Se connecterللشاب بأن يتبعها إلى الداخل. لم تكن إلى تلك اللحظة قد لمحت جرح الشاب المصاب، لكن ما إن فتحت الباب حتى انقبض صدرها مع اصطدام نظراتها بمشهد ساقه التي شقها جرح عميق ما زال ينزف بدا على الشاب السليم التردد لكنها التفتت إليه بعد أن تقدمت بضع خطوات وهتفت
- من هنا أرجوك... لم يجد بدا من تعقب خطواتها. سارت بمحاذاة جدار المنزل، ثم استدارت باتجاه الحديقة الجانبية، وفي أقصى الحديقة الخلفية، كان هناك مستودع تستعمله العائلة لركن قطع الأثاث القديمة والكتب والجرائد وغيرها من أدوات البستنة والنجارة ... لم يكن المكان في غاية النظافة، لكنه كان مرتبا التفتت إليهما ندى في حرج وقالت: - أعلم أن المكان ليس مناسبًا... لكن لا يمكنني إدخالكما إلى المنزل..... هز الشاب رأسه متفهما. لكن في تلك اللحظة، وقعت عيناه على نجمة داود التي تدلت من سلسلة فضية أحاطت عنقها، فاتسعت عيناه دهشة. انتبهت ندى إلى تغير ملامحه، لكنها تجاهلت الأمر ، وأسرعت بجلب طاولة قديمة وكرسيين خشبيين وهي تهتف: - يمكنك أن تجعله يستلقي على الطاولة... سأستدعي الطبيب فورا.... خرجت ندى من المستودع، فتابعها حسان بنظراته في استغراب متزايد... إنها يهودية لا شك في ذلك. ولكنها استقبلتهما دون تردد، وهي بالتأكيد تدرك إلى أي جهة ينتميان هل يكون في الأمر خدعة ما ؟ انتبه في تلك اللحظة إلى جسد صديقه الذي يكاد ينهار على الأرض. رفعه بصعوبة ليستلقي على الطاولة كما طلبت منه ندى وأخذ يمسح وجهه الذي كساه العرق. كانت علامات الألم واضحة على ملامحه لم يفقد الوعي بعد ناداه بصوت خفيض - أحمد... هل تسمعني ؟ ندت حركة بسيطة من أحمد تدل على استجابته إلى النداء، وفتح عينيه قليلا. - لا تقلق... سيصل الطبيب قريبا .... لم يكن واثقا من ذلك تمام الثقة، لكنه عض على شفته السفلى وهو يبتهل إلى الله أن يكون ذلك صحيحًا. كان قد مضى ربع ساعة تقريبا على خروج ندى حين فتح الباب مجددًا وظهرت الفتاة مبتسمة. نظر إليها حسان في تحفّز، وتشنجت أطرافه حين لمح الرجل الذي يتقدم من ورائها. لكنها سارعت بالتوضيح قائلة وهي تفسح المجال للرجل: - لقد طلبت المساعدة من أخي... يمكنه أن يعاين جرح المصاب.... حدق حسان بعدم استيعاب في الرجل الذي ارتدى زي راهب كنيسة، وصليب من الحجم الكبير يتدلى من عنقه. كان في الأمر خلل ما... في البداية فتاة يهودية تدخلهم بيتها، ثم تستعين براهب مسيحي لعلاج الجرح، وتقول بأنه أخوها !! تقدم الراهب الشاب في صمت إلى الطاولة، وهو يمسك حقيبة الإسعافات الأولية. فتحها بحركة بطيئة، وتناول قفازات نظيفة، كأنه جراح حقيقي. أضافت ندى بصوت منخفض میشال درس التمريض قبل أن يلتحق بخدمة الكنيسة... وهو بارع في تقطيب الجراح .... بدت الدهشة على حسان وهو يراقب عمل الراهب الدقيق والهادئ عاين ميشال الجرح في اهتمام، ثم بدا على وجهه الانزعاج - ليس الأمر بالسهولة التي توقعتها ... لا يمكنني خياطة الجرح قبل تنظيفه من الداخل.... اقتربت ندى وأطلت برأسها من وراء كتفيه لتنظر بدورها. لكنها تراجعت بسرعة وهي تتمتم - ربما يجب أن نأخذه إلى المستشفى... - ما يمكنهم تقديمه في المستشفى لن يكون أفضل مما يمكنني فعله.... سأنظف الجرح بنفسي... قال ميشال تلك الكلمات وهو يتناول المقص الطبي، ثم رفع عينيه إلى حسان وأشار قائلا: - ثبته على الطاولة من كتفيه حتى لا يتحرك... ستكون العملية مؤلمة ... ودقيقة .... ثم التفت إلى ندى وهو يتابع - ندى أرجوك ، أمسكي ساقه جيدًا حتى أنتهي من إخراج قطع المعدن من الجرح... عضت ندى على شفتها في ألم، وهي تمد يدها في اضطراب لتشارك في العملية. أما حسان فقد قرب شفتيه من أذن صاحبه وهمس مطمئنا - أحمد... اثبت أرجوك... ستتألم قليلا، لكن كل شيء سيكون على ما يرام. - خذ هذا ... ضعه في فمه..... رفع حسان رأسه، فوجد ميشال يمد إليه قطعة قماش خشنة. تناولها وقد فهم الغرض منها. انحنى على أذن أحمد مجددًا وهو يهمس: - تجلد أرجوك .... اضغط بأسنانك على هذه، حتى لا تؤذي نفسك.... فتح أحمد عينيه لبرهة، وقد بلغ منه الوهن مبلغه... لكن بعد لحظات، تعالى صراخه المكتوم بقطعة القماش، وأخذ جسده في الاهتزاز بعنف من الألم بعد أن شرع ميشال في العبث بأدواته الحادة داخل ساقه. كانت ندى في غاية التأثر تشد بقبضتها على الساق المصابة لتثبتها على الطاولة، وتخفي بكفها الأخرى وجهها، حتى لا تقع عيناها على الجرح المفتوح. لكنها لم تستطع أن تمنع عبراتها من التسرب والأنين العميق الذي يُطلقه أحمد يملأ أذنيها ... كان حسان هو الآخر ممتقع الوجه. يمسك بكتفي صديقه بقوة حتى يشل حركته، لكنه لم ينجح في منع جسده من الاضطراب... حتى ارتخى أخيرًا وغاب عن الوعي. رفع ميشال رأسه وهو يتنهد، ثم نزع القفازات التي اصطبغت بالدماء، ووضعها في كيس بلاستيكي بكل حرص. ثم قال وهو يتناول الضمادات القطنية ويلف بها الساق التي انتهى من خياطة جرحها للتو - سيستيقظ بعد بضع ساعات.... يلزمه بعض الراحة قبل أن يتمكن من السير بصفة طبيعية.... أعاد جمع أدواته في الحقيبة الطبية، ثم سار إلى الخارج تتبعه ندی. تنهد حسان في ارتياح، وهو يتأمل وجه صاحبه الهادئ. سيكون بخير ... قلبه يحدثه بأنه سيكونهاه ؟ هل هي صلاة جديدة ؟وقفت وطوت سجادتها وهي تقول موضحةبل هي صلاة قديمة ... لكنني لم أكن أدرك قيمة أدائها في وقتها... فأصليها قبل شروق الشمس بقليل... لكن الشيخ يقول إن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها.... هم بأن يتكلم ، لكنه تذكر الكابوس الذي رأه منذ دقائق وسمع صوت والدة ريما وهي تهتف في أذنيه الأمانة يا جاكوب... الأمانة!!». كان ذاك النداء ما أخرجه من نومه فزعا. تمالك نفسه واقترب من الفتاة ليربت رأسها في حنان وهو يقول:- حسن يا صغيرتي... والآن هيا إلى النوم... ما زال الصباح بعيدا....استلقت ربما في سريرها، وغطاها جاكوب في حرص. ثم قرب كرسي مكتبها وجلس إلى جانبها. لبث يتأمل قسمات وجهها البريئة للحظات وهي تبتسم في وداعة. ولم يستطع أن يقاوم رغبة مفاجئة في أن يُسمعها أغنية نومها التي كان يُغنّيها لها عندما كانت طفلة دون السادسة... الأغنية التي تحمل اسمها للسيدة فيروز.يالله تنام ربما *** يالله يجيها النوميالله تحب الصلاة *** يالله تحب الصوميالله تجيها العوافي *** كل يوم بيوميالله تنام، يالله تنام *** أذبح لها طير الحمامكانت ريما تحب تلك الأغنية كثيرًا، وتحب أن يُغنيها لها جاكوب. ف
بخير... لقد نجا من الخطر الحقيقي، وسيستيقظ عند الصباح وهو أحسن حالا....انتبه حين وصله صوت حديث قادم من الخارج لم يتبينه جيدا. اقترب من باب المستودع الخشبي في حذر، فأصبحت الأصوات أكثر وضوحا، جاءه صوت ميشال وهو يهتف في حدة- هل تدركين جيدا ما الذي تفعلينه ؟ كيف تدخلين رجلين مشبوهين إلى المنزل في غياب والديك ؟كان صوت ندى أكثر هدوءًا وهي تقول:اخفض صوتك... سيسمعانك أنت ترى جيدا أنني أدخلتهما إلى المستودع وليس إلى المنزل... كما أنني لم أستطع طردهما وأحدهما مصاب... ظننت أن عملك في الكنيسة سيجعلك أكثر تسامحا.....لكن وجودهما هنا فيه خطر ... لقد حل الظلام.... هل فكرت في ردة فعل والديك إن علما ؟بابا جورج سيكون متفهما ....لكن أمك لن تكون كذلك !!ساد الصمت للحظات، وقد بدا على ندى التفكير. أطرق حسان في تفكير هو الآخر. لكن ما لبث أن جاءه صوت الفتاة مجددا وهي تقول في حزم- إذن لا يجب أن تعلم ودانا كذلك....- دانا ؟! أليست في المنزل ؟- بلى... لكنني كذبت عليها ... قلت إن الجيران يحتاجون إلى أدوات من المستودع....لم يعلق ميشال، فأردفت ندى في رجاء- أنت لن تخبر أحدًا، أليس كذلك ؟ على أية حال سيغاد
للشاب بأن يتبعها إلى الداخل. لم تكن إلى تلك اللحظة قد لمحت جرح الشاب المصاب، لكن ما إن فتحت الباب حتى انقبض صدرها مع اصطدام نظراتها بمشهد ساقه التي شقها جرح عميق ما زال ينزف بدا على الشاب السليم التردد لكنها التفتت إليه بعد أن تقدمت بضع خطوات وهتفت- من هنا أرجوك...لم يجد بدا من تعقب خطواتها. سارت بمحاذاة جدار المنزل، ثم استدارت باتجاه الحديقة الجانبية، وفي أقصى الحديقة الخلفية، كان هناك مستودع تستعمله العائلة لركن قطع الأثاث القديمة والكتب والجرائد وغيرها من أدوات البستنة والنجارة ... لم يكن المكان في غاية النظافة، لكنه كان مرتبا التفتت إليهما ندى في حرج وقالت:- أعلم أن المكان ليس مناسبًا... لكن لا يمكنني إدخالكما إلى المنزل.....هز الشاب رأسه متفهما. لكن في تلك اللحظة، وقعت عيناه على نجمة داود التي تدلت من سلسلة فضية أحاطت عنقها، فاتسعت عيناه دهشة. انتبهت ندى إلى تغير ملامحه، لكنها تجاهلت الأمر ، وأسرعت بجلب طاولة قديمة وكرسيين خشبيين وهي تهتف:- يمكنك أن تجعله يستلقي على الطاولة... سأستدعي الطبيب فورا....خرجت ندى من المستودع، فتابعها حسان بنظراته في استغراب متزايد... إنها يهودية
انهيار السيارة على جانبها الأيمن... صرخ حسان في غيظ:- الإطار انفجر... لا حول ولا قوة إلا بالله.أخذ يضغط على الفرامل في هدوء عجيب مناقض للموقف العصيب. يعلم جيدا أن أي توقف مفاجئ سيؤدي حتما إلى انقلاب السيارة رأسا على عقب وأخيرًا توقفت السيارة بعد أن قطعت مسافة لا بأس بها. نظر حسان إلى صديقه في قلق.... ما العمل الآن؟كانت الشمس قد مالت إلى الغروب، وإن لم يكن الظلام قد خيم تماما.فاصطبغت سماء قانا بلون الشفق، وعكست احمرارها على واجهات المباني. تسللت خيوط الشمس الأخيرة عبر زجاج النافذة المغلقة، لترسم بقعا مضيئة على أرضية غرفة الجلوس، حيث جلست ندى على الأريكة تشاهد شاشة التلفاز في ملل. لم يكن في البيت غيرها وأختها دانا، فقد سافر والداهما لحضور زواج بعض الأقارب في بيروت ولن يعودا قبل يومين. كانت دانا تطالع جريدة الأمس في اهتمام بل لعلها قرأت الملف الخاص بالمقاومة اللبنانية، والأحداث الأخيرة التي هزت الساحة السياسية مرات ومرات، محاولة دراسة هذه الظاهرة ... رفعت رأسها فجأة وقالت كأنها تخاطب نفسها:- إنه لشيء عجيب حقا ... كل هؤلاء الشباب الذين يتركون عائلاتهم ومستقبلهم وينضمون إلى جيش مبتدئ
طرق الباب بهدوء، فجاءه الإذن بالدخول. أطل برأسه في مرح وهو يقول:- ماذا تفعل صغيرتي الشقية ؟ الغداء سيكون جاهزا بعد قليل.لكن مرحه سرعان ما انطفأ، حين رأى ربما تجلس على طرف السرير، وقد ضمت ساقيها إلى صدرها، وأحاطتهما بذراعيها في وضعية كتيبة. تقدم نحوها في جزع، وقد لاحظ نظراتها المنكسرة. جلس إلى جانبها ، ووضع يده على كفها في حنان وهو يهمس:- ريما ... ما بك؟ هل هناك ما يزعجك ؟ظلت الطفلة مطرقة، وتمتمت بصوت ضعيف- بابا يعقوب.كم يحب أن تناديه بابا يعقوب»، فقد عودها على ذلك منذ صغرها. كان ذلك أول عهده بالأبوة، وظل يحتفظ بتلك المشاعر لها وحدها. وكان يسعدها أن تناديه باسمه المعرّب، أو كما ورد في القرآن. ولم يكن هو يمانع أبدا، طالما كان في ذلك إرضاء للصغيرة. رنا إليها في اهتمام- نعم صغيرتي.رفعت إليه عينين مليئتين بالدموع، وهتفت في تأثر:- أنا أحبك كثيرا.تسارعت نبضاته أمام اعترافها البريء الذي اخترق قلبه وزلزل كيانه. كان يعلم أنها تحبه وتعتبره والدها، فقد كفلها وهي في سن صغيرة، وأصبح كل عائلتها بعد وفاة والدتها. لكن تصريحها جاء في وقت حرج... في وقت يفتقد فيه حب وعطف أسرته الحقيقية. لم يتما
باسكال الذي يبلغ الخامسة من عمره على كومة من الأوراق، وهو يتنقل بين الآلة الحاسبة والقلم. اتخذ جاكوب مجلسه أمام التلفاز الذي كانا مفتوحا على شريط وثائقي، وتناول جهاز التحكم عن بعد دون أن ينطق بحرف واحد. فقد تعلم ألا يُزعج الصغيرين حين يدرسان ضغط على زر التحكم ليُغيّر المحطة، فجاءه صوت سارا وهي تهتف فجأة- أبي... لا تغير المحطة! ألا ترى أنني أتابع ؟التفت إليها في تعجب، وأشار إلى الكتاب الذي بين يديها محتجا:- ولكنك تقرئين يا عزيزتي لا يمكنك أن تركزي في عملين في وقت واحدعقدت الفتاة ذراعيها أمام صدرها، وهي تقول في هدوء- بلى، يمكنني!رفع حاجبيه في دهشة، فأضافت:لكل شخص قدراته الخاصة.از درد ريقه بصعوبة وهو يتفرّس في وجهها. في كل مرة تدهشه هذه الصغيرة أكثر حتى إنه بدأ يشك في أنها ابنته لم يكن يوما فائق الذكاء، بل لعله كان تلميذا ذا مستوى متوسط... لكن سارا كانت شعلة حقيقية. وقد أدرك نبوغها منذ وقت مبكر... كانت تانيا قد قرأت كثيرا عن تأثر الطفل بما يسمعه في فترة الحمل، وفي أولى سنوات عمره، فحرصت على الاستماع إلى الأشرطة العلمية ودروس تعليم اللغات الأجنبية... ثم ما إن بدأت سارا تتكلم، حتى







