All Chapters of في قلبي انثى عبرية : Chapter 1 - Chapter 10

14 Chapters

الفصل الاول

مدت أشعة الشمس الساطعة خيوطها الذهبية في ذلك اليوم القائظ من أيام الصيف التونسي لتداعب الواحات والقرى المتناثرة وتدفئ ثناياها إلى درجة الالتهاب. لم تكن جزيرة جربة التي تعانق أمواج البحر شواطئها الرملية بأحسن حالا من باقي المدن الجنوبية. لكن الحرارة الخانقة لم تمنع السائحين وأهل البلاد من ارتياد السوق العتيقة التي تتربع في طرقات حومة السوق»، قلب جربة القديمة والانسياق عبر طرقاتها الضيقة المرصوفة بالحجارة الملساء في نسق بطيء متأن يحاكي نسق الحياة العامة في الجزيرة يغتنمون معجزة المكان، حيث يتهادى الزمن في مشيته متخليا عن طبعه المتعجل، معلنا عن إجازة مفتوحة على إيقاع رقصة «الشالة» التقليدية الهادئة التي تنساب في غير ضوضاء من بعض المحلات المتاخمة للسوق.وقف جاكوب قرب مدخل السوق، وعيناه معلقتان بالبوابة الجانبية للمسجدالذي يبعد عنه بضع عشرات من الأمتار. أخرج منديلا ورقيًا ليمسح حبيبات العرقالتي تجمعت عند جبينه، وهو يحوّل بصره ليتأمل باحة المسجد المفروشة بالرخامالأبيض وصومعته الباسقة التي ترتفع إلى عنان السماء. لم يكن يستطيع في كل مرةيقف فيها هذه الوقفة أن يُخفي إعجابه بهندسة المسجد وتن
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الثاني

فريدة من نوعها بين العائلتين، ما جعلهما موضع سخرية من البعض، وحسد من البعض الآخر.نشأت ريما بين أحضان عائلة جاكوب اليهودية وهم يعتبرونها فردا منهم. فقد كانت بهجة البيت الذي يُقيم فيه الأبوان المتقدمان في السن وابنهما جاكوب، وروحه النابضة بالحياة، بعد أن تزوجت ابنتهما الكبرى وسافرت مع زوجها إلى لبنان. وكان جاكوب أكثرهم تعلقا بها وحبا لها. كان شابًا في الثانية والعشرين من عمره حين دخلت ربما ذات السنوات الخمس حياته. فصار يقضي جل أوقاته معها. يلاعبها ويداعبها، يقرأ عليها القصص والحكايات، ويستمتع بانفعالاتها البريئة وضحكاتها العفوية، يشتري لها الألعاب والهدايا، ويستغل أوقات العطل للسفر معها ... وكانت والدتها تطمئن عليها بين يديه، ويسعدها أن يمنحها حنان الأب الذي تفتقده- كيف كان الدرس اليوم ؟ترددت ريما لبرهة، ثم همست بصوت منخفض- جيدا.رفع جاكوب حاجبيه في استغراب. فمن عادتها أن تحدثه عن كلام الشيخ بالتفصيل وتسرد على مسامعه كل ما تحفظه من دروسها. لكنها اليوم بدت ساهمة، وكأن أمرًا ما يشغل عقلها الصغير بالكاد أجابت عن سؤاله بكلمة واحدة وعادت إلى إطراقها. لم يُرد أن يضايقها بالإلحاح، فانشغل ب
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الثالث

باسكال الذي يبلغ الخامسة من عمره على كومة من الأوراق، وهو يتنقل بين الآلة الحاسبة والقلم. اتخذ جاكوب مجلسه أمام التلفاز الذي كانا مفتوحا على شريط وثائقي، وتناول جهاز التحكم عن بعد دون أن ينطق بحرف واحد. فقد تعلم ألا يُزعج الصغيرين حين يدرسان ضغط على زر التحكم ليُغيّر المحطة، فجاءه صوت سارا وهي تهتف فجأة- أبي... لا تغير المحطة! ألا ترى أنني أتابع ؟التفت إليها في تعجب، وأشار إلى الكتاب الذي بين يديها محتجا:- ولكنك تقرئين يا عزيزتي لا يمكنك أن تركزي في عملين في وقت واحدعقدت الفتاة ذراعيها أمام صدرها، وهي تقول في هدوء- بلى، يمكنني!رفع حاجبيه في دهشة، فأضافت:لكل شخص قدراته الخاصة.از درد ريقه بصعوبة وهو يتفرّس في وجهها. في كل مرة تدهشه هذه الصغيرة أكثر حتى إنه بدأ يشك في أنها ابنته لم يكن يوما فائق الذكاء، بل لعله كان تلميذا ذا مستوى متوسط... لكن سارا كانت شعلة حقيقية. وقد أدرك نبوغها منذ وقت مبكر... كانت تانيا قد قرأت كثيرا عن تأثر الطفل بما يسمعه في فترة الحمل، وفي أولى سنوات عمره، فحرصت على الاستماع إلى الأشرطة العلمية ودروس تعليم اللغات الأجنبية... ثم ما إن بدأت سارا تتكلم، حتى
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الرابع

طرق الباب بهدوء، فجاءه الإذن بالدخول. أطل برأسه في مرح وهو يقول:- ماذا تفعل صغيرتي الشقية ؟ الغداء سيكون جاهزا بعد قليل.لكن مرحه سرعان ما انطفأ، حين رأى ربما تجلس على طرف السرير، وقد ضمت ساقيها إلى صدرها، وأحاطتهما بذراعيها في وضعية كتيبة. تقدم نحوها في جزع، وقد لاحظ نظراتها المنكسرة. جلس إلى جانبها ، ووضع يده على كفها في حنان وهو يهمس:- ريما ... ما بك؟ هل هناك ما يزعجك ؟ظلت الطفلة مطرقة، وتمتمت بصوت ضعيف- بابا يعقوب.كم يحب أن تناديه بابا يعقوب»، فقد عودها على ذلك منذ صغرها. كان ذلك أول عهده بالأبوة، وظل يحتفظ بتلك المشاعر لها وحدها. وكان يسعدها أن تناديه باسمه المعرّب، أو كما ورد في القرآن. ولم يكن هو يمانع أبدا، طالما كان في ذلك إرضاء للصغيرة. رنا إليها في اهتمام- نعم صغيرتي.رفعت إليه عينين مليئتين بالدموع، وهتفت في تأثر:- أنا أحبك كثيرا.تسارعت نبضاته أمام اعترافها البريء الذي اخترق قلبه وزلزل كيانه. كان يعلم أنها تحبه وتعتبره والدها، فقد كفلها وهي في سن صغيرة، وأصبح كل عائلتها بعد وفاة والدتها. لكن تصريحها جاء في وقت حرج... في وقت يفتقد فيه حب وعطف أسرته الحقيقية. لم يتما
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الخامس

انهيار السيارة على جانبها الأيمن... صرخ حسان في غيظ:- الإطار انفجر... لا حول ولا قوة إلا بالله.أخذ يضغط على الفرامل في هدوء عجيب مناقض للموقف العصيب. يعلم جيدا أن أي توقف مفاجئ سيؤدي حتما إلى انقلاب السيارة رأسا على عقب وأخيرًا توقفت السيارة بعد أن قطعت مسافة لا بأس بها. نظر حسان إلى صديقه في قلق.... ما العمل الآن؟كانت الشمس قد مالت إلى الغروب، وإن لم يكن الظلام قد خيم تماما.فاصطبغت سماء قانا بلون الشفق، وعكست احمرارها على واجهات المباني. تسللت خيوط الشمس الأخيرة عبر زجاج النافذة المغلقة، لترسم بقعا مضيئة على أرضية غرفة الجلوس، حيث جلست ندى على الأريكة تشاهد شاشة التلفاز في ملل. لم يكن في البيت غيرها وأختها دانا، فقد سافر والداهما لحضور زواج بعض الأقارب في بيروت ولن يعودا قبل يومين. كانت دانا تطالع جريدة الأمس في اهتمام بل لعلها قرأت الملف الخاص بالمقاومة اللبنانية، والأحداث الأخيرة التي هزت الساحة السياسية مرات ومرات، محاولة دراسة هذه الظاهرة ... رفعت رأسها فجأة وقالت كأنها تخاطب نفسها:- إنه لشيء عجيب حقا ... كل هؤلاء الشباب الذين يتركون عائلاتهم ومستقبلهم وينضمون إلى جيش مبتدئ
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل السادس

للشاب بأن يتبعها إلى الداخل. لم تكن إلى تلك اللحظة قد لمحت جرح الشاب المصاب، لكن ما إن فتحت الباب حتى انقبض صدرها مع اصطدام نظراتها بمشهد ساقه التي شقها جرح عميق ما زال ينزف بدا على الشاب السليم التردد لكنها التفتت إليه بعد أن تقدمت بضع خطوات وهتفت- من هنا أرجوك...لم يجد بدا من تعقب خطواتها. سارت بمحاذاة جدار المنزل، ثم استدارت باتجاه الحديقة الجانبية، وفي أقصى الحديقة الخلفية، كان هناك مستودع تستعمله العائلة لركن قطع الأثاث القديمة والكتب والجرائد وغيرها من أدوات البستنة والنجارة ... لم يكن المكان في غاية النظافة، لكنه كان مرتبا التفتت إليهما ندى في حرج وقالت:- أعلم أن المكان ليس مناسبًا... لكن لا يمكنني إدخالكما إلى المنزل.....هز الشاب رأسه متفهما. لكن في تلك اللحظة، وقعت عيناه على نجمة داود التي تدلت من سلسلة فضية أحاطت عنقها، فاتسعت عيناه دهشة. انتبهت ندى إلى تغير ملامحه، لكنها تجاهلت الأمر ، وأسرعت بجلب طاولة قديمة وكرسيين خشبيين وهي تهتف:- يمكنك أن تجعله يستلقي على الطاولة... سأستدعي الطبيب فورا....خرجت ندى من المستودع، فتابعها حسان بنظراته في استغراب متزايد... إنها يهودية
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل السابع

بخير... لقد نجا من الخطر الحقيقي، وسيستيقظ عند الصباح وهو أحسن حالا....انتبه حين وصله صوت حديث قادم من الخارج لم يتبينه جيدا. اقترب من باب المستودع الخشبي في حذر، فأصبحت الأصوات أكثر وضوحا، جاءه صوت ميشال وهو يهتف في حدة- هل تدركين جيدا ما الذي تفعلينه ؟ كيف تدخلين رجلين مشبوهين إلى المنزل في غياب والديك ؟كان صوت ندى أكثر هدوءًا وهي تقول:اخفض صوتك... سيسمعانك أنت ترى جيدا أنني أدخلتهما إلى المستودع وليس إلى المنزل... كما أنني لم أستطع طردهما وأحدهما مصاب... ظننت أن عملك في الكنيسة سيجعلك أكثر تسامحا.....لكن وجودهما هنا فيه خطر ... لقد حل الظلام.... هل فكرت في ردة فعل والديك إن علما ؟بابا جورج سيكون متفهما ....لكن أمك لن تكون كذلك !!ساد الصمت للحظات، وقد بدا على ندى التفكير. أطرق حسان في تفكير هو الآخر. لكن ما لبث أن جاءه صوت الفتاة مجددا وهي تقول في حزم- إذن لا يجب أن تعلم ودانا كذلك....- دانا ؟! أليست في المنزل ؟- بلى... لكنني كذبت عليها ... قلت إن الجيران يحتاجون إلى أدوات من المستودع....لم يعلق ميشال، فأردفت ندى في رجاء- أنت لن تخبر أحدًا، أليس كذلك ؟ على أية حال سيغاد
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الثامن

هاه ؟ هل هي صلاة جديدة ؟وقفت وطوت سجادتها وهي تقول موضحةبل هي صلاة قديمة ... لكنني لم أكن أدرك قيمة أدائها في وقتها... فأصليها قبل شروق الشمس بقليل... لكن الشيخ يقول إن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها.... هم بأن يتكلم ، لكنه تذكر الكابوس الذي رأه منذ دقائق وسمع صوت والدة ريما وهي تهتف في أذنيه الأمانة يا جاكوب... الأمانة!!». كان ذاك النداء ما أخرجه من نومه فزعا. تمالك نفسه واقترب من الفتاة ليربت رأسها في حنان وهو يقول:- حسن يا صغيرتي... والآن هيا إلى النوم... ما زال الصباح بعيدا....استلقت ربما في سريرها، وغطاها جاكوب في حرص. ثم قرب كرسي مكتبها وجلس إلى جانبها. لبث يتأمل قسمات وجهها البريئة للحظات وهي تبتسم في وداعة. ولم يستطع أن يقاوم رغبة مفاجئة في أن يُسمعها أغنية نومها التي كان يُغنّيها لها عندما كانت طفلة دون السادسة... الأغنية التي تحمل اسمها للسيدة فيروز.يالله تنام ربما *** يالله يجيها النوميالله تحب الصلاة *** يالله تحب الصوميالله تجيها العوافي *** كل يوم بيوميالله تنام، يالله تنام *** أذبح لها طير الحمامكانت ريما تحب تلك الأغنية كثيرًا، وتحب أن يُغنيها لها جاكوب. ف
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل التاسع

قد انصرفت إلى جامعتها منذ أكثر من ساعة، ولم ينصرف ميشال إلا بعد أن أعطاها درسا في الحذر والتعامل مع الغرباء، وبعد أن وعدته بجعل الشابين ينصرفان في أقرب وقت. أما هي فقد امتنعت عن الذهاب إلى جامعتها في ذلك الصباح، حتى تنتهي مما يشغلها.أتمت تجفيف الأطباق ورمت المنديل على المنضدة وهي تتنهد. ربما عليها أن تتفقد ضيفيها، وتطمئن على حال الشاب الجريح، قبل أن تطلب منهما المغادرة. ولكن عليها أولا من واجب الضيافة أن تقدم إليهما فطور الصباح. سارعت بملء كأسين بالحليب الدافئ، ورصفت بضع قطع من الكعك على طبق صغير، وخرجتباتجاه المستودع.طرقت الباب لتعلن عن وصولها انتظرت قليلا، ثم دفعت الدفة بلطف وما إن خطت إلى الداخل حتى وقعت نظراتها على أحمد الذي استوى جالسا على الطاولة وساقه المصابة ممددة أمامه. كان يحدق في الباب بنظرات حذرة متحفزة، لكن حين رأها تحمل طبق الإفطار استرخت ملامحه وخفض بصره عنها. تقدمت في هدوء وهي تجيل عينيها في المكان، ثم قالت وهي تضع الطبق على الكرسي الخشبي - أين صديقك ؟أجاب أحمد دون أن يرفع رأسه إليها :- خرج لتغيير إطارات السيارة وإصلاح عطبها ... لا نريد أن نثقل عليكم أكثر ممافعلن
last updateLast Updated : 2026-03-22
Read more

الفصل العاشر

الرحيل، لكنها لم تكن تريد أن تغضب الله.كلما فكرت في مفاهيم «الحتمية» و«القدر» الراسخة في معتقدات اليهود، ازدادت اقتناعا بأنها مثل أمها، ستواجه قدرها رافضة الاستسلام للحتمية. بالنسبة لأمها، يعتبر الانتحار حلا سهلا، يبعد كل البعد عن مفهوم الشجاعة. بالإضافة إلى كونه مضادا للطبيعة الإنسانية، لأنه يتناقض مع مشاعر الرغبة وغريزة البقاء البشرية.ومن يتحدون قدرهم بوضع حد لحياتهم ليسوا شجعانا كما يعتقد الجميع. لذلك فقد اختارت طريق الصراع المستميت لتغيير القدر.حتى وقت قريب، كانت تفاصيل حياتها تحاك في معظمها بأنامل أمها التي تهوى المعارك، ولا تنوي أبدا أن تخسر الحرب. كانت قد أعلنت الحرب على كل جنود الحتمية وهي تحمل إرادتها الصلبة كسلاح وحيد هل يخلد التاريخ ذكرى الأشخاص أمثالها ؟ لا، بالنسبة إلى أشخاص لا يغازلون الموت، يُقال غالبا، فلان عاش سعيدا أو تعيسا، لقلة ماله أو ذكائه.... لكننا لا نعتبر بطلا إلا شخصا يموت شهيدا أو في شأن عظيم. أما الآخرون فإنهم يعيشون لتحقيق قدرهم لا غير.كانت أمها بطلة ذكرياتها دون منازع. لم يحصل أن خضعت للآخرين أو تركت أحدًا يُقرر مسار حياتها، بل لعلها استغلت الحتمية ال
last updateLast Updated : 2026-03-24
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status