Share

الفصل السادس

Author: Said
last update publish date: 2026-03-14 06:28:42

للشاب بأن يتبعها إلى الداخل. لم تكن إلى تلك اللحظة قد لمحت جرح الشاب المصاب، لكن ما إن فتحت الباب حتى انقبض صدرها مع اصطدام نظراتها بمشهد ساقه التي شقها جرح عميق ما زال ينزف بدا على الشاب السليم التردد لكنها التفتت إليه بعد أن تقدمت بضع خطوات وهتفت

- من هنا أرجوك...

لم يجد بدا من تعقب خطواتها. سارت بمحاذاة جدار المنزل، ثم استدارت باتجاه الحديقة الجانبية، وفي أقصى الحديقة الخلفية، كان هناك مستودع تستعمله العائلة لركن قطع الأثاث القديمة والكتب والجرائد وغيرها من أدوات البستنة والنجارة ... لم يكن المكان في غاية النظافة، لكنه كان مرتبا التفتت إليهما ندى في حرج وقالت:

- أعلم أن المكان ليس مناسبًا... لكن لا يمكنني إدخالكما إلى المنزل.....

هز الشاب رأسه متفهما. لكن في تلك اللحظة، وقعت عيناه على نجمة داود التي تدلت من سلسلة فضية أحاطت عنقها، فاتسعت عيناه دهشة. انتبهت ندى إلى تغير ملامحه، لكنها تجاهلت الأمر ، وأسرعت بجلب طاولة قديمة وكرسيين خشبيين وهي تهتف:

- يمكنك أن تجعله يستلقي على الطاولة... سأستدعي الطبيب فورا....

خرجت ندى من المستودع، فتابعها حسان بنظراته في استغراب متزايد... إنها يهودية لا شك في ذلك. ولكنها استقبلتهما دون تردد، وهي بالتأكيد تدرك إلى أي جهة ينتميان هل يكون في الأمر خدعة ما ؟ انتبه في تلك اللحظة إلى جسد صديقه الذي يكاد ينهار على الأرض. رفعه بصعوبة ليستلقي على الطاولة كما طلبت منه ندى وأخذ يمسح وجهه الذي كساه العرق. كانت علامات الألم واضحة على ملامحه لم يفقد الوعي بعد ناداه بصوت خفيض

- أحمد... هل تسمعني ؟

ندت حركة بسيطة من أحمد تدل على استجابته إلى النداء، وفتح عينيه قليلا. - لا تقلق... سيصل الطبيب قريبا ....

لم يكن واثقا من ذلك تمام الثقة، لكنه عض على شفته السفلى وهو يبتهل إلى الله أن يكون ذلك صحيحًا.

كان قد مضى ربع ساعة تقريبا على خروج ندى حين فتح الباب مجددًا وظهرت الفتاة مبتسمة. نظر إليها حسان في تحفّز، وتشنجت أطرافه حين لمح الرجل الذي يتقدم من ورائها. لكنها سارعت بالتوضيح قائلة وهي تفسح المجال للرجل:

- لقد طلبت المساعدة من أخي... يمكنه أن يعاين جرح المصاب....

حدق حسان بعدم استيعاب في الرجل الذي ارتدى زي راهب كنيسة، وصليب من الحجم الكبير يتدلى من عنقه. كان في الأمر خلل ما... في البداية فتاة يهودية تدخلهم بيتها، ثم تستعين براهب مسيحي لعلاج الجرح، وتقول بأنه أخوها !!

تقدم الراهب الشاب في صمت إلى الطاولة، وهو يمسك حقيبة الإسعافات الأولية. فتحها بحركة بطيئة، وتناول قفازات نظيفة، كأنه جراح حقيقي. أضافت ندى بصوت منخفض

میشال درس التمريض قبل أن يلتحق بخدمة الكنيسة... وهو بارع في تقطيب الجراح ....

بدت الدهشة على حسان وهو يراقب عمل الراهب الدقيق والهادئ عاين ميشال الجرح في اهتمام، ثم بدا على وجهه الانزعاج

- ليس الأمر بالسهولة التي توقعتها ... لا يمكنني خياطة الجرح قبل تنظيفه من الداخل....

اقتربت ندى وأطلت برأسها من وراء كتفيه لتنظر بدورها. لكنها تراجعت بسرعة وهي تتمتم

- ربما يجب أن نأخذه إلى المستشفى...

- ما يمكنهم تقديمه في المستشفى لن يكون أفضل مما يمكنني فعله.... سأنظف الجرح بنفسي...

قال ميشال تلك الكلمات وهو يتناول المقص الطبي، ثم رفع عينيه إلى حسان وأشار قائلا:

- ثبته على الطاولة من كتفيه حتى لا يتحرك... ستكون العملية مؤلمة ... ودقيقة .... ثم التفت إلى ندى وهو يتابع

- ندى أرجوك ، أمسكي ساقه جيدًا حتى أنتهي من إخراج قطع المعدن من الجرح... عضت ندى على شفتها في ألم، وهي تمد يدها في اضطراب لتشارك في العملية. أما

حسان فقد قرب شفتيه من أذن صاحبه وهمس مطمئنا

- أحمد... اثبت أرجوك... ستتألم قليلا، لكن كل شيء سيكون على ما يرام.

- خذ هذا ... ضعه في فمه.....

رفع حسان رأسه، فوجد ميشال يمد إليه قطعة قماش خشنة. تناولها وقد فهم الغرض منها. انحنى على أذن أحمد مجددًا وهو يهمس:

- تجلد أرجوك .... اضغط بأسنانك على هذه، حتى لا تؤذي نفسك....

فتح أحمد عينيه لبرهة، وقد بلغ منه الوهن مبلغه... لكن بعد لحظات، تعالى صراخه المكتوم بقطعة القماش، وأخذ جسده في الاهتزاز بعنف من الألم بعد أن شرع ميشال في العبث بأدواته الحادة داخل ساقه. كانت ندى في غاية التأثر تشد بقبضتها على الساق المصابة لتثبتها على الطاولة، وتخفي بكفها الأخرى وجهها، حتى

لا تقع عيناها على الجرح المفتوح. لكنها لم تستطع أن تمنع عبراتها من التسرب والأنين العميق الذي يُطلقه أحمد يملأ أذنيها ... كان حسان هو الآخر ممتقع الوجه. يمسك بكتفي صديقه بقوة حتى يشل حركته، لكنه لم ينجح في منع جسده من الاضطراب... حتى ارتخى أخيرًا وغاب عن الوعي.

رفع ميشال رأسه وهو يتنهد، ثم نزع القفازات التي اصطبغت بالدماء، ووضعها في كيس بلاستيكي بكل حرص. ثم قال وهو يتناول الضمادات القطنية ويلف بها الساق التي انتهى من خياطة جرحها للتو

- سيستيقظ بعد بضع ساعات.... يلزمه بعض الراحة قبل أن يتمكن من السير بصفة طبيعية....

أعاد جمع أدواته في الحقيبة الطبية، ثم سار إلى الخارج تتبعه ندی. تنهد حسان في ارتياح، وهو يتأمل وجه صاحبه الهادئ. سيكون بخير ... قلبه يحدثه بأنه سيكون

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قلبي انثى عبرية    الفصل الرابع عشر

    لزرع بذرة الإسلام، ويشعر أن من واجبه أن يدعوها. يشعر أن القدر أخذه إلى ذلك المنزل لأن مهمة ما تنتظره.لم يكن أحمد قد فكر في فتاة من قبل. وحين كانت شقيقته سماح تلح عليه حتى يصف لها زوجة أحلامه، كان يقول في شيء من المداعبة: «هي امرأة بقلب رجل لديها من القوة والحزم ورباطة الجأش بقدر الرقة والحنان والنعومة. تحمل هم الإسلام والأمة في قلبها أكثر من الموضة ونوع السيارة والمنزل ذي الحديقة والمسبح. لا يهمها الآخرون وماذا يقولون، وترضى بما أعطيه لها مهما كان قليلا. تسير معي في أي طريق دون أن تسأل. لا تهم التفاصيل، المهم أن نكون معا.» أراد أن يضيف وتحمل السلاح حين يقتضي الأمر ، ولا تلفت إلى الوراء حين يتعلق الأمر بالقضية». لكن علاقته بالمقاومة اللبنانية كانت سرا مكتوما عن أقرب الناس إليه حتى تلك اللحظة. فتمصمص سماح شفتيها في امتعاض وهي تقول: «لن أقدم لك أيا من صديقاتي أعرف أني سأظلمهن بذلك».كانت المقاومة كل ما يشغل تفكيره في تلك الآونة شهدت حياته تحولا منذ سنتين، بعد مجزرة قانا. أدرك حينها أنه لن يقدر على تحمل يوم إضافي من الخنوع غير المبرر لعدو لا يعرف للجشع حدودا تغيّرت أولوياته بين يوم وليلة

  • في قلبي انثى عبرية    الفصل الثالث عشر

    وإن كانت هي متأثرة بآراء الطوائف المعادية لإسرائيل، فإنها لا ترفض حق أهلها في اتخاذ مواقف مختلفة.انتبهت حين تحول موضوع الحوار. كان إيميل يقول:- ما رأيكم أن يكون الزفاف بعد عيد الميلاد المجيد مباشرة ؟ظهرت علامات الامتعاض على وجه سونيا، ونظرت مباشرة إلى ابنتها دانا تطلب مساندتها. لكن دانا خفضت عينيها في استكانة وابتسمت في حياء وهي ترد:- كما تريد....لم تكن سونيا تريد أن يرتبط زواج ابنتها بعيد نصراني. يكفي أنها وافقت على زواجها من إيميل. فهي وإن كانت قد تزوجت من جورج وهو على نصرانيته، فإنها ترى الأمر مختلفا بالنسبة إلى ابنتيها. كانت تتمنى زواجا يهوديا لكل منهما، تحيي به تراث عائلتها، وتقوي به انتماءها العقدي... وها هي دانا، التي كانت تظنها الأقرب إلى تفكيرها والأكثر طاعة لها، تتعلق بشاب مسيحي وعلى وشك الزواج منه. كان كل ذلك يثير غيظا مكتوما لديها. فلا هي تستطيع الرضا بالأمر الواقع والتسليم به، ولاهي تستطيع الجهر بأفكارها تلك، حتى لا تجرح زوجها وابنه.....انتبهت حين أضاف إيميل في سرور وهو يرنو إلى ميشالوالعرس بطبيعة الحال سيكون حسب الشعائر النصرانية... ويُسعدني أنيشرف صهري العزيز ع

  • في قلبي انثى عبرية    الفصل الثاني عشر

    ابتعدت السيارة تطوي الأرض طيا، وكأن سائقها فرح بانطلاقها من جديد.عبرت شوارع قانا التي أخذت تدب فيها الحركة مع ارتفاع الشمس إلى عنان السماء.التفت حسان إلى أحمد وهتف في تأثر:- هل تعتقد أن هناك الكثير من اليهود ممن يفكرون مثل ندى ؟انتبه أحمد من أفكاره، ونظر إلى صاحبه في شرود، كأنه لم يستوعب كلماته.هتف حسان في قلق:- أحمد... هل أنت بخير ؟ ربما من الأفضل أن نمر بالمستشفى....لوح أحمد بيده مهونا، وقال وهو يسترخي في مقعده ويمد ساقه أمامهلا، لا داعي للقلق... سرحت للحظات... لكنني بخير....ثم أضاف مبتسما وهو ينظر إلى جرحه المضمد بمهارة- يبدو أن الراهب متعدد المواهب....شارکه حسان ضحكة مرحة. وما لبث أحمد أن غرق في أفكاره من جديد. مضت دقائق من الصمت، قبل أن يطلق تنهيدة عميقة. نظر إليه حسان وابتسم مداعبا- ما الذي يشغل بالك... أخبرني....حين لم يأته الرد على الفور، أضاف وهو يغمز بعينه- لعلك تفكر في مضيفتنا الحسناء....بدا على وجه أحمد الانزعاج من دعابة حسان السمجة، لكنه لم يجب. بل غيرالموضوع فجأة، وهو يقول في لهجة جادةهل اتصلت بالقيادة ؟ارتبك حسان وقد عادت إليه جديته المعهودة- نعم... و

  • في قلبي انثى عبرية    الفصل الحادي عشر

    لقد اهتم بمعرفة اسمها ....- الغداء جاهز إلى المائدة جميعا....ترك باسكال ما بين يديه على الفور، وجرى ليقفز على الكرسي وهو يهتف في صبر نافد- أنا جائع !!رمقته سارا بنظرة قاسية، وهي تجذب كرسيها في هدوء وتجلس في رصانة- متى ستتعلم التصرف بأدب ؟عقد باسكال ذراعيه أمام صدره في احتجاج، ورمى إلى سارا نظرة نارية أتبعها بمد لسانه محاولا إغاظتها. أشاحت سارا بوجهها في استهانة، وهي تضيف بصوت هامس- ستبقى طفلا دائما....ابتسمت تانيا وهي تضع الوعاء الساخن الذي يحمل الطبق الرئيسي، وقالتمعاتبة ابنتها:- إنه لا يزال صغيرا ... دعيه يعش طفولته- ولكن يا ماما ... يجب أن يتعلم الأدب من الآن.....في تلك اللحظة، دخلت ريما وهي تلبس ثوب الصلاة الفضفاض والحجاب. ألقت التحية، وجلست في هدوء على مقعدها المعتاد. لكن سارا شهقت في استهجانوهذه أيضا.... ألا تزال طفلة ؟! إنها حتى لم تُغيّر ملابسها قبل الجلوس إلى المائدة!!ألقت تانيا نظرة صارمة على سارا، ثم التفتت إلى ربما وقالت في لطف- ريما عزيزتي .... لماذا لم تُغيّري ملابسك بعد ؟ سيتسخ ثوبك ووشاحك....لكن ربما لبثت مطرقة وأجابت في حزم واقتضاب- سأبقى بهما ....نظ

  • في قلبي انثى عبرية    الفصل العاشر

    الرحيل، لكنها لم تكن تريد أن تغضب الله.كلما فكرت في مفاهيم «الحتمية» و«القدر» الراسخة في معتقدات اليهود، ازدادت اقتناعا بأنها مثل أمها، ستواجه قدرها رافضة الاستسلام للحتمية. بالنسبة لأمها، يعتبر الانتحار حلا سهلا، يبعد كل البعد عن مفهوم الشجاعة. بالإضافة إلى كونه مضادا للطبيعة الإنسانية، لأنه يتناقض مع مشاعر الرغبة وغريزة البقاء البشرية.ومن يتحدون قدرهم بوضع حد لحياتهم ليسوا شجعانا كما يعتقد الجميع. لذلك فقد اختارت طريق الصراع المستميت لتغيير القدر.حتى وقت قريب، كانت تفاصيل حياتها تحاك في معظمها بأنامل أمها التي تهوى المعارك، ولا تنوي أبدا أن تخسر الحرب. كانت قد أعلنت الحرب على كل جنود الحتمية وهي تحمل إرادتها الصلبة كسلاح وحيد هل يخلد التاريخ ذكرى الأشخاص أمثالها ؟ لا، بالنسبة إلى أشخاص لا يغازلون الموت، يُقال غالبا، فلان عاش سعيدا أو تعيسا، لقلة ماله أو ذكائه.... لكننا لا نعتبر بطلا إلا شخصا يموت شهيدا أو في شأن عظيم. أما الآخرون فإنهم يعيشون لتحقيق قدرهم لا غير.كانت أمها بطلة ذكرياتها دون منازع. لم يحصل أن خضعت للآخرين أو تركت أحدًا يُقرر مسار حياتها، بل لعلها استغلت الحتمية ال

  • في قلبي انثى عبرية    الفصل التاسع

    قد انصرفت إلى جامعتها منذ أكثر من ساعة، ولم ينصرف ميشال إلا بعد أن أعطاها درسا في الحذر والتعامل مع الغرباء، وبعد أن وعدته بجعل الشابين ينصرفان في أقرب وقت. أما هي فقد امتنعت عن الذهاب إلى جامعتها في ذلك الصباح، حتى تنتهي مما يشغلها.أتمت تجفيف الأطباق ورمت المنديل على المنضدة وهي تتنهد. ربما عليها أن تتفقد ضيفيها، وتطمئن على حال الشاب الجريح، قبل أن تطلب منهما المغادرة. ولكن عليها أولا من واجب الضيافة أن تقدم إليهما فطور الصباح. سارعت بملء كأسين بالحليب الدافئ، ورصفت بضع قطع من الكعك على طبق صغير، وخرجتباتجاه المستودع.طرقت الباب لتعلن عن وصولها انتظرت قليلا، ثم دفعت الدفة بلطف وما إن خطت إلى الداخل حتى وقعت نظراتها على أحمد الذي استوى جالسا على الطاولة وساقه المصابة ممددة أمامه. كان يحدق في الباب بنظرات حذرة متحفزة، لكن حين رأها تحمل طبق الإفطار استرخت ملامحه وخفض بصره عنها. تقدمت في هدوء وهي تجيل عينيها في المكان، ثم قالت وهي تضع الطبق على الكرسي الخشبي - أين صديقك ؟أجاب أحمد دون أن يرفع رأسه إليها :- خرج لتغيير إطارات السيارة وإصلاح عطبها ... لا نريد أن نثقل عليكم أكثر ممافعلن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status