيانة والتواطئ مع أحد السجناء. الحارس بعد استجماع ما سيقول ،إلتقط بوق البث يعبث بأزرار الجهاز إلى أن التقط الإشارة مستمعاً إلى صوت الآخر الذي وصله في البداية متقطعًا حتى اتضح الصوت، قائلاً: هل تسمعني؟ فأجاب الآخر: -نعم أسمعك بوضوح،إبدأ الإشارة. فأجاب الحارس بعد أن صرح باسمه ورتبته ورقمه الكودي: -أريد أن أرسل رسالة لأعز أصدقائي "نك"؛ ليطمئنني على زوجتي، فبسبب إنشغالي هنا عنها بت أفكر لو استطعت إحضار من كان السبب في نقلي إلى هنا؛ ليرَ ما أعانيه لن أتونى عن ذلك، فقد أصبح هذا هاجسي الأكبر الذي أتمنى تحقيقه بشدة. إبتسم التابع على الطرف الآخر بخبث، وقد وصله ما يرنو إليه الحارس ويريد إيصاله "لنك"، قائلاً: -لقد التقط الإشارة يا صاح، وسأعمل على إيصالها ل"نك" على وجه السرعة، طمئنسبة نابية تنبست بها شفاهه وقد تحول الصقيع الذي تملكه إلى ارتفاع شديد في درجة الحرارة نجم عن إحساسه بالغل والغضب، فتلك المراوغة لا يمكن توقع ما يمكن أن تفعل!! فبأول يوم قد غادر به بعد أن أخبر "كيارا" بإعلامها بسفره، طلب منها التخلص من ما بحيازة "ساندي" من عقارات وأقراص تحتفظ بها في حقيبة يدها وذلك دون أن تشعر. وأمرها كذلك بتفتيش الغرفة التي تشغرها حالياً ولا تترك شبراً بها، إلا وبحثت به ملياً علها تخفي بعضًا من تلك المواد المخدرة بأي ركن داخلها.وقد أخبرته "كيارا" أنها تخلصت منها بالفعل، وأنه بعد الجرد المتفحص لكل محتويات الغرفة وأرجائها لم تعثر على شيءٍ سوى ما ذكره "نك" بالوصف والعدد. ولكن إذا وقع خطأ، فمنه!! وذلك كونه لم ينبه عليهم بضرورة التحري عن كل ما تطلبه قبل إدخاله إلى القصر. أغلق "نك" الهاتف في وجه البومة الذي زفه الخبر المشئوم، وإحساسٌ بالضياع والفقد حل ليقلب كل موازين الثبات هادمًا حصون عجرفته؛ وهو يدور حول نفسه بالغرفة كالليث الجريح يشد على خصلات شعره بقهر. ومن ثم أخذت أنامله تعبث بشاشة هاتفه يتصل بخبير المراقبة الذي عثر عليها أول مرة عن طريق تتبع هاتفه الذي سرقته مسب
*في كنداخرج "نك" من مرحاض الغرفة القاطن بها بأحد الفنادق الشهيرة هناك، فهو لم يَرِد أن يُقِم في القصر الخاص بالداهية؛ حتى يكن لديه شهود بأنه منذ أن تم الحجز باسمه وهو نزيل تلك الغرفة وبالطبع ميعاد الحجز كان قبل ضبط حقيبة متفجراته ضمن محتويات الشحنة الخاصة ب"سام". أما عن الشهود فهو ليس بحاجة لهم، ولِم قد يحتاجهم ولَم يتم ذكر اسمه في القضية من الأساس!! والتسجيل الذي كان "چاسم" يعتمد عليه كسند واهي، قد حصل عليه رجاله قبل وصوله هو و"هانز" إلى ساحة القضاء.فبرغم عدم اعتداد هيئة المحلفين بهذا التسجيل كونه سُجِل بدون إذن نيابة، إلا أنه كان من الممكن أن يثر جلبة ويوجه الأنظار إليه.وبما أن ما كان يعتمد عليه محامي الدفاع الخاص ب"سام" لم يعد له وجود. فلا يمكن لأي محامٍ ولو مبتدأ أن يأت على ذكر إناس أبرياء كذئبنا "نك" في قضية كهذه بدون دليل.وإلا عرض هذا المحامي حاله هو وموكله إلى التنديد من قبل هذا الرجل المحترم "نك"، وربما رفع دعوى إدعاء ورد اعتبار ضد كليهما، وهذا قد يؤدي إلى تحميل الموكل وهو "سام" مبلغ مالي كبير كتعويض. أما بخصوص المحامي فبذلك سيوقع حاله بورطة كبيرة كأن يتم إيقافه عن مزا
عند هذه النقطة انتبه على حاله يبتعد عنها، مناجياً ربه طالباً المغفرة على ما لا يملك، فقلوبنا ليست بإيدينا بل بيد بارئها يقلبها كيفما يشاء، ويألفها بمن يشاء. تحمحم سام محاولاً تحطيم تلك الحلقة التي استحكمت لتربطهما معًا، محاولاً بغشم التطرق إلى صلب الموضوع كوسيلة لقطع الجسر الذي مده الشيطان بينهما، قائلاً: -مَن هو؟! وكيف فعلها ليجعلك تتمنين الرجوع بالزمن لتفعلي به ما فعلتِ؟! اعتدلت "سيدرا" في جلستها، وارتكزت ببصرها على نقطة ما في الفراغ شاخصة بها، وكأنها انفصلت عما حولها، تستكمل باقي فصول روايتها التي حتماً انتهت نهاية مأساوية فوجودهما معًا على متن الطائرة مغلليْن بهذه القيود دليل على إسدال الستار بموت وقتل وسجن: -منذ أربعة أعوام كنت أنا و"سالي" بآخر يوم لنا بالمدرسة الثانوية، وآخر مادة لنا بالامتحانات. -شَعرتْ حينها بوعكة جراء إجهاد كلانا في المذاكرة فقد وضع والدنا أملاً علينا في أن نكلل تعبهما وكفاحهما من أجلنا. -فقد كانا يقتصدان من احتياجاتهما في سبيل تأمين مصروفات المدرسة "الإنترناشونال" التي ألحقانا بها أنا و"سالي"، لذا كنا نبذل قصارى جهدنا من أجل أن نكن عند حسن ظنه
الأمان لحظات إنصات غالية تجعل القلوب قادرة على التنفس.وهذا ما نحن بصدده الآن.فبطلتنا الوقحة "سيدرا" جنت عليها المواقف وحولتها الأشخاص.سؤال نطق به "سام" وكان جوابها أنني أشعر معك بالأمان والراحة.يا الله كم أبدعت في التعبير!فتناغم الأرواح وتواصلها يكمن في الكلمات الثلاثة تلك:شعور - أمان - راحة.عقَّب على جوابها، وها قد هامت روحه بعينيها، فنطق لسانه بما شعر به:-اتصرف كيف دلوك يا جلب "سام"؟! -أي "ماذا أفعل الآن يا قلب "سام"؟! ابتسمت وقد التقطت من جملته كلمتين احتارت في تفسير الأولى ولكن هداها قلبها إلى معناها، فما نطق به لسانه فسرته نظرة عينيه، رددت داخلها:- نعم، هو يعنيها ب"قلب سام". يا لا تعاستك "سام" أنت تفضي وهي تنتقي وتفسر أهذا من حسن حظها، أم من سوء طالعك.تحمحم يجلي صوته، يبتعد مرةً أخرى بناظريه عن مرمى فيروزيتيها، قائلاً:-لَم تخبريني عمَّ أوصلك إلى ما أنت به الآن!!ومن ثم ارتد ببصره إليها يلتمسها النفي، وهو يستطرد مستفسرًا:-هل حقًا قتلتِ؟!أومأت بالإيجاب والغريب أنه لم يلمح بعينيها ولا ذرة ندم، ولكنها قالت بإبهام:-بمفهومهم قتلت، ولكن الحقيقة أنني حققت العدالة، ولو عا
غيرة اخترقت قلبه الخائن تغرز أنيابها بلا رحمة ولا هوادة، عندما وجد هذا الضابط الذي يقاربها بالسن أو ربما يصغرها بعام أو اثنين يرمقها بنظرات إعجابٍ.أخذ ذلك الذي لا يتوقف عن تأنيبه وهو العقل، يمطره بوابل من الإهانات والتعليقات الساخرة، وهو ينعته بالحمق والغباوة، فبدل من أن يمقتها ويجتويها مستئصلاً ع
داخل إحدى الشركات الكبرى لتجارة الأدوية والمستحضرات الطبية، يجلس واحدٌ من كبار رجال الأعمال على كرسيّ مكتبه، وعيناه المحاطة بالتجاعيد تطالع باهتمام شاشةً مسطحة بعرض الحائط. لكن تلك الشاشة لا تعرض أفلامًا ولا منوعاتٍ، كي يَشْخص بها هكذا بتركيزٍ، كل ما يظهر عليها أرقامٌ ورموز، تبدو كلوغريتماتٍ وطلاس
في الشركة الأم حيث الصديقان "سام" و"چاسم".كان يومهما حافلًا بالأعمال، فقد حضر إليهما مندوبي أكبر شركتي التوريد والشحن بأمريكا، بناء على تلك الأوامر التي والاها تِباعًا لموظفة العلاقات العامة صباحًا. ف"سام" يستعد لنقل أكبر شحنة للمواد الغذائية من مصر، تحتاجها شركاته التي تعمل بمجال حفظ وتعبئة المو
تفوح من فمه رائحة النبيذ المعتق، يجلس في ثمالةٍ على مقعد مكتبٍ، تمنى لسنوات أن يحتله مطيحًا بصاحبه، وها قد ابتسم له الحظ، وأدارت الحياة وجهها إليه. بعدما ربى مشردًا في الأزقة وعلى الأرصفة، لا يجد ما يقتاته، فيصل به الحال كل ليلةٍ متسطحًا على عتبة أحد المنازل، أو متكومًا في ركن من أركان مرأب سيارات
reviewsMore