FAZER LOGINكاترين مورن
ودّعت الجميع، وعيني لا تتوقف عن الانهمار. كنت أبكي بحرقة، لا أشعر إلا بانقباض مؤلم في صدري، وكأنني أُنتزَع من مكانٍ لم أعرف سواه طوال حياتي. احتضنت الأم ماري بقوة، وانهرت على كتفها. لم أكن قادرة على الكلام... فقط دموعي كانت تتكلم عني. كانت حقًا كأمٍّ لي... بل أكثر.
حين جلست في المقعد الخلفي للسيارة، شعرت أن كل شيء بدأ ينفلت مني. ارتجفت شفتاي، وبدأت أنتحب مجددًا. لم أتوقف عن البكاء طوال الطريق إلى المطار. كنت خائفة جدًا. هذه المرة الأولى التي أخرج فيها وحدي... المرة الأولى التي أواجه فيها العالم وحدي. أنا الآن بالغة، هكذا يقولون... لكني لا أشعر بالقوة ولا بالاستعداد.
جلست في الطائرة، أحاول ألا أبدو غريبة، لكنّي كنت أرتجف فعلًا. عند الإقلاع، شهقت بصوت مسموع، وكتمت صرخة داخلية، وضغطت على مقعدي بكل ما أوتيت من قوة. بدأت أتمتم بصوت خافت، متقطّع، أرتّل صلوات من الذاكرة، أرجو الرب أن يبقيني حيّة. كان ذلك يمنحني شيئًا بسيطًا من الهدوء.
ثم عند الهبوط... لم أتمالك نفسي. أطلقت صرخة قصيرة، ووضعت يدي على فمي، أشعر بالإحراج والخجل. لكن لا أحد كان يهتم. الكل مشغول بحاله، وأنا... كنت وحدي كليًا.
بعد أن أنهيت معاملاتي، سحبت حقيبتي الصغيرة بتوتر، وخرجت من البوابة، أبحث بعينيّ عن وجه مألوف... أحد ما ينتظرني باسم الأم جوزفينا. قلبي كان يخفق بسرعة. التفتّ مرارًا، انتظرت... ومضت الدقائق، بل ربما الساعة. لكن لا أحد جاء.
ابتلعت ريقي. نظرت حولي. لا جدوى من الانتظار. قررت أن أتصرف بنفسي. مشيت بثقل نحو صف سيارات الأجرة، وحين وصلت، سمعته يناديني بالإيطالية... لم أفهم سوى نبرة صوته الرجولية، فقلت بتردد وخجل:
"أنا آسفة... إيطاليتي ليست جيدة..."
تغيرت نبرته فورًا، وأجابني بالإنجليزية. شعرت براحة مؤقتة، كأن أحدهم ألقى لي طوق نجاة. قدّم نفسه:
"اسمي جيوفاني... سائق خاص، هل تحتاجين إلى توصيلة؟"
أخرجت الورقة التي كتبتُ فيها عنوان الدير، وناولته إياها.
قال وهو يبتسم بثقة: "آه نعم، أعرف المكان... سأوصلكِ."
شكرته بسرعة، وصعدت إلى السيارة. جلست قرب النافذة، أحدّق بالمدينة التي كانت كلها غريبة عليّ. كانت المناظر جميلة، لكنّي لم أشعر بالطمأنينة. كان جيوفاني يتحدث باستمرار، مرة بالإيطالية، وأخرى بالإنجليزية، وأنا أكتفي بابتسامات خافتة، لا أعلم إن كانت توحي بالارتياح أو التوجس.
شيئًا فشيئًا، بدأت السيارة تدخل أزقة جانبية... أضيق، وأكثر ظلمة. شعرت بقلبي ينكمش فجأة. لم أعد أرى شيئًا مألوفًا، كل شيء حولي بات غير مريح.
سألته بصوت مرتجف: "هل أنت متأكد أنك تعرف العنوان؟"
التفت إليّ وقال بنبرة هادئة، لكنها مصطنعة: "أكيد، سنيورا... أنا أعرف بالضبط إلى أين تريدين الذهاب... لا تقلقي."
ابتسمت له ابتسامة خافتة، فقط لأخفي خوفي، لكن بداخلي... كان قلبي يقرع كطبول إنذار.
أوقف السيارة أمام منزل قديم، مهمّش، شبه مهجور. نزل، ثم فتح الباب لي، وقال: "وصلنا، سنيورا."
نزلت، وخطوت ببطء، أتفحص المكان. وجهي عبس، وقلبي تراجع خطوة للخلف. تمتمت:
"لا أظن أن هذا هو المكان... إنه لا يشبه الدير... الأم ماري أرَتني صورة للدير، وهذا المكان لا يتطابق مع الوصف."
بدأ يقترب مني، ببطء مريب. عينيه تغيّرتا... لم تعودا مطمئنتين.
قال بنبرة خفيضة، فيها تهديد واضح: "هيا... ادخلي ودعينا نتحدث بالأمر، وكوني مطيعة."
تراجعت خطوة، رأسي يهتز رافضًا. همست: "لا... لا، هذا خطأ."
ثم استدرت فجأة، وركضت بكل ما أوتيت من قوة. الهواء كان ثقيلاً، قدماي بالكاد تلمسان الأرض. خلفي... كان يلاحقني، وصوته يعلو: "توقفي! توقفي أيتها العاهرة!"
لم أعد أرى شيئًا بوضوح. كل ما في رأسي هو الهروب. ركضت في زقاق ضيّق، صرخت، نظرت خلفي... كان يقترب أكثر. ثم أمسك بذراعي فجأة، قبضته كانت مؤلمة، كأنها تكسر العظم.
صرخ بجنون: "توقفي عن الهرب! تعالي معي الآن!"
دفعته، صرخت. ارتخت قبضته لثانية. انتزعت ذراعي، لكنه أمسك بطرحتني بقوة، وانتزعها من رأسي. سقط شعري الطويل، المموّج، على كتفيّ.
ركضت من جديد... وكنت على وشك السقوط، لولا أنني ارتطمت بصدرٍ قوي. يدان أمسكتا بي بلطف، ثم احتضنتاني بثبات. تسمرت مكاني... وبدأت أبكي. لم أعد قادرة على التنفس بشكل منتظم. جسدي كله يرتجف.
رفعت رأسي، ونظرت إليه... كان طويلاً، ضخمًا، عريض المنكبين. شعره مسرّح، ناعم، وبدا وسيمًا جدًا... أجمل من أي رجل رأيته في حياتي. لكني لم أرَ الكثيرين أصلًا...
رفع وجهي بلطف، بكفه العريض، وقال بصوت خافت، فيه اهتمام حقيقي: "هل أنتِ بخير؟ لماذا تركضين هكذا؟ هل يلاحقك أحدهم؟"
كان يتكلم بالإيطالية، لكنني فهمت القليل. لم أستطع الحديث، فقط همست، بصوت مرتجف يكاد لا يُسمع: "أرجوك، ساعدني..."
تطلع إليّ باستغراب: "هل أنتِ أجنبية؟"
هززت رأسي موافقة، ولم أستطع أن أنطق بحرف بعد ذلك.
ثم جاء الصوت من خلفنا. ذاك الصوت المريع: "هاي، أنت! لا تتدخل فيما لا يعنيك، وأعطني الفتاة!"
تجاهله الرجل الذي أنقذني، ونظر إليّ مجددًا. عيناه كانتا تسألانني.
"هل تعرفين الرجل؟"
هززت رأسي بسرعة، عينيّ تتوسلان: "لا... لا أعرفه... إنه يخيفني ويلاحقني، ولا أعلم ما يريده مني..."
ثم صرخ بي المعتوه: "هيا أيتها العاهرة، تعالي ولن أعاقبك!"
بلا وعي، ارتميت في حضن الرجل الذي لا أعرفه. احتضنته بشدة. كنت أرتعش كطائر مبتل. رأسي يدور، أطرافي باردة، وكل شيء فيّ يصرخ رعبًا.
هو بدوره، ضمني بقوة، وبدأ يمرر يده على ظهري ليطمئنني. صدقًا، بدأت أهدأ قليلًا. بدأت أشعر أنني لست وحدي.
الرجل الآخر اقترب، يصرخ ويشتم.
الرجل الذي أنقذني دفعني خلف ظهره. تشبثت بستره، اختبأت خلفه كطفلة... ثم رأيت ذلك... لكمه بقوة جعلت الآخر يطير أرضًا. صرخت في داخلي. لم أصدّق.
لكنه نهض مجددًا، وهجم عليه. تقاتلا بعنف. لكن الغلبة كانت لمن معي. ضربه حتى أفقده وعيه تقريبًا.
ثم استدار فجأة وقال لي: "هل أنتِ بخير؟"
فتحت فمي لأجيبه، لكنني صرخت فجأة: "انتبه! خلفك!"
رأيت الرجل يركض نحوه، ممسكًا بسكين. وقبل أن يتمكن من تفاديه، غرز السكين في ذراعه. صرخت مرة أخرى، شعرت بالدم يتسرب إلى الأرض.
لكن الرجل انتزع السكين، وضربه حتى سقط فاقد الوعي تمامًا. ثم أمسك بيدي، وجرّني خلفه. كنت أبكي، أرجوه بصوت عالٍ: "علينا الذهاب إلى المستشفى! جرحك ينزف!"
لكنه رفض. أخذني إلى سيارته، وغطاني بستره. تمزق ثوبي، وكنت أرتجف من البرد والخجل.
خلع قميصه ليربط جرحه... رأيت جسده، عضلاته، الوشوم والندوب. احمرّ وجهي. لم أستطع منع نظراتي، لكنه ابتسم بخبث، فحرّكت نظري بعيدًا.
ربط جرحه وقال ببساطة: "لا بأس بهذا..."
قلت بقلق: "ما الذي تقصده بـ'لا بأس به'؟ علينا الذهاب إلى أقرب مستشفى!"
"لا تقلقي، لن يحدث لي شيء... هذا مجرد خدش بسيط... المهم الآن أن آخذك إلى برّ الأمان..."
تنهدت، ثم قلت: "لكن... كل حاجياتي، وعنوان الدير، ورقم الأم جوزفينا، كانت بالحقيبة مع ذلك الرجل... لكنني أحفظ رقم الأم ماري... هل أستطيع استعارة هاتفك؟"
ناولني هاتفه بصمت. اتصلت... لم يجب أحد. شعرت بقلق يتسلل إليّ، وأعدت الهاتف: "شكرًا لك... ولكن لا أحد يجيب..."
قال بهدوء: "لا تقلقي... سوف نعثر على الدير... إلى حين ذلك، سوف أستضيفك في منزلي، هذا إن قبلتِ العرض..."
ترددت، ثم قلت: "هذا لا يجوز... لا أستطيع قبول ذلك..."
اقترب بلطف، وقال: "لا تخافي، ليست نيّتي سيئة... أعيش مع أختي ووالدتي، وهما جدّ محافظتان... إن أردتِ، يمكنك التحدث إليهما حتى تطمئني..."
ابتسمت له، وقلت: "أنت رجل شهم، وأنقذتني للتو، وأنا أثق بك حقًا... سيد...؟"
قال بابتسامة: "ماكسيميليان... أو ماكسيم... وأنتِ؟"
مددت يدي: "كاترينا... ولكن يمكنك مناداتي الأخت كاتي."
صافحني بلطف: "هل تقبلين عرضي إذن؟"
همست وأنا أتنفس ببطء: "أجل..."
ابتسم أكثر "إذن اتفقنا؟"
أومأت برأسي، وأنا لا أعلم... هل هذا هو الأمان؟ أم بداية الخطر الحقيقي؟
ماكسيميليان فيدريكورأسي... اللعنة على هذا الألم. كأن أحدهم يطرق جمجمتي بمطرقة صدئة. بقيت أضغط بأصابعي على صدغَيّ، أبحث عن أي نقطة تخفف من هذا الصداع المقيت... من أين أبدأ؟ أين يمكن أن تكون قد اختفت؟ ومع من؟ من تجرأ وساعدها؟ من تجرأ؟مددت يدي المرتجفة إلى علبة الدواء على الطاولة... سحبت حبّة وسحقتها تحت لساني بسرعة، محاولًا كتم ثورتي. لا شيء حتى الآن. لا اتصال، لا رسالة، لا خيط... وهذا الجنون ينهشني.كل هذا... كل هذا بسبب خطتي الغبية. ما كان يجب أن أدعها تغيب عن ناظري. كان يجب أن أبقيها قريبة، تحت أنفاسي، تحت سلطتي.رنّ الهاتف فجأة. قفز قلبي، وانطلقت يدي بسرعة مجنونة نحو الشاشة... لم أنظر حتى للرقم."هل عثرتم عليها؟"صوتي خرج ملهوفًا، متسرعًا، وكأن أنفاسي نفسها تلاحق الجواب...لكني لم أسمع ما توقعت..."عثرتم عليها؟؟؟ من هي، يا ماكسيمس؟؟؟"تجمّد وجهي. شهيقي توقف. الصوت... والاسم... لا أحد يناديني هكذا سوى هو. هو فقط... عرّابي. خوليو.سحبت نفسًا بطيئًا. جفلت ملامحي، ورسمت البرود على نبرة صوتي."لا أحد، عرّابي..."سمعته يهمهم، لكنني لم ألتقط كلماته... ثم قالها بوضوح جعل الدم يغلي في عروق
ماكسيميليان فيدريكوكانت الغرفة مظلمة، لكن وجهي مضاء بنور المصباح الوحيد فوق المكتب. جلست هناك، أنتظر، وكل شيء فيّ هادئ... ظاهريًا فقط. في الداخل، كنت أشبه بوحش مقيد... ينتظر لحظة الإفلات.دخلت الممرضة. ملامحها متوترة، وخطواتها سريعة لكن حذرة. عيناي لم تترك وجهها حتى قالت:"لقد تمت المهمة بنجاح، سيدي."ابتسمت... بسخرية، لا رضا."هل صدقتِ ما قلتهُ لها؟"هزّت رأسها إيجابًا، ثم أجابت:"أجل سيدي، وشكرتني على مساعدتها."كررت الكلمة، وأنا أرفع حاجبيّ قليلاً وأضغط شفتيّ:"جيد... جيد..."جيد؟ لا شيء جيد. هذه ليست النهاية، بل البداية. اقتربت خطوة وقالت:"هل سوف تطلق سراح أطفالي الصغار الآن بعدما نفذتِ ما طلبته مني؟"نظرت إليها للحظات، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، ساخرة، بلا حرارة."بالطبع... فأنا لا أحب الاحتفاظ بشيء ليس لي... اذهبي الآن، وسوف تجدين أولادكِ في البيت."ابتسمت. ابتسامة أمٍّ ظنت أنها كسبت رحمة الشيطان. همّت بالمغادرة، لكنني أوقفتها."لا تنسي... احفظي لسانكِ حتى تحفظي حياتكِ وحياتهم... أتمنى أن يكون كلامي مفهومًا."ردت وهي تخفض رأسها:"بالطبع سيدي... لن أقول شيئًا أبدًا ولو على جثتي."أشر
كاترينا مورن استيقظت وحدي، وجسدي يئن تحت وطأة التعب. كانت حرارة اللحاف تلامس جلدي وكأنها محاولة يائسة لاحتضاني، لكن لا شيء فيّ كان راغبًا في الدفء. رميت اللحاف جانبًا بخشونة وأنا أزفر بقهر. تفاصيل ما حدث بالأمس عادت كصفعة، تخترق رأسي وتنهش كبدي. كان الألم ما زال يضرب جسدي من آثار الطلقة، لكنه لم يكن أقسى من الشعور بالعجز الذي التصق بي.عليّ أن أرحل... إن بقيت، سأفقد كل شيء. كرامتي، حياتي، وحتى صورتي في عينيّ.اتكأت على الحائط، أطرافي تتهادى كما لو أن الدم تخلّى عنها. بخطى متعثرة، توجهت إلى الحمام. لم أكن أفكر، فقط أتحرك كمن يسير فوق جمر. لم أملك سوى ملابسي القديمة... ارتديتها مجددًا، بلا تفكير، بلا مشاعر.ما إن خرجت، حتى انفتح الباب فجأة. تجمدت في مكاني، وقلبي قفز إلى حلقي، لكنّها كانت الممرضة. عيناها اتسعتا، وركضت إليّ."آنستي... ما كان عليكِ النهوض... كان بإمكانكِ مناداتي فقط."كنت أرتجف، أنفاسي تتسارع. تشبثت بها وجلست، وكل ما في داخلي كان يستنجد."أرجوكِ... ساعديني على الرحيل من هنا... أرجوكِ... أتوَسّل إليكِ."توسلت، وكأن كلماتي نحيب مكتوم، يخرج من أعمق نقطة في صدري.لكنها ردّت
ماكسيملياننطقت بكلمة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإشعال غضبي. نبرتي خرجت حادة، باردة، ومشبعة بتحذير غليظ لم أستطع السيطرة عليه، وكأنها تنفث من مكان مظلم بداخلي:"لستُ بأخٍ لأحد، وخصوصًا لكِ أنتِ... لا تناديني هكذا أبدًا ولو بالخطأ."رأيت الخوف يتسلل إلى عينيها، تراجعت خطوة، وجهها شحب، ويداها ارتجفتا وكأنها لم تعد تعرف إن كان من المفترض أن تتكلم أو تلوذ بالصمت.قالت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها المرتعشتين، صوت ناعم ممتزج برجفة حقيقية:"أرجوك... توقّف عن التصرّف هكذا، أخ ماكسيم..."شهقتُ غضبًا... رفعت يدي تلقائيًا في وجهها، لا لضربها، بل للزجر، لكنها فهمت الرسالة فورًا... وصرخت بها، بصوت اهتزّ من الغضب الخالص:"قلتُ لكِ توقّفي عن مناداتي هكذا!"رأيتها تقفز مذعورة، رغم ألمها، وكأن جسدها نفسه فرّ منّي... صوت الزجاج تحت قدميها مزّق سكون الغرفة، وصيحتها حين دخلت القطعة الحادة في قدمها اخترقت صدري."انتبهي!" صرختُ، لكن فات الأوان...صرخت من الألم، قبل أن أتحرّك غريزيًا وأحملها بين ذراعيّ. كنت أسمع دقات قلبي تتصاعد في أذنيّ... وضعتها على الكنبة، في حجري، ويدي تلقائيًا أمسكت ساقها أتفحص الجر
ماكسيمليان فيدريكو أخرجت الشريحة من قلب الصليب الذي كانت تخفيه تلك الراهبة... كاترينا. أخفيت ابتسامة صغيرة، وأنا أتأملها بين أصابعي. قطعة صغيرة، لكنها كانت تحمل حممًا تكفي لحرق إمبراطورية بأكملها. شريحة تحتوي على أسرار تجارة السلاح والمخدرات، مخطط كامل، وكل التفاصيل التي حاول روبرتو التفريط بها. كاد أن يبيعني... لأعدائي.لم أضيع وقتًا. توجّهت إلى حيث يُحتجز روبرتو. أردت أن أرى وجهه عندما أخبره أن لعبته قد انتهت.وقفت أمامه، عاينت وجهه المضروب المتورم. عين متورمة، شفة مشقوقة، ودم يسيل من زاوية فمه. بالكاد كان يرفع رأسه. ضعيف. محطم. يعجبني هذا المشهد.مالت زاوية فمي بسخرية، وتعمدت جعل صوتي لينًا... ساخرًا... وكأنني أواسي طفلًا جُرحت ركبته:"تؤ... تؤ... تؤ... أحزنني منظرك، روبي... ما كل هذه الكدمات على وجهك؟ هل تعرّض لك أحد؟"رأيته يزفر بألم، يبذل جهدًا فقط ليرفع رأسه قليلاً. كان يتشبث ببقايا كبريائه، لكنني كنت أعلم أنه ينهار.بصوت مبحوح، خرجت كلماته:"توقف عن التحدث إليّ بهذه النبرة الساخرة... هل عثرت على ما تريده؟"ضحكت، رأسه لا يزال مرفوعًا... لكن عينيه لا تطاقيان النظر في عيني. أجب
ماكسيمليان فيدريكودخل الطبيب فجأة إلى الغرفة. اقترب منها بخطوات واثقة وكأنه اعتاد التدخل دون دعوة، لكنني أوقفته... أمسكت بيده بقوة، نظرت في عينيه بجمود.قال بنبرة محايدة:"نحن فقط نريد أن نلقي نظرة عليها يا سيدي..."كان شابًا، أطول مما ينبغي، ووسيمًا بشكل يثير الشك أكثر من الإعجاب. حدّقت فيه لثانية، ثم رفعت حاجبي وأنا أقول بخشونة، وصوتي مشبع بتحذير خفي:"إنها بخير كما ترى، ومستعدة للخروج من هنا."بدت على وجهه علامات الدهشة، وربما التحدي، حين ردّ:"كيف تخرج من المستشفى هكذا وبسرعة؟ لقد أُجريت لها عملية مستعصية قبل قليل... هذه الآنسة تعرضت لإطلاق النار، لا يمكنني أن أسمح لك بتعريضها للخطر!"تقدمت نحوه ببطء، كل خطوة كانت مشدودة بأعصابي المتوترة، وقلبي يخفق وكأنه يستعد للهجوم. وقفت أمامه مباشرة، نبرة صوتي كانت مشحونة بكبحٍ للغضب:"لستُ أنتظر إذنك للقيام بما أشاء. إنها مسؤولة مني، وقراري اتخذته وانتهى الأمر. لن تقترب منها، ولن تجلس بهذا المكان طويلًا. إن كان ولابد من فحصها، فدَعْ طبيبة نسائية تقوم بالمهمة."عقد حاجبيه وقال ببرود مصطنع:"ولمَ؟ ألا ترى أنني طبيب كذلك، أم ماذا؟"نظرت نحوها ف






