LOGIN
قانون الغابة
الفصل الأول: زواج غير متوقع كانت أسماء تقف أمام نافذة غرفتها، تراقب غروب الشمس وهو ينسحب ببطء خلف أشجار الحديقة. كان هاتفها بين يديها، وعلى شاشته رسالة واحدة جعلت ابتسامتها تتسع. هشام: "غدًا سأأتي لأتحدث مع والدك. أريد أن تكوني زوجتي، أسماء." قرأت الرسالة مرة ثانية، ثم ضمت الهاتف إلى صدرها. هشام... حب طفولتها، ورفيق سنواتها الأولى، والشخص الذي لم تتخيل يومًا أن تنتهي حياتها بعيدًا عنه. كبر الاثنان معًا، وتحولت الصداقة البريئة بينهما إلى حب هادئ أخفياه عن الجميع، حتى أصبحا يعتقدان أن الزواج ليس سوى مسألة وقت. لكن في تلك الليلة، كان القدر يخبئ لها شيئًا آخر. طرقت والدتها الباب، ثم قالت: — أسماء، والدك يريدك في الصالون. تلاشت ابتسامة أسماء تدريجيًا. — الآن؟ — نعم، قال إن الأمر مهم. شعرت أسماء بوخزة قلق خفيفة. نزلت إلى الصالون، فوجدت والدها جالسًا في مكانه المعتاد، وملامح وجهه أكثر صرامة من المعتاد. — اجلسي يا أسماء. جلست أمامه في هدوء، تنتظر ما سيقوله. ظل والدها صامتًا لثوانٍ، ثم قال: — جاءني اليوم رجل يطلب يدك. اتسعت عيناها بدهشة. — ماذا؟ — اسمه عادل القادري. تجمدت ملامحها للحظة. — ومن يكون؟ تنهد والدها قبل أن يجيب: — رجل معروف ومحترم، له عمله ومكانته الاجتماعية. وهو أرمل. شعرت أسماء بأن قلبها يهبط فجأة. — أرمل؟ — نعم، زوجته توفيت منذ سنوات. ساد الصمت للحظات، ثم قالت بصوت منخفض: — وماذا كان ردك؟ نظر إليها والدها طويلًا قبل أن يقول: — لم أرفض. رفعت أسماء رأسها بسرعة. — أبي! — استمعي إلي أولًا. — لكنني لا أريد الزواج! حاول والدها أن يحافظ على هدوئه. — لم أقل إنك ستتزوجينه غدًا. الرجل طلب أن نتشاور في موضوع الخطبة، وأردت أن أسمع رأيك. خفضت أسماء عينيها، وقد ازدحمت أفكارها بهشام، برسالته، وبالوعد الذي بينهما. ثم سألت: — وهل يعلم أنك ستسألني؟ — نعم. ساد الصمت من جديد. كان بإمكانها أن ترفض فورًا وتنهي الأمر، لكنها كانت تدرك طبيعة والدها جيدًا. كان يثق بعادل القادري، ويراه رجلًا قادرًا على تأمين مستقبلها. لكن أسماء لم تكن تبحث عن المال أو المكانة. كانت تريد هشام. قالت أخيرًا: — أحتاج إلى وقت. هز والدها رأسه موافقًا. — خذي وقتك، لكن لا ترفضي قبل أن تتعرفي عليه. في تلك اللحظة، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. هشام يتصل. ترددت لثوانٍ، ثم نهضت وخرجت إلى الحديقة. — ألو؟ جاءها صوته الدافئ: — أسماء، هل تحدثتِ مع والدك؟ ابتلعت ريقها بصعوبة. — ليس بعد. — إذن غدًا؟ أغمضت عينيها للحظة. — هشام... — ماذا هناك؟ لم تستطع إخباره. كيف ستقول له إن رجلًا آخر طرق بابها؟ كيف ستخبره أن والدها بدأ يفكر في تزويجها من رجل أرمل لا تعرف عنه سوى اسمه؟ — لا شيء... تصبح على خير. — أسماء، صوتك غير مطمئن. — أنا بخير. أغلقت الهاتف قبل أن يزداد قلقه. لكنها لم تكن بخير. وفي اليوم التالي، جاء عادل القادري. كان رجلًا هادئًا، أنيقًا، في أوائل الثلاثينيات، وتظهر في ملامحه وقار واضح ونظرة يصعب تفسيرها. لم يكن كثير الكلام، ولم يحاول التظاهر بما ليس فيه. جلس مع والد أسماء ووالدتها، ثم طلب أن يتحدث معها على انفراد. دخلت أسماء الصالون وقلبها يخفق بوضوح. نظر إليها عادل بهدوء، ثم قال: — أعلم أن هذا الزواج جاء بشكل مفاجئ بالنسبة لك. لم تجبه. — ولا أريدك أن تقبلي تحت أي ضغط من والدك. رفعت عينيها إليه للمرة الأولى. — وماذا تريد أنت؟ صمت لحظة، ثم قال: — أريد فرصة فقط... أن نتعرف إلى بعضنا قبل اتخاذ أي قرار. لم تفهم أسماء لماذا شعرت أن خلف هدوئه شيئًا أعمق مما يظهر. ثم سألها: — هل يوجد شخص آخر في حياتك؟ تجمدت ملامحها. لم تجب. لكن صمتها كان كافيًا ليمنحه الإجابة. ابتسم عادل ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه. — فهمت. نهضت أسماء وقالت: — أنا آسفة. — لا داعي للاعتذار. توقفت عند الباب للحظة. — هل ستنسحب؟ نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب: — ليس بعد. خرجت أسماء وهي في حالة من الارتباك. أما عادل، فبقي واقفًا أمام النافذة، يتابعها بعينيه. كان يدرك أنها تحب رجلًا آخر. ومع ذلك... لم يكن ينوي التراجع. في تلك اللحظة، وصلته رسالة على هاتفه. قرأها، فتبدلت ملامحه تمامًا. "إذا تزوجت أسماء، فكل شيء سيتغير. أنت تعرف السبب." أغلق الهاتف ببطء. ولأول مرة، ظهر الغضب في عينيه بوضوح. لم تكن أسماء تدرك أن زواجها من عادل القادري لن يكون مجرد ارتباط عادي. ولم تكن تعلم أن دخوله إلى حياتها سيكشف أسرارًا قديمة، ويوقظ صراعات خفية، ويضعها في قلب لعبة أكبر مما تتخيل. أما هشام... فكان في طريقه إلى منزلها، يحمل خاتمًا صغيرًا في جيبه، معتقدًا أن أجمل لحظات حياته باتت قريبة. دون أن يعلم أن اسمًا آخر قد بدأ بالفعل في الوقوف بينه وبين أسماء. عادل القادري.كان عادل يتحدث في الهاتف بصوت خافت، وكلما اقتربت منه أسماء كان يبتعد قليلًا، وكأنه يخشى أن تسمع شيئًا لا ينبغي لها سماعه. حاولت أن تتجاهل الأمر، لكن ذلك الابتعاد الصغير ظل عالقًا في ذهنها، يوقظ أسئلة لم تجد لها جوابًا.في البداية أقنعت أسماء نفسها بأن الأمر لا يعنيها. ربما كانت مكالمة من العمل، أو من أحد شركائه، أو مجرد حديث عابر. لكنها، كلما تذكرت نبرته المتحفظة، شعرت بانقباض خفيف في صدرها، كأن حدسها يرفض أن يطمئنها.وفي اليوم التالي، عندما التقت به في الشركة، لاحظت أنه كان شارد الذهن على غير عادته. كان حاضرًا بجسده، لكن ذهنه بدا بعيدًا عنها، منشغلًا بأمر لا تعرفه.راقبته أسماء من بعيد، ثم سألت أحد رجال عادل دون أن تظهر له شكوكها:— إلى أين سيذهب السيد عادل اليوم؟تردد الرجل للحظة، ثم أجاب:— حسب علمي، سيتوجه إلى المطار.— المطار؟ ولماذا؟— سيستقبل السيدة مروى الخالدي.توقفت أسماء عن الحركة، وشعرت بأن الاسم سقط في داخلها بثقل مفاجئ.مروى الخالدي!لم يكن الاسم غريبًا عليها. كانت قد سمعت عنه أكثر من مرة، بل كانت تعرف أن مروى صديقة قديمة لعائلة عادل، وأنها رافقته منذ أيام الإعدادي والثا
دخلت أسماء إلى مقرّ شركة القادري بخطوات هادئة وواثقة، تحمل ابنتها الصغيرة على كتفها. كانت الطفلة لم تتجاوز عامها الثاني بعد، وقد أسندت رأسها إلى كتف أمها في براءة، بينما كانت أسماء تمسك بها بحنان واضح.وما إن ظهرت عند مدخل الشركة حتى خيّم صمت قصير على المكان.توقفت بعض الموظفات عن العمل، وارتفعت أعينهن نحوها دون أن يشعرن. لم تكن أسماء مجرد امرأة دخلت إلى الشركة، بل كانت تحمل معها هيبة سيدة اعتادت أن تكون محط الأنظار أينما حلت.كانت في الخامسة والأربعين من عمرها، ومع ذلك احتفظت بجمال أخاذ وأناقة راقية جعلتها تبدو أصغر من سنها. كانت ترتدي لباسًا أنيقًا يليق بمكانتها، وشعرها مرتب بعناية، وملامحها تجمع بين الرقة والقوة.همست إحدى الموظفات لزميلتها:— هذه هي السيدة أسماء؟أجابتها الأخرى وهي تتابعها بعينيها:— نعم... زوجة السيد عادل القادري.ثم أضافت بصوت خافت:— ما زالت جميلة كما كانت... بل أصبحت أكثر هيبة.لم تكن قصة أسماء وعادل القادري عادية.فقد تزوجت أسماء وهي في الثامنة عشرة من عمرها، بينما كان عادل في الأربعين، أرملًا بلا أطفال. كانت فتاة صغيرة دخلت إلى حياة رجل عاش سنوات من الوحدة،
عاد السكون الجميل إلى قصر القادري، وكأن جدرانه العتيقة تنفست أخيرًا بعد سنوات طويلة من المحن والمصائب. اجتمع شمل العائلة من جديد، وعادت الابتسامات تملأ الوجوه، بعدما اجتمعت أسماء بابنتها وبفلذة كبدها، وعادت الحفيدة الصغيرة سمر لتكون مصدر فرح وسعادة للجميع.كانت أسماء تشعر بسعادة لا توصف وهي تنظر إلى حفيدتها الصغيرة بين أحضان أفراد العائلة. ظلت تتأمل وجهها البريء وتبتسم، وكأنها تريد أن تحفظ تلك اللحظة في قلبها إلى الأبد.وفي صباح اليوم التالي، قررت أسماء أن تقيم وليمة كبيرة على شرف حفيدتها الصغيرة سمر، وتجمع فيها جميع أفراد عائلة القادري، لتكون مناسبة للاحتفال بعودة المحبة والدفء إلى القصر.منذ الصباح، بدأت الحركة تدب في أرجاء القصر الكبير. امتلأت المطابخ برائحة الأطباق الشهية؛ فعبق الزعفران واللحم المتبّل والقرفة والنعناع الطازج امتزج في الهواء، وتسلّل إلى الممرات والغرف، حتى بدا القصر كله وكأنه يستعد لاستقبال فرحة طال انتظارها. أُعدت المائدة بأجمل ما يمكن، وفرشت الأغطية المطرزة، ولمعت الصحون والأكواب تحت ضوء الصباح. تنوعت الأطباق بين اللحوم والخضار والحلويات المغربية التقليدية، بينما
كان رعد يظن أن الشركة أصبحت في متناول يده، وأن الساعات القليلة القادمة ستمنحه السيطرة الكاملة على إمبراطورية عادل.جلس أمام عادل بثقة مصطنعة، وأخرج مجموعة من العقود والمستندات التي سلّمه إياها أخوه برق، ثم وضعها فوق الطاولة ببطء، وكأنه يضع أمامه حكمًا نهائيًا لا يمكن الطعن فيه.قال بلهجة حاسمة:— هذه الوثائق تثبت أن برق اشترى نصف الشركة والأسهم، وبموجبها أصبحت لي حصة كاملة فيها بصفتي شريكه.ساد الصمت للحظات. كان الصمت ثقيلًا إلى درجة أن رعد سمع صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار. أما عادل، فظل ينظر إلى الأوراق دون أن يبدو عليه أي خوف، وكأن ما أمامه لم يكن سوى مجموعة أوراق لا قيمة لها.ابتسم ابتسامة غامضة وقال:— أنت واثق جدًا من هذه الأوراق يا رعد؟أجابه رعد، وقد ارتفعت نبرة صوته:— لأنها تحمل التوقيعات والأختام. لا يمكنك إنكارها.ضحك عادل بهدوء، لكن ضحكته لم تحمل أي مرح، بل بدت كأنها إنذار أخير.— وتحمل أيضًا تاريخًا لم تعد فيه الشركة ملكًا لي وحدي.تغير وجه رعد فجأة.تابع عادل وهو يراقب ارتباكه:— قبل أن تبدأ أنت وبرق مخططكما، كنت قد قسمت ممتلكاتي وثروتي بين أبنائي وزوجتي. الشركة و
لم يكن أحد داخل قصر القادري يتوقع أن تنتهي تلك الليلة بتلك السرعة. بعد أن تمكن برق الشمال من الفرار، اختفى في الظلام كما ظهر تمامًا؛ رجلًا غامضًا، خطيرًا، لا يترك خلفه سوى الفوضى والخوف. كان قد أخذ معه العقود والمستندات التي كانت بالنسبة إلى عادل وأسماء أخطر من الذهب نفسه، لأنها كانت مرتبطة بمصير الشركة ومستقبل العائلة. بحثت الشرطة عنه في كل مكان، وأغلقت الطرق المؤدية إلى المدينة، لكن برق الشمال كان قد أعد طريق هروبه منذ وقت طويل. أما داخل القصر، فلم يكن أحد يفكر في شيء سوى أسماء. كانت أسماء قد أصيبت إصابة خطيرة أثناء المواجهة، وساءت حالتها بسرعة. لم ينتظر عادل طويلًا، فنقلها إلى أحد أكبر المستشفيات، حيث أخبره الأطباء بأنها تحتاج إلى عملية جراحية دقيقة وعاجلة. وقفت العائلة أمام غرفة العمليات في صمت ثقيل. كان عادل يمشي ذهابًا وإيابًا، ويداه ترتجفان رغم محاولته إخفاء خوفه. قال أحد أبنائه: — أبي، اطمئن... أسماء قوية وستتجاوز الأمر. رفع عادل عينيه إليه وقال بصوت متهدج: — أعرف أنها قوية، لكنني رأيتها بين يديّ تنزف... هذه الصورة لن تفارقني. مرت الساعات بطيئة وقاسية. و
لم يعد عادل يحتمل رؤية حفيدته وهي تذبل أمام عينيه.منذ اختفائها، كانت حالتها النفسية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، بينما كانت والدتها غارقة في الانهيار، عاجزة عن التفكير أو حتى الوقوف طويلًا دون أن تنهار بالبكاء.جلس عادل في مكتبه ساعات طويلة يقلب الأوراق أمامه، حتى استقر نظره على مجموعة من العقود ومستندات الشركة.كانت تلك الأوراق تساوي ثروة.وكان يعلم جيدًا أن الرجل الذي اختطف حفيدته لا يريد المال وحده... بل يريد السيطرة.أغلق عادل الملف، ثم نهض.قال بصوت حاسم:— إذا كان يريد الشركة مقابل حفيدتي، فسأعطيه ما يريد.تقدمت أسماء نحوه فورًا.— ماذا ستفعل؟نظر إليها عادل للحظات، ثم أجاب:— سأعيد حفيدتي.هزت أسماء رأسها بسرعة.— لن تذهب وحدك.— أسماء، هذا الأمر خطير.— وأنا لن أسمح لك بالذهاب إلى رجل مثل برق الشمال بمفردك.حاول عادل الاعتراض، لكنه رأى الإصرار في عينيها، فعرف أنه لن يستطيع تغيير رأيها.بعد وقت قصير، كانت السيارة تشق طريقًا مهجورًا في أطراف المدينة.كان الليل قد أسدل ستاره، والضباب يغطي الطريق المؤدي إلى قصر قديم مهجور، تحيط به الأشجار من كل جانب.توقفت السيارة.ترجل عادل وأسماء