Se connecterخرجتُ من القاعة بخطوات متعثرة.
لم أكن أسمع شيئاً؛ لا صراخ الصحفيين، ولا نداءات الضيوف، ولا حتى صوت آدم وهو ينادي اسمي من الخلف. كل ما كنتُ أسمعه دقات قلبي التي كادت تمزق صدري. وصلتُ إلى الجناح الخاص بالعائلة في الطابق العلوي. دفعتُ الباب بقوة، فارتطم بالجدار. كانت والدتي تجلس على الأريكة، شاحبة كالثلج، تمسك بحافة وشاحها كأنها تتشبث بشيء يمنعها من الانهيار. أما والدي فوقف أمام النافذة، ممسكاً بهاتفه، يتحدث بعصبية لم أرَها عليه من قبل: "أوقفوا جميع القنوات، لا أريد أي تصريح قبل أن يصل الفريق القانوني." ما إن رآني حتى أنهى المكالمة فوراً. صمتٌ ثقيل، أثقل من أي كلمة. ألقيتُ نظرة على وجهيهما، انتظرتُ أن أرى الصدمة التي كنت أتوقعها، انتظرتُ أن يبكيا معي، أن يحتضناني، أن يقولا لي إن كل هذا خطأ. لكنني لم أرَ شيئاً من ذلك. رأيتُ شيئاً آخر: الخوف. خوفٌ حقيقي، من النوع الذي لا يظهر إلا حين يكون هناك سرٌّ ثقيل يوشك أن ينكشف. كان في أعينهما، في ارتجاف شفاههما، في صمتهما الثقيل الذي كان أقسى من أي صراخ. تقدمتُ خطوة نحوهما. "أريد تفسيراً." لم يجب أحد. "أريد أن أعرف ماذا يحدث!" ارتفعت نبرة صوتي. خفضت أمي رأسها. أما أبي فظل صامتاً، يحدق في الأرض كأنها ابتلعت لسانه. قبضتُ على طرف فستاني بقوة حتى كادت أظافري تخرق القماش الثمين. "قولوا إنه كذب." سكتا. "قولوا إن التقرير مزوّر." ما زال الصمت يملأ الغرفة. شعرتُ بشيء ينكسر بداخلي، شيء كنتُ أظنه حجراً، تبين أنه زجاج. اقتربتُ من والدي حتى أصبحتُ أمامه مباشرة. رأيتُ تجاعيد وجهه، رأيتُ عروقه تنتفض في عنقه، رأيتُ يديه ترتجفان وهما يمسكان بهاتفه. "أبي..." ارتجف صوتي. "انظر إليّ." رفع عينيه ببطء، حمراوين، منهكتين. لكنه لم ينطق بحرف. "هل كنت تعرف؟" سألتُه وأنا أكاد أنهار. أدار وجهه بعيداً. هنا فقدتُ آخر ذرة أمل بقيت لي. "إذن كنت تعرف." هز رأسه بسرعة، وكأنه يريد أن ينفي شيئاً لا يستطيع نفيه. "الأمر ليس كما تظنين." "إذن كيف هو؟!" صرختُ. "في الأسفل يقولون إنني تزوجتُ شقيقي! والصحافة تنقل الخبر إلى العالم كله! وأنتما تقفان أمامي وكأن شيئاً لم يحدث!" انفجرت أمي بالبكاء، دموع غزيرة تحرقت على خديها الشاحبين. "ليلى..." قاطعتُها بعنف لم أعرفه من نفسي من قبل: "لا تنادِيني باسمي!" تراجعت خطوة، وكأن كلماتي كانت صفعة على وجهها. كانت هذه أول مرة ترى فيها ابنتها بهذه الحال. في الخارج، دوّى طرقٌ عنيف على الباب. "سيدي!" دخل أحد الحراس مسرعاً، وجهه متصبب عرقاً. "السيد آدم يريد الدخول." رفعتُ رأسي فوراً، تحركتُ نحو الباب بلا تفكير. لكن صوت والدي جاء حاسماً كالسيف: "لا تسمحوا له بالدخول." تجمدتُ في مكاني. استدرتُ إليه ببطء. "ماذا قلت؟" كرّرها دون أن ينظر إليّ حتى: "لن يقابلها." شعرتُ وكأن الأرض تهتز من تحتي مجدداً، كأن الفصل الأول من الكابوس لم ينتهِ بعد. "لماذا؟" أجاب الحارس بتردد: "السيد آدم يرفض المغادرة، ويصرّ على رؤية الآنسة ليلى." اقتربتُ من الباب، وضعتُ يدي على المقبض البارد. "افتحوه." لكن أبي صاح لأول مرة بصوتٍ لم أسمعه منه من قبل، صوت كاد يخلع حلقه: "قلت لا!" توقفتُ، نظرتُ إليه بعدم تصديق. "حتى الآن ما زلتَ تمنعني من معرفة الحقيقة؟" صمتٌ ثقيل يخنق الأنفاس. لم يعد هناك هواء في الغرفة، شعرتُ أنني أغرق. ثم رنّ هاتف والدي. نظر إلى الشاشة، تغيّر لون وجهه فوراً، من الشحوب إلى شيء أقرب للرعب. أجاب بسرعة: "ماذا؟!" صمتَ لثوانٍ طويلة، ثقيلة كالرصاص، كأن كل ثانية منها كانت تمر فوق صدري. "كيف وصل التقرير إلى الإعلام قبل الزفاف؟" قال بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن تسمعه الجدران نفسها. رفعت أمي رأسها بصعوبة، التقت عيناها بعينيّ. ولأول مرة منذ بداية هذه الكارثة، رأيتُ الخوف الحقيقي في عيني أمي. "سامحيني." همست. توقفت أنفاسي. "على ماذا؟" ارتجفت شفتاها، بدت وكأنها تريد أن تعترف بكل شيء دفعة واحدة، وكأن الكلمات كانت تحتشد في حلقها منذ سنوات، تنتظر لحظة كهذه لتنفجر. لكن قبل أن تنطق حرفاً واحداً، فُتح الباب بعنف. دخل أحد الحراس وهو يلهث، وكأنه ركض من الطابق السفلي دون توقف. "سيدي..." التفت الجميع إليه. "السيد آدم اشتبك مع رجال الأمن في الأسفل." قال بسرعة وكلماته تتدافع. شهقتُ. "ماذا؟" "يرفض المغادرة، ويقول إنه لن يخرج قبل أن يتحدث مع الآنسة ليلى." أكمل الحارس وصوته يرتجف. شعرتُ أن قلبي انقبض بشدة. آدم كان يقاتل من أجلي، هناك في الأسفل، يصارع الحراس ليراني. تحركتُ نحو الباب دون تفكير. لكن والدي أمسك معصمي بقوة، قبضته حديدية، مؤلمة. "لن تذهبي." التفتُّ إليه بغضب لم أعرفه من نفسي: "اتركني." "ليس الآن." حاولتُ سحب يدي، لكنه شدّ عليها أكثر. "ليلى، اسمعيني." نظرتُ إلى يده الممسكة بمعصمي، رفعتُ عينيّ إليه. ولأول مرة في حياتي، قلتُ له ببرودٍ لم يعرفه مني يوماً: "لا تلمسني." ارتخت أصابعه تلقائياً، وكأن كلماتي كانت أقوى من قبضته، أقوى من سلطته، أقوى من كل الأسرار التي يخفيها. استغللتُ الفرصة، خرجتُ أركض نحو الباب، نزلتُ الدرج مسرعة، فستاني الطويل يعيقني، فرفعته بيدي. لم أنظر خلفي، لم أستطع. لكنني لم أكن أعلم أن شخصاً آخر كان يقف في آخر الممر، في الطابق العلوي، يراقب كل ما يحدث بصمتٍ تام، يمسك بين يديه نسخةً ثانية من تقرير الـDNA.ترددت ليلى لحظة قبل أن تقول، وصوتها يخرج أكثر ثباتًا مما شعرت به فعلًا في داخلها: «سأذهب وأحضر الملفات.» ظل كريم صامتًا عبر الهاتف، صمتًا محمّلًا بالتردد، وكأنه يزن الكلمات قبل أن يطلقها. «آنسة ليلى...» «ماذا؟» «لا أريد أن أضعكِ في هذا الموقف.» «وأنا لا أريد أن تتأخر عن أبي. أصلح سيارتك، وأنا سأحضرها.» تردد قليلًا، ثم استسلم أخيرًا لنبرتها الحازمة التي لا تقبل الجدال. «حسنًا. لكن كوني حذرة.» «سأكون كذلك.» أغلقت ليلى الاتصال، ووضعت الهاتف بجانبها على المقعد الجلدي، ثم بقيت تنظر إلى الطريق أمامها بصمت ثقيل، بينما كانت أصابعها تطرق سطح المقود ببطء بلا وعي منها، وأنفاسها تخرج أبطأ مما اعتادت. كانت هناك فكرة صغيرة تحاول أن تشقّ طريقها إلى رأسها، كخيط دخان يتسلل من تحت باب مغلق، رافضًا أن يختفي مهما حاولت طرده. ربما ستراه.
كانت ليلى تمشي إلى جانب جيني بين واجهات المتاجر المضاءة، بينما كانت جيني تحمل ثلاث قطع ملابس فوق ذراعها، وترفض بعناد أن تسمح لها بإعادتها إلى الرفوف. «جرّبي هذه.» نظرت ليلى إلى القميص الذي مدّته إليها، بعين متشككة. «لا أحتاجه.» «لم أسألكِ إن كنتِ تحتاجينه.» رفعت ليلى حاجبها. «إذًا ماذا سألتِ؟» «لم أسأل أصلًا. أنا أختار.» ضحكت ليلى بخفة، صوت ضحكتها الأولى الصادقة منذ أيام، وأخذت القطعة منها رغمًا عنها. دخلتا غرفة القياس، وبعد دقائق خرجت ليلى بالملابس الجديدة، تتحسّس القماش الجديد على كتفيها بحذر. رفعت جيني رأسها إليها، ثم أمالته قليلًا، تتفحّصها بعين ناقدة. «أفضل.» «أنتِ تقولين هذا عن كل شيء.» «لأنكِ كنتِ تختارين أشياء سيئة.» ابتسمت ليلى، ثم أعادت النظر إلى المرآة. كان شعرها قد طال خلال الفترة الأخيرة، وعاد لونه البني يقترب أكثر من لونه الطبيعي، كأنه يستعيد نفسه بعد غياب طويل. مدّت جيني يدها نحو إحدى خصلاته. «هل فكرتِ أن تعيدي قصّته؟» أبعدت ليلى الخصلات عن وجهها بحركة تلقائية. «لا.» «وحتى الأشقر؟» توقفت يد ليلى في الهواء. نظرت إلى انعكاسها في
نظر إليها لحظة، عيناه ثابتتان. «لأنكِ تحتاجينه.» ثم استدار وخرج. بقيت لارا تراقبه وهو يبتعد، خطواته تتلاشى في الممر. لم تقل شيئًا. ولم تسمح لابتسامة صغيرة كادت تظهر على شفتيها أن تكتمل. كان هناك تغيّر. بسيط. لكنها رأته بوضوح. آدم بدأ يهتم. لم يكن اهتمامًا واضحًا يمكنها أن تواجهه بسؤال مباشر. ولم يكن قربًا صريحًا يسمح لها بأن تفسّره كما تريد. كان مجرد أشياء صغيرة، متناثرة، لا تُجمع في جملة واحدة. يسأل إن كانت تناولت دواءها. يمرّ على غرفتها قبل أن يخرج. يتذكّر ما تحتاج إليه. ويبقى قريبًا عندما تسوء حالتها. ولارا لم تكن تريد أن تعترف له بذلك. ليس الآن. لذلك لم تقل شيئًا. تركت الأمر يحدث وحده، ببطء، دون أن تلمسه بكلمة قد تكسره. وتركت آدم يقترب بالقدر الذي يريده هو.
جلست ليلى على حافة السرير، تحدّق في الهاتف الساكن من بعيد، وكأنها تراقب عدوًا صامتًا. «لماذا لم تتصل؟» قالتها بصوت خافت، غاضب. «ولماذا يهمني أصلًا إن اتصلت أم لا؟!» انفتح الباب فجأة. دخل سامر، فتوقفت ليلى فورًا، وانتفضت قليلًا في مكانها. نظر إليها بدهشة. «مع من كنتِ تتحدثين؟» «لا أحد، أبي.» «سمعتك تتحدثين بغضب. مع من؟» «كنت... أفكر بصوت مرتفع، هذا كل ما في الأمر.» نظر إليها بشك واضح. «لماذا أنتِ عصبية هكذا؟» «لست عصبية.» «ليلى.» «أنا متعبة فقط، أبي. يوم طويل في الشركة.» في تلك اللحظة، بدأ الهاتف يرنّ فوق السرير. اتسعت عينا ليلى، وشعرت بقلبها يسقط في معدتها. اقترب سامر خطوة نحو صوت الرنين. «ه
التفتت إليه، عيناها زائغتان. «أنا بخير...» لكن جسدها مال فجأة، كشجرة تفقد توازنها. أمسك بها قبل أن تسقط، وشعر بثقل جسدها الرخو بين ذراعيه. حملها إلى السرير ووضعها برفق. كانت عيناها نصف مغمضتين. «سأستدعي الطبيب.» أمسكت بذراعه للحظة، بقوة ضعيفة. «لا...» نظر إليها. «لماذا؟» لم تجب. كان تنفسها سريعًا، ووجهها أكثر شحوبًا من أي وقت مضى. أبعد آدم يدها عن ذراعه ووضعها فوق الغطاء برفق. «سأستدعيه.» * بعد وقت قصير، كان الطبيب إلى جوارها. أعطاها ما يلزم، ثم بقي يراقب حالتها بصم
دخل ريان إلى غرفة التجهيز. كانت بدلة السباق معلّقة أمامه، وبجانبها خوذته وقفازاه وحذاؤه، مرتّبة بدقة كأنها كانت تنتظر عودته منذ زمن. وضع هاتفه على الطاولة. خلع سترته، ثم بدأ يرتدي بدلة السباق بهدوء. لم يكن في حركاته أي تردد. كل خطوة يعرفها. كل قطعة في مكانها. كل تفصيل اعتاد عليه حتى صار جزءًا من جسده. وبعد دقائق، وقف أمام المرآة. حدّق في انعكاسه للحظة، وشيء في عينيه تحوّل من هدوء الرحلة إلى شيء آخر، أكثر حدّة، أشبه بجمرة توشك أن تشتعل. ثم أخذ الخوذة بين يديه. دخل أحد أعضاء الفريق، وتحدث معه بالإيطالية، مخبرًا إياه أن السيارة جاهزة وأن المهندسين ينتظرونه. أومأ ريان. «حسنًا.» خرج الرجل. بقي ريان وحده للحظات. أخذ نفسًا عميقًا، ملأ به صدره حتى آخره. ثم وضع الخوذة. * كانت السيارة تنتظره عند مدخل الحلبة. اقترب منها ريان، ووضع يده على سقفها للحظة، كأنه يتفقّد شيئًا حيًّا لا آلة صمّاء. ثم فتح الباب وجلس في الداخل. أغلقه. اختفى العالم من حوله. لم يعد يسمع أصوات العاملين ولا حركة السيارات في المرائب. فقط صوت المحرك. وصوته الداخلي. وصوت المهن







