Masukلم أكن أعلم أن الرجل الذي وقف في آخر الممر، ممسكاً بنسخة ثانية من تقرير الحمض النووي، لم يكن صحفياً، ولا أحد رجال الأمن. كان يراقب كل ما يحدث بصمت غريب، وكأنه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل، وكأن كل ما يجري أمام عينيه لا يفاجئه على الإطلاق.
انتزعتُ يدي من قبضة والدي، اندفعتُ خارج الجناح. "ليلى!" سمعتُ والدتي تناديني من الخلف، لكنني لم أتوقف. كل ما كنتُ أفكر به هو آدم. أردتُ أن أسمع الحقيقة منه، حتى لو كانت ستدمرني أكثر مما دُمرتُ بالفعل. كان الممر المؤدي إلى المصعد يعج برجال الأمن والموظفين والخدم الذين يركضون في كل اتجاه. لم يعد القصر يشبه المكان الذي امتلأ قبل ساعة بالموسيقى والورود، بل تحوّل إلى خلية نحل مضطربة تماماً. ما إن وصلتُ إلى المصعد حتى انفتح الباب. خرج منه أربعة رجال أمن يحيطون بآدم. توقفتُ في مكاني. كانت رابطة عنقه مفكوكة، وأزرار قميصه العلوية مفتوحة، وعلى خده الأيسر آثار الاحمرار التي تركتها صفعة والده. بدا وكأنه خاض معركة خسر فيها كل شيء دفعة واحدة. ما إن وقعت عيناه عليّ حتى نادى باسمي. "ليلى!" تحرك نحوي فوراً، لكن رجال الأمن أمسكوا بذراعيه بقوة. "اتركوني!" دفع أحدهم بعيداً وهو يحاول الوصول إليّ. "دعوني أتحدث معها دقيقة واحدة!" رفعتُ قدمي بتردد. كنتُ أريد الركض نحوه، لكن قدميّ لم تتحركا. توقفتُ على بعد خطوات، أحدق فيه وكأنني أراه للمرة الأولى في حياتي. اقترب مني بقدر ما سمح له الحراس. "ليلى، أقسم لكِ، لا أعرف شيئاً." قال بصوت مبحوح. ابتلعتُ ريقي بصعوبة. "هل كنتَ تعرف؟" هزّ رأسه بعنف. "لو كنتُ أعرف، هل كنتُ سأقف معكِ أمام الجميع بهذه الطريقة؟" ارتجفت شفتاي. "لكن التقرير..." "لا تصدقيه قبل أن نعيد الفحص." قاطعني بسرعة. كانت عيناه تمتلئان بالعجز الحقيقي. لم يكن ينظر إليّ كرجل يخشى الفضيحة، بل كرجل يخشى أن يفقد المرأة التي أحبها. ولأول مرة منذ بداية الكارثة، كدتُ أصدقه فعلاً. لكن... "ابتعد." دوّى الصوت في الممر. التفت الجميع في اللحظة نفسها. كان الجد عبد الرحمن الراوي يتقدم بخطوات ثابتة، يتبعه المحامي الشخصي وعدد من أعضاء مجلس الإدارة. توقفت الحركة في المكان بالكامل، حتى رجال الأمن اعتدلوا في وقفتهم على الفور. نظر الجد إلى آدم ببرود. "يكفي ما فعلته." شدّ آدم ذراعه من يد الحارس. "أريد أن أتحدث مع ليلى." "انتهى الحديث." "لن ينتهي قبل أن أعرف الحقيقة!" صمت. ثبّت آدم نظره في وجه جده. "هل كنتَ تعلم؟" لم يجب الجد. كرر آدم السؤال، وهذه المرة كان صوته أعلى بكثير: "هل كنتَ تعلم؟!" لكن الجد بقي صامتاً تماماً. ذلك الصمت كان أقسى من أي اعتراف يمكن أن يخرج من فمه. رأيتُ ملامح آدم تتغيّر أمامي، وكأن جزءاً منه بدأ ينهار في تلك اللحظة بالذات. في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء أمام مدخل القصر. ترجّل منها رجل طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء بسيطة، يحمل ملفاً بين يديه. لم يلتفت إلى الصحفيين الذين ركضوا نحوه بسرعة، ولا إلى الحراس الذين فتحوا له الطريق دون أي اعتراض. كان يسير بهدوء لافت، وكأنه لا يرى الفوضى التي تبتلع المكان من حوله بأكمله. ما إن اقترب حتى رفع الجد عينيه إليه. "وصلتَ أخيراً." توقف الرجل أمامه. "كنتُ في اجتماع خارج المدينة." نظر إلى آدم للحظة، ثم وقعت عيناه عليّ. لم تكن نظرة فضول، ولا شفقة، بل نظرة رجل يحاول فهم المشهد قبل أن يحكم عليه، وكأنه يقيّم الموقف بهدوء تام دون أن يتأثر بكل الفوضى المحيطة به. اقترب المحامي منه، ناوله الملف الذي يحمله. "علينا أن ندخل." قال بصوت منخفض. أومأ الرجل برأسه. وقبل أن يتحرك، سألت بصوت مرتجف قليلاً: "من هذه؟" صمت قصير. "ريان." أجاب الجد دون أن ينظر نحوي. تابع ببرود شديد: "ريان الراوي." شعرتُ أن الاسم مرّ عليّ من قبل، ربما في حديث عابر بين أفراد العائلة، لكنني لم أتذكر أين سمعته بالضبط. تحرك الجد نحو غرفة الاجتماعات. "أغلقوا الباب." قال بصوت حاسم. دخل الجميع: الجد، ريان، المحامي، ووالد آدم. أما أنا وآدم، فبقينا خارج الغرفة، نحدق في الباب المغلق، دون أن نعلم أن القرار الذي سيصدر من خلفه سيغيّر حياتنا إلى الأبد بطريقة لم نتخيلها. أُغلق باب غرفة الاجتماعات الثقيل بصوتٍ مكتوم. بقيتُ أنا وآدم في الخارج، لم ينطق أيٌّ منا بكلمة. كان الممر، قبل دقائق فقط، يعجُّ بالصحفيين والحراس، أما الآن فقد أُخلي بالكامل بأوامر الجد. لم يبقَ سوى عدد قليل من رجال الأمن يقفون أمام الباب، يمنعون أي شخص من الاقتراب. مرّت دقيقة، ثم دقيقتان، بدتا أطول من العمر كله. التفتُّ إلى آدم. كان يقف وظهره مسند إلى الجدار، ينظر إلى الأرض بصمت. قبضته مشدودة بقوة حتى برزت عروق يده، وعلى خده ما تزال آثار الصفعة واضحة. "هل تعرفه؟" همستُ دون أن أشعر. رفع رأسه نحوي. "من؟" "ريان." صمت لثوانٍ. "ابن عمّي." قال بهدوء. توقفتُ عن التنفس للحظة. "لماذا لم أره من قبل؟" "لأنه لا يحضر اجتماعات العائلة، ولا يهتم بها." أجاب وهو يشيح بنظره. لم أفهم. إذا كان فرداً من العائلة، فلماذا بدا الجميع وكأنهم ينتظرون وصوله؟ قبل أن أتمكن من السؤال، ارتفع صوتٌ خافت من داخل غرفة الاجتماعات. لم تكن الكلمات واضحة، لكن نبرة الجد كانت غاضبة. ثم صمت مجدداً. داخل الغرفة، وضع المحامي يوسف الخطيب جهازاً لوحياً على الطاولة. ظهرت عشرات العناوين الإخبارية: "فضيحة زفاف القرن." "رجل الأعمال الشهير يزوّج ابنه من شقيقته." "هل أخفت عائلة الراوي الحقيقة سنوات؟" أغلق الجد الشاشة بعصبية. "كم بلغت الخسائر؟" "خلال أقل من ساعة، خسرنا ثلاث صفقات." أجاب المدير المالي. "وثلاثة مستثمرين أعلنوا تجميد تعاونهم." أضاف المحامي. صمت. "وماذا عن التقرير؟" قال الجد بصوتٍ منخفض. أخرج المحامي نسخةً أخرى من ملف الـDNA. "التقرير حقيقي." قبض والد آدم على ذراع المقعد بقوة. "لكن هناك شيء لا نفهمه..." نظر الجميع إليه. "التقرير لم يكن موجوداً هذا الصباح." رفع ريان رأسه لأول مرة. "ماذا تقصد؟" "المختبر لم يرسل أي نسخة إلى العائلة." أجاب المحامي. صمت. "أي أن شخصاً ما حصل عليه أولاً، ثم سلّمه للإعلام قبل أن يصل إلينا." تغيّر وجه ريان. "إذن..." "ما حدث الليلة لم يكن صدفة." أومأ المحامي. "بل كان مخططاً له." أغلق ريان الملف ببطء. كانت هذه أول مرة يظهر فيها أي انفعال على وجهه. "إذن هناك شخص يعرف الحقيقة، ويريد تدمير العائلة." قال بهدوء. في الخارج، بدأ القلق ينهشني. نظرتُ إلى الباب للمرة العاشرة. "لماذا يتأخرون؟" لم يجب آدم، لكنه كان ينظر إلى الباب بالطريقة نفسها. فجأة، فُتح الباب. خرج المحامي أولاً، ثم تبعه الجد، وأخيراً خرج ريان. كانت ملامحه هادئة بصورة أثارت خوفي. نظر الجد إلى رجال الأمن: "خذوا آدم إلى الجناح الغربي." اعترض آدم فوراً: "لن أذهب." لكن أحداً لم يرد عليه. التفت الجد نحوي: "ليلى." تجمدتُ في مكاني. اقترب مني خطوة، قال بنبرةٍ لا تعرف النقاش: "تعالي معي." نظرتُ إلى آدم، كان يحاول الاقتراب، لكن الحراس منعوه. "ليلى، لا تذهبي وحدك!" صرخ باسمي. لكن الباب أُغلق بيننا. دخلتُ الغرفة. كان الجد يقف أمام النافذة. أما ريان، فكان واقفاً إلى الجانب، صامتاً. التفت الجد نحوي ببطء. "من هذه اللحظة، ستتغيّر حياتكِ بالكامل." شعرتُ بانقباضٍ في صدري. نظر الجد إلى ريان، ثم إلى المحامي. "اشرح لها." رفع المحامي الملف من فوق الطاولة، أخذ نفساً عميقاً. "الآنسة ليلى، لم يعد أمام العائلة سوى حلٍّ واحد."ترددت ليلى لحظة قبل أن تقول، وصوتها يخرج أكثر ثباتًا مما شعرت به فعلًا في داخلها: «سأذهب وأحضر الملفات.» ظل كريم صامتًا عبر الهاتف، صمتًا محمّلًا بالتردد، وكأنه يزن الكلمات قبل أن يطلقها. «آنسة ليلى...» «ماذا؟» «لا أريد أن أضعكِ في هذا الموقف.» «وأنا لا أريد أن تتأخر عن أبي. أصلح سيارتك، وأنا سأحضرها.» تردد قليلًا، ثم استسلم أخيرًا لنبرتها الحازمة التي لا تقبل الجدال. «حسنًا. لكن كوني حذرة.» «سأكون كذلك.» أغلقت ليلى الاتصال، ووضعت الهاتف بجانبها على المقعد الجلدي، ثم بقيت تنظر إلى الطريق أمامها بصمت ثقيل، بينما كانت أصابعها تطرق سطح المقود ببطء بلا وعي منها، وأنفاسها تخرج أبطأ مما اعتادت. كانت هناك فكرة صغيرة تحاول أن تشقّ طريقها إلى رأسها، كخيط دخان يتسلل من تحت باب مغلق، رافضًا أن يختفي مهما حاولت طرده. ربما ستراه.
كانت ليلى تمشي إلى جانب جيني بين واجهات المتاجر المضاءة، بينما كانت جيني تحمل ثلاث قطع ملابس فوق ذراعها، وترفض بعناد أن تسمح لها بإعادتها إلى الرفوف. «جرّبي هذه.» نظرت ليلى إلى القميص الذي مدّته إليها، بعين متشككة. «لا أحتاجه.» «لم أسألكِ إن كنتِ تحتاجينه.» رفعت ليلى حاجبها. «إذًا ماذا سألتِ؟» «لم أسأل أصلًا. أنا أختار.» ضحكت ليلى بخفة، صوت ضحكتها الأولى الصادقة منذ أيام، وأخذت القطعة منها رغمًا عنها. دخلتا غرفة القياس، وبعد دقائق خرجت ليلى بالملابس الجديدة، تتحسّس القماش الجديد على كتفيها بحذر. رفعت جيني رأسها إليها، ثم أمالته قليلًا، تتفحّصها بعين ناقدة. «أفضل.» «أنتِ تقولين هذا عن كل شيء.» «لأنكِ كنتِ تختارين أشياء سيئة.» ابتسمت ليلى، ثم أعادت النظر إلى المرآة. كان شعرها قد طال خلال الفترة الأخيرة، وعاد لونه البني يقترب أكثر من لونه الطبيعي، كأنه يستعيد نفسه بعد غياب طويل. مدّت جيني يدها نحو إحدى خصلاته. «هل فكرتِ أن تعيدي قصّته؟» أبعدت ليلى الخصلات عن وجهها بحركة تلقائية. «لا.» «وحتى الأشقر؟» توقفت يد ليلى في الهواء. نظرت إلى انعكاسها في
نظر إليها لحظة، عيناه ثابتتان. «لأنكِ تحتاجينه.» ثم استدار وخرج. بقيت لارا تراقبه وهو يبتعد، خطواته تتلاشى في الممر. لم تقل شيئًا. ولم تسمح لابتسامة صغيرة كادت تظهر على شفتيها أن تكتمل. كان هناك تغيّر. بسيط. لكنها رأته بوضوح. آدم بدأ يهتم. لم يكن اهتمامًا واضحًا يمكنها أن تواجهه بسؤال مباشر. ولم يكن قربًا صريحًا يسمح لها بأن تفسّره كما تريد. كان مجرد أشياء صغيرة، متناثرة، لا تُجمع في جملة واحدة. يسأل إن كانت تناولت دواءها. يمرّ على غرفتها قبل أن يخرج. يتذكّر ما تحتاج إليه. ويبقى قريبًا عندما تسوء حالتها. ولارا لم تكن تريد أن تعترف له بذلك. ليس الآن. لذلك لم تقل شيئًا. تركت الأمر يحدث وحده، ببطء، دون أن تلمسه بكلمة قد تكسره. وتركت آدم يقترب بالقدر الذي يريده هو.
جلست ليلى على حافة السرير، تحدّق في الهاتف الساكن من بعيد، وكأنها تراقب عدوًا صامتًا. «لماذا لم تتصل؟» قالتها بصوت خافت، غاضب. «ولماذا يهمني أصلًا إن اتصلت أم لا؟!» انفتح الباب فجأة. دخل سامر، فتوقفت ليلى فورًا، وانتفضت قليلًا في مكانها. نظر إليها بدهشة. «مع من كنتِ تتحدثين؟» «لا أحد، أبي.» «سمعتك تتحدثين بغضب. مع من؟» «كنت... أفكر بصوت مرتفع، هذا كل ما في الأمر.» نظر إليها بشك واضح. «لماذا أنتِ عصبية هكذا؟» «لست عصبية.» «ليلى.» «أنا متعبة فقط، أبي. يوم طويل في الشركة.» في تلك اللحظة، بدأ الهاتف يرنّ فوق السرير. اتسعت عينا ليلى، وشعرت بقلبها يسقط في معدتها. اقترب سامر خطوة نحو صوت الرنين. «ه
التفتت إليه، عيناها زائغتان. «أنا بخير...» لكن جسدها مال فجأة، كشجرة تفقد توازنها. أمسك بها قبل أن تسقط، وشعر بثقل جسدها الرخو بين ذراعيه. حملها إلى السرير ووضعها برفق. كانت عيناها نصف مغمضتين. «سأستدعي الطبيب.» أمسكت بذراعه للحظة، بقوة ضعيفة. «لا...» نظر إليها. «لماذا؟» لم تجب. كان تنفسها سريعًا، ووجهها أكثر شحوبًا من أي وقت مضى. أبعد آدم يدها عن ذراعه ووضعها فوق الغطاء برفق. «سأستدعيه.» * بعد وقت قصير، كان الطبيب إلى جوارها. أعطاها ما يلزم، ثم بقي يراقب حالتها بصم
دخل ريان إلى غرفة التجهيز. كانت بدلة السباق معلّقة أمامه، وبجانبها خوذته وقفازاه وحذاؤه، مرتّبة بدقة كأنها كانت تنتظر عودته منذ زمن. وضع هاتفه على الطاولة. خلع سترته، ثم بدأ يرتدي بدلة السباق بهدوء. لم يكن في حركاته أي تردد. كل خطوة يعرفها. كل قطعة في مكانها. كل تفصيل اعتاد عليه حتى صار جزءًا من جسده. وبعد دقائق، وقف أمام المرآة. حدّق في انعكاسه للحظة، وشيء في عينيه تحوّل من هدوء الرحلة إلى شيء آخر، أكثر حدّة، أشبه بجمرة توشك أن تشتعل. ثم أخذ الخوذة بين يديه. دخل أحد أعضاء الفريق، وتحدث معه بالإيطالية، مخبرًا إياه أن السيارة جاهزة وأن المهندسين ينتظرونه. أومأ ريان. «حسنًا.» خرج الرجل. بقي ريان وحده للحظات. أخذ نفسًا عميقًا، ملأ به صدره حتى آخره. ثم وضع الخوذة. * كانت السيارة تنتظره عند مدخل الحلبة. اقترب منها ريان، ووضع يده على سقفها للحظة، كأنه يتفقّد شيئًا حيًّا لا آلة صمّاء. ثم فتح الباب وجلس في الداخل. أغلقه. اختفى العالم من حوله. لم يعد يسمع أصوات العاملين ولا حركة السيارات في المرائب. فقط صوت المحرك. وصوته الداخلي. وصوت المهن







