LOGINمرت دقائق طويلة والثقل يلف ممر الشقة المظلم. كانت إيلا ملقاة على الأرض الباردة، فاقدة الوعي تماماً، بينما جسدها المنهك يستسلم لسطوة الدوار والصدمة التي فتكت بقواها أخيراً. في تلك اللحظة بالذات، دار مفتاح الباب الخارجي بصوت خفيف، ودخل آدم حاملاً بيده بعض الأغراض البسيطة. كان وجهه مشدوداً بهاجس القلق، وعقله معلقاً بما ترك خلفه. أغلق الباب بهدوء وخطا بخطوات سريعة نحو الداخل، وهو ينادي بصوت خفيض: "إيلا... لقد عُدتُ." لم يأتِهِ رد. تجمّد في منتصف الممر، واجتاحه رعب عارم حين وقعت عيناه على جسدها الممدد على الأرض قرب غرفة الضيوف. ألقى ما بيده أرضاً، واندفع مسرعاً ليهوي على ركبتيه بجانبها. "إيلا! إيلا، ارجعي إليّ... ماذا حدث؟!" صاح بصوت مذعور ومرتجف، وهو يرفع رأسها برفق شديد. فتحت إيلا عينيها ببطء شديد، وبمجرد أن استعاد عقلها وعيه، تدفقت إلى ذهنها تفاصيل الصدمة: الورقة، ريما، وعناية آدم بها. شعرت بغصة قاتلة تطبق على حلقها، لكنها بقيت صامتة ومستسلمة تماماً. لم تبكِ ولم تصرخ، بل تركت العجز يغلف ملامحها. دون أن تنطق بحرف واحد، وبلا أي مقاومة تذكر، تركته يحملها بين ذراعيه. وفي تلك اللحظة، ك
مرت ساعات الصباح بثقل بطيء كأن عقارب الساعة كانت تتعمد التعذيب. خرج آدم من المنزل بعد ظهر ذلك اليوم بعد أن اضطرته بعض الظروف الملحة لمغادرة الشقة لفترة قصيرة، تاركاً إياهما وحدهما خلف الأبواب المغلقة. في غرفة المعيشة، كانت إيلا تتابع خطواته حتى سمعت صوت إغلاق الباب الخارجي بوضوح. تنفست الصعداء ببطء، وشعرت أن الهواء بات أوسع قليلاً، لكن فضولها المحرق وقهرها الدفين كانا يحفران في عقلها كالأشواك. ريما ما زالت نائمة أو منكمشة داخل غرفة الضيوف، والشقة ساكنة تماماً كقبور الأجداد. بدون أن تدرك كيف قادتها خطواها، وجدت نفسها تقف أمام غرفة الضيوف. كانت الباب مطبقاً بإحكام، لكنه لم يكن مقفلاً. ترددت لثوانٍ، تقاتل فيها رغبتها في احترام خصوصية المكان مع شعور طاغٍ بأنها تُخدع في بيتها بالذات. وأخيراً، دفعت الباب ببطء شديد وبأطراف أصابعها لئلا يصدر أي صرير. كانت الغرفة مظلمة نسبياً بعد أن حجب الستار ضوء الشمس، وكان الهواء محملاً برائحة غريبة لا تتوألف مع مقتنيات الشقة. رأت ريما نائمة بعمق على السرير، وجهها شاحب وآثار التعب واضحة على محياها، وبجانبها على الطاولة الصغيرة حقيبة يد صغيرة مفتوحة جزئيا
تسللت خيوط الفجر الأولى بخجل من بين شقوق الستائر، لتلقي بضوء باهت وشاحب على أرجاء غرفة النوم. لم تحمل شمس الصباح معها كعادتيها الدفء والحياة، بل بدا النور مكشوفاً وكأنه يفتش عن تفاصيل الانكسار التي خلفتها ليلة أمس الطويلة. على الأريكة القريبة، فتح آدم عينيه ببطء شديد. كان جسده متحجراً من طغيان البرد الجسدي والنفسي، وعضلاته متشنجة جراء النوم بطريقة غير مريحة طوال الليل. لم يتحرك من مكانه لبرهة؛ وجه بصره نحو الفراغ حيث كانت إيلا نائمة بعمق على الفراش الواسع، وقد استسلمت أخيراً لتعبها، مع آثار دموعها الجافة التي تركت خطوطاً شاحبة على وجنتيها. تنهد آدم تنهيدة طويلة ومحترقة، خرجت كأنها زفرة روح أنهكها الثقل، ونهض ببطء، محاولاً ألا يصدر أي صوت قد يزعج سكونها. سار بخطوات حذرة ومتثقلة خارج الغرفة، متوجهاً نحو المطبخ ليعدّ كوباً من القهوة، عساه يرمم شيئاً من شتات تركيزه قبل أن يبدأ يومه المحمل بالهواجس. أما في الداخل، ومع صوت حركة خفيفة صدرت عنه في الخارج، بدأت إيلا تستعيد وعيها تدريجياً. فتحت عينيها المحمرتين والثقيلتين، وشعرت بفراغ هائل بجانبها. استدارت برأسها ببطء نحو الأريكة القريبة، لت
مرت ثوانٍ بدت كأنها دهور داخل غرفة النوم المظلمة. لم يقطع سكون المكان الثقيل سوى صوت أنفاسهما المتقطعة؛ هي تقف مترنحة بعد أن أفرغت كل قهرها، وهو جالس أمامها على ركبتيه، لم تزحزحه قسوة كلامها ولا صاعقة نظراتها. لكن قلب إيلا الطيب، الذي طالما غلب قسوتها، لم يتحمل رؤية ذلك المشهد. فما إن استقرت عيناها على وجهه، ورأت تلك الدموع المحبوسة في عينيه والتي عجزت عن السقوط، حتى انهار كل جدار الغضب والدفاع داخلها فجأة. تبخرت قسوة الكلمات التي تفوهت بها، وتحولت نبرة التحدي إلى عاصفة من التخبط العارم في صدرها. تسمّرت في مكانها، وعيناها معلقتان به، بينما اجتاحها شعور قاتل بالعجز. لم تعرف ماذا تفعل؛ كانت تمزقها الرغبة في ضمه والاعتذار له، وبين القهر الذي يمنعها من التصالح مع واقعها الجديد. خانتها قواها، وتكاثفت الدموع بغزارة خلف جفنيها لتنبجس فجأة من عينيها المنكسرتين دون إرادة منها، وبدأت شهقاتها المكتومة تتصاعد في أرجاء الغرفة الصامتة. ظل آدم جالساً على ركبتيه مكانه، عيناه المحمرتان تابعتان لدموعها الصامتة التي لم تنقطع. لم ينطق بحرف واحد يعاتبها فيه، فرغم قسوة طعناتها، كان يعلم أن ما تحمله في ق
مرت ساعة كاملة ثقيلة كالعلقم، وكأن عقارب الساعة قد رفضت التحرك. وسط ذلك السكون الجنائزي الذي خيم على الشقة، انفتح باب الحمام ببطء شديد. خرجت إيلا بخطوات بطيئة، ملامح وجهها كانت جامدة تماماً، خالية من أي تعبير، وكأنها نزعت عن وجهها كل ملامح الحياة والبهجة التي كانت تملأه قبل ساعات. عيناها كانتا حمراوين ومحملقتين في الفراغ، وشعرها منسدلاً بعشوائية فوق كتفيها المكسورتين. وقف آدم في منتصف غرفة المعيشة، ناظراً إليها بترقب وقلق بالغ، محاولاً التقاط أي إشارة أو نظرة عتاب منها. لكن إيلا مرت من أمامه وكأنه غير موجود تماماً؛ لم تمنحه نظرة واحدة، ولم يصدر عنها أي صوت يكسر جدار الصمت المرعب. توجهت مباشرة نحو المطبخ، وبخطوات آلية ومدروسة بدقة، بدأت تحضر الطعام. كانت تتحرك بسكينة مخيفة؛ أخرجت الصحون والأواني الخاصة، ورتبتها بعناية فائقة، وكأنها تؤدي طقساً معتاداً لشخص غريب تماماً يحل ضيفاً مؤقتاً في منزلها. لم ترتعش يداها، ولم تظهر أي علامة غضب علني، بل كان الجمود يغلف كل حركة من حركاتها. انتهت من تحضير الصحن والأدوات، وحملت الصينية بخطوات ثابتة ووضعتها على الطاولة الصغيرة أمام ريما التي كانت جا
تجمّدت إيلا في مكانها، ناظرة إلى تلك الفتاة التي تقف في عتبة بيتها وكأنها رؤيا مرعبة تأبى أن تزول. شعرت بأن الهواء قد سُحب من رئتيها، وبأن كل دفء الليلة الماضية وتفاصيل السعادة التي عانقتاها طوال اليوم قد ابتلعها بئر السكون العميق والموحش. أما آدم، فلم يتحمل ثقل تلك النظرات المشتعلة بالذهول والخذلان. تقدم خطوة بطيئة للأمام، محاولاً كسر حاجز الجليد الذي تجسد بينهما، ومد يده برعشة خفيفة ليستقر كفه على ظهر ريما بخفة وهدوء تام، موجهاً حديثه بصوت منخفض ومحسوب بدقة لئلا يجرح إيلا أكثر: "ريما... تفضلي بالدخول." بحركة هادئة وحانية، دفع ريما بلطف لتدخل إلى الداخل وتبتعد عن العتبة، ثم أقفل الباب وراءهما بهدوء، والتفت بسرعة ليرى وجه إيلا شاحباً ومطبقاً عليه صمت ثقيل. اقترب منها آدم بخطوات سريعة لكنها محسوبة، ومد يده ليلمس كتفها، متحدثاً بنبرة خفيضة ومترجية تحمل كل معاني التوسل والصدق: "إيلا... أرجوكِ، انظري إليّ ولا تشككي بي. أعلم أن المنظر مفاجئ وصادم بالنسبة لكِ، لكن وجودها هنا ضروري جداً... بل هو أمر حتمي ولا أستطيع تركها وحدها. أرجوكِ تفهمي أنني لا أملك خياراً آخر." لكن إيلا لم تردّ. ب







