Se connecterانهيار السيارة على جانبها الأيمن... صرخ حسان في غيظ:
- الإطار انفجر... لا حول ولا قوة إلا بالله. أخذ يضغط على الفرامل في هدوء عجيب مناقض للموقف العصيب. يعلم جيدا أن أي توقف مفاجئ سيؤدي حتما إلى انقلاب السيارة رأسا على عقب وأخيرًا توقفت السيارة بعد أن قطعت مسافة لا بأس بها. نظر حسان إلى صديقه في قلق.... ما العمل الآن؟ كانت الشمس قد مالت إلى الغروب، وإن لم يكن الظلام قد خيم تماما. فاصطبغت سماء قانا بلون الشفق، وعكست احمرارها على واجهات المباني. تسللت خيوط الشمس الأخيرة عبر زجاج النافذة المغلقة، لترسم بقعا مضيئة على أرضية غرفة الجلوس، حيث جلست ندى على الأريكة تشاهد شاشة التلفاز في ملل. لم يكن في البيت غيرها وأختها دانا، فقد سافر والداهما لحضور زواج بعض الأقارب في بيروت ولن يعودا قبل يومين. كانت دانا تطالع جريدة الأمس في اهتمام بل لعلها قرأت الملف الخاص بالمقاومة اللبنانية، والأحداث الأخيرة التي هزت الساحة السياسية مرات ومرات، محاولة دراسة هذه الظاهرة ... رفعت رأسها فجأة وقالت كأنها تخاطب نفسها: - إنه لشيء عجيب حقا ... كل هؤلاء الشباب الذين يتركون عائلاتهم ومستقبلهم وينضمون إلى جيش مبتدئ لا يعترف أحد بمشروعيته، ويضحون بأنفسهم دون نتائج تذكر !! ألقت عليها ندى نظرة احتجاج، ثم قالت في ثقة: - إنهم يدافعون عن وطنهم.... ولا يهمهم أن يعترف بهم أحد، طالما كانت قضيتهم عادلة..... ثم أضافت في تهكم تشوبه مرارة - طبعا ليس غريبا ألا ندرك ما يحركهم.... فنحن لم نعرف معنى الوطن... حدجتها دانا بنظرة غاضبة، وقالت وهي تطوي الجريدة وتلقي بها جانبا - نحن لبنانيون... ولبنان وطننا..... هزت ندى كتفيها في لامبالاة. لكنها في داخلها لم تكن تستهين بالأمر إلى تلك الدرجة. بل إنها لتستشعر يوما بعد يوم المزيد من الإعجاب بشباب المقاومة البواسل تحس بإيمانهم بقضيتهم وتصميمهم على إعادة الحرية إلى أراضيهم المسلوبة... لكنها لم تستطع أبدا أن تعلن عن تعاطفها معهم واستهجانها للعدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان. فذاك كفيل بإعلان الحرب عليها داخل العائلة، حيث لكل رؤيته المختلفة للصراع اللبناني الإسرائيلي. لم يكن قد مر سوى عامان اثنان على المجزرة الإسرائيلية التي عرفتها المدينة... مجزرة قانا. «عناقيد الغضب» اسم رواية أمريكية شهيرة كتبها (جون شتاينبك واسم عملية عسكرية إسرائيلية ضد لبنان عام 1996. كانت أهدافها تتلخص في ضرب المقاومة اللبنانية ومحاولة القضاء عليها. أسلوبها الحرب عن بعد حملة جوية شاملة وقصف من البر والبحر دون توغل بري. قصفت مدن لبنان وقراه خلالها بما لا يقل عن عشرين ألف قذيفة، وانتهكت سماؤه بأكثر من خمسمائة غارة جوية حصيلتها خمس مجازر ، آخرها وأعنفها مجزرة قانا القوات الإسرائيلية قصفت سيارة إسعاف ومركز وحدة الطوارئ الدولية لتسقط ما يزيد على المائة من نساء وأطفال قانا. لا تزال ندى تذكر تلك الحادثة التي تركت في نفسها الفتية أعمق الأثر... هي الفتاة اليهودية ذات الستة عشر عاما. أيقنت منذ ذاك الحين أن المقاومة لا تلام على شيء مما تفعله لتحرير الأراضي المغتصبة. وأيقنت أيضا أنها وإن كانت يهودية، فإنها لن تنتمي يوما إلى الفكر الصهيوني فاحتلال أرض الغير وقتل المدنيين العزل هو دون شك عمل إرهابي، مهما ادعت أمها أن السياسة تقتضي بعض التجاوزات، ومهما ادعى والدها أن ما يحصل يتجاوز تفكيرها المحدود..... فجأة تعالى صوت جرس الباب بحدة، كأن أحدًا ما يستعجل الفتح. تبادلت ندى ودانا نظرات متسائلة، فهما لم تكونا تنتظران زوارًا... وما لبثت ندى أن هبت في رشاقة لتفتح الباب وهي تسوي غطاء رأسها فتحت الباب وتطلعت إلى الشبحين الذين وقفا عند مدخل الحديقة، وقد كادت ستائر الظلام التي أسدلت لتوها تطمس ملامحهما. لكنها تبينت شكليهما من موقفها ذاك كان أحدهما يبدو غائبًا عن الوعي تقريبا، وقد أحاط صاحبه خصره بذراعه اليمنى، في حين شده من ذراعه اليسرى التي مررها خلف عنقه حتى يساعده على الوقوف. تسارعت دقات قلبها في إثارة، وقد أيقنت أنها مقبلة على مغامرة ما ... فالوشاح الذي يتدلى على صدر أحدهما كان شبيها بالألثمة التي يستعملها المقاومون في العمليات الجهادية. تسمرت أمام الباب في تردد وهتفت من مكانها - من هناك ؟ أجابها الشاب في لهفة: - أختاه.... عذرًا على الإزعاج في هذه الساعة ... لكن أخي مصاب في ساقه، والسيارة تعطلت بنا في شارعكم ، ولا يمكننا الوصول إلى المستشفى... نحن غرباء عن المدينة... فهل يمكن لوالدك أو أحد إخوانك أن يمد لنا يد المساعدة لإيجاد طبيب قريب ؟ وقفت للحظات وتفكيرها يعمل بسرعة لإيجاد حل مناسب، وسرعان ما هتفت قبل أن تغيب في الداخل - انتظر قليلا.... دخلت بخطوات سريعة، وتوجهت مباشرة إلى درج الخزانة في غرفة والديها وأخذت تفتش في محتوياته في توتر. جاءها صوت دانا من قاعة الجلوس مستفهمة - من الطارق ؟ ردت ندى بصوت متلعثم من الاضطراب ....آه... الجيران - الجيران ؟ وماذا يريدون ؟ أجابت ندى وهي تمسك بمفتاح المستودع في ظفر : - بعض الأدوات من المستودع.... ثم خرجت مسرعة مجددًا. تقدمت في اتجاه باب الحديقة وفتحته، ثم أشارتهاه ؟ هل هي صلاة جديدة ؟وقفت وطوت سجادتها وهي تقول موضحةبل هي صلاة قديمة ... لكنني لم أكن أدرك قيمة أدائها في وقتها... فأصليها قبل شروق الشمس بقليل... لكن الشيخ يقول إن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها.... هم بأن يتكلم ، لكنه تذكر الكابوس الذي رأه منذ دقائق وسمع صوت والدة ريما وهي تهتف في أذنيه الأمانة يا جاكوب... الأمانة!!». كان ذاك النداء ما أخرجه من نومه فزعا. تمالك نفسه واقترب من الفتاة ليربت رأسها في حنان وهو يقول:- حسن يا صغيرتي... والآن هيا إلى النوم... ما زال الصباح بعيدا....استلقت ربما في سريرها، وغطاها جاكوب في حرص. ثم قرب كرسي مكتبها وجلس إلى جانبها. لبث يتأمل قسمات وجهها البريئة للحظات وهي تبتسم في وداعة. ولم يستطع أن يقاوم رغبة مفاجئة في أن يُسمعها أغنية نومها التي كان يُغنّيها لها عندما كانت طفلة دون السادسة... الأغنية التي تحمل اسمها للسيدة فيروز.يالله تنام ربما *** يالله يجيها النوميالله تحب الصلاة *** يالله تحب الصوميالله تجيها العوافي *** كل يوم بيوميالله تنام، يالله تنام *** أذبح لها طير الحمامكانت ريما تحب تلك الأغنية كثيرًا، وتحب أن يُغنيها لها جاكوب. ف
بخير... لقد نجا من الخطر الحقيقي، وسيستيقظ عند الصباح وهو أحسن حالا....انتبه حين وصله صوت حديث قادم من الخارج لم يتبينه جيدا. اقترب من باب المستودع الخشبي في حذر، فأصبحت الأصوات أكثر وضوحا، جاءه صوت ميشال وهو يهتف في حدة- هل تدركين جيدا ما الذي تفعلينه ؟ كيف تدخلين رجلين مشبوهين إلى المنزل في غياب والديك ؟كان صوت ندى أكثر هدوءًا وهي تقول:اخفض صوتك... سيسمعانك أنت ترى جيدا أنني أدخلتهما إلى المستودع وليس إلى المنزل... كما أنني لم أستطع طردهما وأحدهما مصاب... ظننت أن عملك في الكنيسة سيجعلك أكثر تسامحا.....لكن وجودهما هنا فيه خطر ... لقد حل الظلام.... هل فكرت في ردة فعل والديك إن علما ؟بابا جورج سيكون متفهما ....لكن أمك لن تكون كذلك !!ساد الصمت للحظات، وقد بدا على ندى التفكير. أطرق حسان في تفكير هو الآخر. لكن ما لبث أن جاءه صوت الفتاة مجددا وهي تقول في حزم- إذن لا يجب أن تعلم ودانا كذلك....- دانا ؟! أليست في المنزل ؟- بلى... لكنني كذبت عليها ... قلت إن الجيران يحتاجون إلى أدوات من المستودع....لم يعلق ميشال، فأردفت ندى في رجاء- أنت لن تخبر أحدًا، أليس كذلك ؟ على أية حال سيغاد
للشاب بأن يتبعها إلى الداخل. لم تكن إلى تلك اللحظة قد لمحت جرح الشاب المصاب، لكن ما إن فتحت الباب حتى انقبض صدرها مع اصطدام نظراتها بمشهد ساقه التي شقها جرح عميق ما زال ينزف بدا على الشاب السليم التردد لكنها التفتت إليه بعد أن تقدمت بضع خطوات وهتفت- من هنا أرجوك...لم يجد بدا من تعقب خطواتها. سارت بمحاذاة جدار المنزل، ثم استدارت باتجاه الحديقة الجانبية، وفي أقصى الحديقة الخلفية، كان هناك مستودع تستعمله العائلة لركن قطع الأثاث القديمة والكتب والجرائد وغيرها من أدوات البستنة والنجارة ... لم يكن المكان في غاية النظافة، لكنه كان مرتبا التفتت إليهما ندى في حرج وقالت:- أعلم أن المكان ليس مناسبًا... لكن لا يمكنني إدخالكما إلى المنزل.....هز الشاب رأسه متفهما. لكن في تلك اللحظة، وقعت عيناه على نجمة داود التي تدلت من سلسلة فضية أحاطت عنقها، فاتسعت عيناه دهشة. انتبهت ندى إلى تغير ملامحه، لكنها تجاهلت الأمر ، وأسرعت بجلب طاولة قديمة وكرسيين خشبيين وهي تهتف:- يمكنك أن تجعله يستلقي على الطاولة... سأستدعي الطبيب فورا....خرجت ندى من المستودع، فتابعها حسان بنظراته في استغراب متزايد... إنها يهودية
انهيار السيارة على جانبها الأيمن... صرخ حسان في غيظ:- الإطار انفجر... لا حول ولا قوة إلا بالله.أخذ يضغط على الفرامل في هدوء عجيب مناقض للموقف العصيب. يعلم جيدا أن أي توقف مفاجئ سيؤدي حتما إلى انقلاب السيارة رأسا على عقب وأخيرًا توقفت السيارة بعد أن قطعت مسافة لا بأس بها. نظر حسان إلى صديقه في قلق.... ما العمل الآن؟كانت الشمس قد مالت إلى الغروب، وإن لم يكن الظلام قد خيم تماما.فاصطبغت سماء قانا بلون الشفق، وعكست احمرارها على واجهات المباني. تسللت خيوط الشمس الأخيرة عبر زجاج النافذة المغلقة، لترسم بقعا مضيئة على أرضية غرفة الجلوس، حيث جلست ندى على الأريكة تشاهد شاشة التلفاز في ملل. لم يكن في البيت غيرها وأختها دانا، فقد سافر والداهما لحضور زواج بعض الأقارب في بيروت ولن يعودا قبل يومين. كانت دانا تطالع جريدة الأمس في اهتمام بل لعلها قرأت الملف الخاص بالمقاومة اللبنانية، والأحداث الأخيرة التي هزت الساحة السياسية مرات ومرات، محاولة دراسة هذه الظاهرة ... رفعت رأسها فجأة وقالت كأنها تخاطب نفسها:- إنه لشيء عجيب حقا ... كل هؤلاء الشباب الذين يتركون عائلاتهم ومستقبلهم وينضمون إلى جيش مبتدئ
طرق الباب بهدوء، فجاءه الإذن بالدخول. أطل برأسه في مرح وهو يقول:- ماذا تفعل صغيرتي الشقية ؟ الغداء سيكون جاهزا بعد قليل.لكن مرحه سرعان ما انطفأ، حين رأى ربما تجلس على طرف السرير، وقد ضمت ساقيها إلى صدرها، وأحاطتهما بذراعيها في وضعية كتيبة. تقدم نحوها في جزع، وقد لاحظ نظراتها المنكسرة. جلس إلى جانبها ، ووضع يده على كفها في حنان وهو يهمس:- ريما ... ما بك؟ هل هناك ما يزعجك ؟ظلت الطفلة مطرقة، وتمتمت بصوت ضعيف- بابا يعقوب.كم يحب أن تناديه بابا يعقوب»، فقد عودها على ذلك منذ صغرها. كان ذلك أول عهده بالأبوة، وظل يحتفظ بتلك المشاعر لها وحدها. وكان يسعدها أن تناديه باسمه المعرّب، أو كما ورد في القرآن. ولم يكن هو يمانع أبدا، طالما كان في ذلك إرضاء للصغيرة. رنا إليها في اهتمام- نعم صغيرتي.رفعت إليه عينين مليئتين بالدموع، وهتفت في تأثر:- أنا أحبك كثيرا.تسارعت نبضاته أمام اعترافها البريء الذي اخترق قلبه وزلزل كيانه. كان يعلم أنها تحبه وتعتبره والدها، فقد كفلها وهي في سن صغيرة، وأصبح كل عائلتها بعد وفاة والدتها. لكن تصريحها جاء في وقت حرج... في وقت يفتقد فيه حب وعطف أسرته الحقيقية. لم يتما
باسكال الذي يبلغ الخامسة من عمره على كومة من الأوراق، وهو يتنقل بين الآلة الحاسبة والقلم. اتخذ جاكوب مجلسه أمام التلفاز الذي كانا مفتوحا على شريط وثائقي، وتناول جهاز التحكم عن بعد دون أن ينطق بحرف واحد. فقد تعلم ألا يُزعج الصغيرين حين يدرسان ضغط على زر التحكم ليُغيّر المحطة، فجاءه صوت سارا وهي تهتف فجأة- أبي... لا تغير المحطة! ألا ترى أنني أتابع ؟التفت إليها في تعجب، وأشار إلى الكتاب الذي بين يديها محتجا:- ولكنك تقرئين يا عزيزتي لا يمكنك أن تركزي في عملين في وقت واحدعقدت الفتاة ذراعيها أمام صدرها، وهي تقول في هدوء- بلى، يمكنني!رفع حاجبيه في دهشة، فأضافت:لكل شخص قدراته الخاصة.از درد ريقه بصعوبة وهو يتفرّس في وجهها. في كل مرة تدهشه هذه الصغيرة أكثر حتى إنه بدأ يشك في أنها ابنته لم يكن يوما فائق الذكاء، بل لعله كان تلميذا ذا مستوى متوسط... لكن سارا كانت شعلة حقيقية. وقد أدرك نبوغها منذ وقت مبكر... كانت تانيا قد قرأت كثيرا عن تأثر الطفل بما يسمعه في فترة الحمل، وفي أولى سنوات عمره، فحرصت على الاستماع إلى الأشرطة العلمية ودروس تعليم اللغات الأجنبية... ثم ما إن بدأت سارا تتكلم، حتى







