LOGINفي قلبي أنثي عبرية[1] رواية للكاتبة التونسية خولة حمدي تحكي فيها الكاتبة كيف تعرفت على بطلة القصة ندى التي كانت تحكي قصتها على إحدى المواقع الالكترونية واستطاعت التواصل معها لمعرفة المزيد من التفاصيل وتعرفت الكاتبة من خلال قصة الحب التي نشأت بين بطلة القصة وأحد أبطال المقاومة في ذلك الحين على مجتمع ما يسمى بيهود العرب والمقاومة في لبنان.
View Moreمدت أشعة الشمس الساطعة خيوطها الذهبية في ذلك اليوم القائظ من أيام الصيف التونسي لتداعب الواحات والقرى المتناثرة وتدفئ ثناياها إلى درجة الالتهاب. لم تكن جزيرة جربة التي تعانق أمواج البحر شواطئها الرملية بأحسن حالا من باقي المدن الجنوبية. لكن الحرارة الخانقة لم تمنع السائحين وأهل البلاد من ارتياد السوق العتيقة التي تتربع في طرقات حومة السوق»، قلب جربة القديمة والانسياق عبر طرقاتها الضيقة المرصوفة بالحجارة الملساء في نسق بطيء متأن يحاكي نسق الحياة العامة في الجزيرة يغتنمون معجزة المكان، حيث يتهادى الزمن في مشيته متخليا عن طبعه المتعجل، معلنا عن إجازة مفتوحة على إيقاع رقصة «الشالة» التقليدية الهادئة التي تنساب في غير ضوضاء من بعض المحلات المتاخمة للسوق.
وقف جاكوب قرب مدخل السوق، وعيناه معلقتان بالبوابة الجانبية للمسجد الذي يبعد عنه بضع عشرات من الأمتار. أخرج منديلا ورقيًا ليمسح حبيبات العرق التي تجمعت عند جبينه، وهو يحوّل بصره ليتأمل باحة المسجد المفروشة بالرخام الأبيض وصومعته الباسقة التي ترتفع إلى عنان السماء. لم يكن يستطيع في كل مرة يقف فيها هذه الوقفة أن يُخفي إعجابه بهندسة المسجد وتناسق أبعاده. فرغم أنه لا يحتوي على الزخرفة المعروفة في مختلف المساجد التونسية المشهورة، فقد كان ذا طابع فريد مثل كل مساجد جربة القديمة بلونيه الأبيض والأخضر، وجمال ثناياه المتخلية عن كل أشكال البهرجة.... ولم تكن روح البساطة لتنقص شيئا من سحر جماله باستثناء الصومعة، فإنها تظهر وكأنها الجزء الذي يجوز للمصمم أن يتصرف فيه ليطبع المعلم بطابع يُميزه عن بقية المعالم الجربية الأخرى. لكن جاكوب لم يفكر يوما في دخول المسجد، ولا يريد أن يفكر في ذلك بل لعله يخشى أن يلمحه أحد معارفه يقف تلك الوقفة الغريبة فلا يسلم من تجريحأو تلميح... ومع ذلك، فإنه لا يزال يواظب على القدوم كل يوم جمعة، ليصحب صغيرته إلى الصلاة والدرس الأسبوعي، ويقف في انتظارها دون ملل أو تعب. كانت الأصوات المختلطة القادمة من السوق تطرق مسامعه في حدة، وتخرجه بين الفينة والأخرى من تأملاته الهادئة المطمئنة كثيرا ما يترك العنان لنفسه وتأخذه قدماه في جولة عبر السوق العتيقة، فيسرح بين الألوان والروائح والأشكال. يتأمل رسوم الزرابي والمفروشات المصطبغة بشتى ألوان الطبيعة، ويتوقف أمام نقوش أواني الفخار التي تزدان بها جوانب الطرقات، وقد ينحني من حين إلى آخر ليقلب وردة من ورود الرمال الصخرية التي تختزل سحر المنطقة كلها، وتنطق بإبداع الخالق الذي صوّر المكان وحسنه.... لكنه سرعان ما يعود أدراجه بعد جولة قصيرة، فقد كان يخشى أن تخرج الصغيرة ولا تجده فتفزع لذلك أثر في هذا اليوم الحار أن يقف عند ظل المبنى القريب، يعد الدقائق، ويتابع عقرب الثواني البطيء تارة، ووجوه المارة تارة أخرى. ما لبث أن رأى الباب يُفتح، واندفعت جموع الفتيات إلى الخارج. أخذ يتفرس في الوجوه في ترقب، قبل أن يلمح فتاته تجتاز العتبة وهي تجرّ ثوبها وتسوي خصلاتها المتمردة التي أطلت من تحت غطاء رأسها. اقترب منها مبتسمًا، وهو يتحسس قطع الحلوى التي استقرت في جيب سرواله. تناول كفّها وانحنى يُقبل خدها في حنان وهو يدس قطعة الحلوى في كفها الأخرى. رسمت الصغيرة ريما ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تُسلمه كفها، ليمضيا معًا في الطريق إلى المنزل. كانت ربما تقترب من الخامسة عشرة من عمرها. لكن شكلها الضئيل وقامتها القصيرة يوحيان بأنها بالكاد تجاوزت الثانية عشرة، مما كان يُعطي لجاكوب مبررًا لتدليلها والمبالغة في الاهتمام بها. لم تكن قد بلغت التاسعة من عمرها حين توفيت والدتها. أما والدها فقد توفي قبلها بسنوات مخلفًا عائلته الصغيرة تعيش الفاقة والحرمان. وكان يجب على الأرملة الوحيدة أن تبحث عن عمل لم يكن بإمكانها أن ترفض عرض جيرانها اليهود الأغنياء بالعمل عندهم كمدبرة منزل، فهم سيوفرون لها المسكن والمأكل ويتكفلون برعاية ابنتها الصغيرة، حتى تواصل تعليمها وتنشأ في ظروف مناسبة. ولم يكن اختلاف الديانة ليُغيّر في الأمر شيئًا. طوال سنوات من التجاور، نشأت علاقةلزرع بذرة الإسلام، ويشعر أن من واجبه أن يدعوها. يشعر أن القدر أخذه إلى ذلك المنزل لأن مهمة ما تنتظره.لم يكن أحمد قد فكر في فتاة من قبل. وحين كانت شقيقته سماح تلح عليه حتى يصف لها زوجة أحلامه، كان يقول في شيء من المداعبة: «هي امرأة بقلب رجل لديها من القوة والحزم ورباطة الجأش بقدر الرقة والحنان والنعومة. تحمل هم الإسلام والأمة في قلبها أكثر من الموضة ونوع السيارة والمنزل ذي الحديقة والمسبح. لا يهمها الآخرون وماذا يقولون، وترضى بما أعطيه لها مهما كان قليلا. تسير معي في أي طريق دون أن تسأل. لا تهم التفاصيل، المهم أن نكون معا.» أراد أن يضيف وتحمل السلاح حين يقتضي الأمر ، ولا تلفت إلى الوراء حين يتعلق الأمر بالقضية». لكن علاقته بالمقاومة اللبنانية كانت سرا مكتوما عن أقرب الناس إليه حتى تلك اللحظة. فتمصمص سماح شفتيها في امتعاض وهي تقول: «لن أقدم لك أيا من صديقاتي أعرف أني سأظلمهن بذلك».كانت المقاومة كل ما يشغل تفكيره في تلك الآونة شهدت حياته تحولا منذ سنتين، بعد مجزرة قانا. أدرك حينها أنه لن يقدر على تحمل يوم إضافي من الخنوع غير المبرر لعدو لا يعرف للجشع حدودا تغيّرت أولوياته بين يوم وليلة
وإن كانت هي متأثرة بآراء الطوائف المعادية لإسرائيل، فإنها لا ترفض حق أهلها في اتخاذ مواقف مختلفة.انتبهت حين تحول موضوع الحوار. كان إيميل يقول:- ما رأيكم أن يكون الزفاف بعد عيد الميلاد المجيد مباشرة ؟ظهرت علامات الامتعاض على وجه سونيا، ونظرت مباشرة إلى ابنتها دانا تطلب مساندتها. لكن دانا خفضت عينيها في استكانة وابتسمت في حياء وهي ترد:- كما تريد....لم تكن سونيا تريد أن يرتبط زواج ابنتها بعيد نصراني. يكفي أنها وافقت على زواجها من إيميل. فهي وإن كانت قد تزوجت من جورج وهو على نصرانيته، فإنها ترى الأمر مختلفا بالنسبة إلى ابنتيها. كانت تتمنى زواجا يهوديا لكل منهما، تحيي به تراث عائلتها، وتقوي به انتماءها العقدي... وها هي دانا، التي كانت تظنها الأقرب إلى تفكيرها والأكثر طاعة لها، تتعلق بشاب مسيحي وعلى وشك الزواج منه. كان كل ذلك يثير غيظا مكتوما لديها. فلا هي تستطيع الرضا بالأمر الواقع والتسليم به، ولاهي تستطيع الجهر بأفكارها تلك، حتى لا تجرح زوجها وابنه.....انتبهت حين أضاف إيميل في سرور وهو يرنو إلى ميشالوالعرس بطبيعة الحال سيكون حسب الشعائر النصرانية... ويُسعدني أنيشرف صهري العزيز ع
ابتعدت السيارة تطوي الأرض طيا، وكأن سائقها فرح بانطلاقها من جديد.عبرت شوارع قانا التي أخذت تدب فيها الحركة مع ارتفاع الشمس إلى عنان السماء.التفت حسان إلى أحمد وهتف في تأثر:- هل تعتقد أن هناك الكثير من اليهود ممن يفكرون مثل ندى ؟انتبه أحمد من أفكاره، ونظر إلى صاحبه في شرود، كأنه لم يستوعب كلماته.هتف حسان في قلق:- أحمد... هل أنت بخير ؟ ربما من الأفضل أن نمر بالمستشفى....لوح أحمد بيده مهونا، وقال وهو يسترخي في مقعده ويمد ساقه أمامهلا، لا داعي للقلق... سرحت للحظات... لكنني بخير....ثم أضاف مبتسما وهو ينظر إلى جرحه المضمد بمهارة- يبدو أن الراهب متعدد المواهب....شارکه حسان ضحكة مرحة. وما لبث أحمد أن غرق في أفكاره من جديد. مضت دقائق من الصمت، قبل أن يطلق تنهيدة عميقة. نظر إليه حسان وابتسم مداعبا- ما الذي يشغل بالك... أخبرني....حين لم يأته الرد على الفور، أضاف وهو يغمز بعينه- لعلك تفكر في مضيفتنا الحسناء....بدا على وجه أحمد الانزعاج من دعابة حسان السمجة، لكنه لم يجب. بل غيرالموضوع فجأة، وهو يقول في لهجة جادةهل اتصلت بالقيادة ؟ارتبك حسان وقد عادت إليه جديته المعهودة- نعم... و
لقد اهتم بمعرفة اسمها ....- الغداء جاهز إلى المائدة جميعا....ترك باسكال ما بين يديه على الفور، وجرى ليقفز على الكرسي وهو يهتف في صبر نافد- أنا جائع !!رمقته سارا بنظرة قاسية، وهي تجذب كرسيها في هدوء وتجلس في رصانة- متى ستتعلم التصرف بأدب ؟عقد باسكال ذراعيه أمام صدره في احتجاج، ورمى إلى سارا نظرة نارية أتبعها بمد لسانه محاولا إغاظتها. أشاحت سارا بوجهها في استهانة، وهي تضيف بصوت هامس- ستبقى طفلا دائما....ابتسمت تانيا وهي تضع الوعاء الساخن الذي يحمل الطبق الرئيسي، وقالتمعاتبة ابنتها:- إنه لا يزال صغيرا ... دعيه يعش طفولته- ولكن يا ماما ... يجب أن يتعلم الأدب من الآن.....في تلك اللحظة، دخلت ريما وهي تلبس ثوب الصلاة الفضفاض والحجاب. ألقت التحية، وجلست في هدوء على مقعدها المعتاد. لكن سارا شهقت في استهجانوهذه أيضا.... ألا تزال طفلة ؟! إنها حتى لم تُغيّر ملابسها قبل الجلوس إلى المائدة!!ألقت تانيا نظرة صارمة على سارا، ثم التفتت إلى ربما وقالت في لطف- ريما عزيزتي .... لماذا لم تُغيّري ملابسك بعد ؟ سيتسخ ثوبك ووشاحك....لكن ربما لبثت مطرقة وأجابت في حزم واقتضاب- سأبقى بهما ....نظ





