เข้าสู่ระบบماكسيمليان فيدريكو
كان المنزل يلوح أمامنا من بعيد... كبيرًا جدًا، شامخًا، تحيط به الأسوار العالية، وحراسه المنتشرون كالنمل في مدخل البوابة الرئيسية. ما إن توقفت السيارة حتى ترجلتُ بخطواتٍ ثابتة، لا أبالي بجرحي الذي بدأ ينزف من جديد. نظرات رجال الحرس انخفضت انحناءً كاملًا احترامًا لي. تبًا... كم أحب هذا الشعور.
توجهتُ نحو الباب الخلفي للسيارة وفتحته بنفسي. ظهرت كاترينا بهدوئها المعتاد، ووجهها الشاحب المرهق.
ابتسمتُ، بنبرة دافئة ومدروسة: "أهلًا وسهلًا بكِ في منزلي آنسة كاترينا."
نظرت إلي بخجل وهي تنزل ببطء من السيارة، ثم قالت بنعومة: "أرجوك نادِني بالأخت كاتي."
همسة ضحكة خفيفة تفلّتت من شفتي، وشيء ما في داخلي تحرّك... تلك الطهارة في صوتها كانت تنغرز كشوكة تحت جلدي. لكنني تداركت نفسي، مسحت تلك الابتسامة الساخرة التي خطفتني للحظة... لا داعي لإثارة شكوكها الآن.
قالت وهي تتفحص جرحي بعين قلقة: "علينا تطهير جرحك وتضميده قبل أن تخسر الكثير من الدماء."
ضحكت باستهزاء خفيف، رفعت حاجبيّ قليلًا وقلت بلامبالاة: "إنه جرح سطحي وليس بهذا السوء، لا تقلقي."
رغم توتر ملامحها، لم تناقشني. سبقتها بخطوات، ورفعت يدي لحارسي الذي ناولني قميصًا نظيفًا بدلًا من الذي تمزق... وضعتُه على كتفي وأنا أدخل.
كانت أميليا وباتريسيا بانتظارنا في الصالة. كلتاهما تعلمان أدوارهما جيدًا. لم أحتج أن أشرح لهما شيئًا.
تقدمتُ ببطء وأنا أقول بنبرة هادئة وبابتسامة مصطنعة: "كاترينا.. أعني الأخت كاتي، دعيني أعرّفك إلى والدتي السيدة أميليا، وهذه شقيقتي الصغرى باتريسيا."
راقبتُ وجهها وهي تصافحهما بخجل. كانت ترتبك قليلًا، تبتسم بلطف، وتمد يدها بأدب: "سررت بالتعرف إليكما.. أنا الأخت كاترينا."
سمعت باتريسيا تسألها بفضول ظاهر: "الأخت؟؟"
ردّت الفتاة بثقة خفيفة: "أجل.. فأنا راهبة، أو بالأحرى على وشك أن أترهّب على يد الأم جوزفينا التي تدير ديرًا هنا في روما.. غير أنني للأسف أضعت عنوان الدير."
وضعت يدي على ذراعها برفق، وقلت بابتسامة نصفها تمثيل ونصفها نية أخرى: "لمَ لا تحكين ما حصل لكِ ونحن على طاولة الطعام.. لا بد أنكِ جائعة ومرهقة..."
شعرتُ بجسدها يتوتر للحظة، وسحبت ذراعها مني... عينها كانت تقول شيئًا آخر. أومأت برأسها فقط دون أن ترد بكلمة. ابتسمتُ في داخلي... تلك اللمسة أربكتها.
جلستُ أراقبها وهي تحكي كل شيء بتفصيل ساذج. لم تكن تلاحظ كيف تنعكس كلماتها على وجوه من حولها. باتريسيا تتهامس مع أميليا... وأنا أراقب كل شيء... أرى، ولا أظهر شيئًا.
قالت أميليا بصوت مصطنع، فيه نبرة قلق ملفقة بإتقان: "يا إلهي.. لا أصدق أنه يوجد أشخاص أشرار إلى هذا الحد.. لا بد أنكِ صُعقتِ وارتعبتِ كثيرًا."
أجابت كاتي بابتسامة امتنان طفولية: "حمدًا لله يوجد أناس بنُبل وطيبة السيد ماكسيمليان."
هنا سمعت تلك الضحكة... خرجت من باتريسيا. سخيفة، مزعجة، أقرب لصوت العاهرات في البارات الرخيصة... خَزقت أعصابي.
ضغطتُ على أسناني، وانحنى صوتي وهو يغلي من تحت جلدي: "هذا أمر غير مضحك باتريسيا... الزمي حدودك."
نظرت باتريسيا إلي وقد اتسعت عيناها بخوف ظاهر، وقالت: "أنا آسفة حقًا أخي، لم أقصد..."
نظرتُ إليها بتجمّد، لم أزِح نظري لحظة واحدة، حتى عندما قالت كاترينا: "لا داعي للاعتذار حقًا.. لم يحصل شيء."
كأنها لم تتحدث... صوتها كان مجرد هواء مرَّ من أذني. كنت أنظر إلى باتريسيا فقط وقلت بجمود: "لا زلتُ أنتظر..."
ابتلعت ريقها، وارتجف صوتها وهي تتمتم: "أنا حقًا آسفة أيتها الأخت.. لم أقصد أن أزعجك.. كان خطأ غير مقصود."
رأيت تلك الطيبة على وجه كاترينا وهي تقول: "لا تقلقي حقًا.. بالفعل لم يحصل شيء يدعو للاعتذار."
أكملنا الغداء... أو على الأقل تظاهرت بذلك.
لاحقًا، أميليا أخذتها إلى غرفة الضيوف... بينما أنا، كنت أزحف نحو الزاوية الأخرى من المنزل... هناك حيث الحذر مطلوب.
أغلقتُ الباب خلفي، ووجدت باتريسيا في انتظاري. تلك الغبية... كادت تفضح كل شيء.
تأكدت من أن لا أحد يرانا أو يسمعنا، ثم أمسكت بشعرها فجأة، وشدَدتُه بقسوة جعلتها ترفع رأسها بقوة تحت قبضتي.
تمتمت بين أسناني: "ألم أحذّرك أيتها الغبية من أن تكوني حذرة بما تقولينه أو تفعلينه أمامها؟؟"
ارتعشت شفتاها وهي تهمس: "أجل.. سيدي، وأنا نفّذت ما قلته لي ولم أخطئ بالكلام أبدًا."
مددت يدي إلى رقبتها، وأطبقت عليها بقوة. وجهها بدأ يزرقّ، وأنفاسها تتقطع، لكنها قالت بصعوبة: "آسفة.. سيدي... لن أعيدها مرة أخرى.. حقًا آسفة."
تملّكني الغضب للحظة، لكنني تركتها فورًا عندما رنّ هاتفي. أبعدتها عني بنظرة حادة، وأشرت لها أن تختفي.
رددت بصوت هادئ لكن فيه نبرة تحكّم: "جوي؟"
جاءني صوته مطيعًا كعادته: "سيدي، لقد نفّذت ما أمرتني به، وروبرتو معنا الآن بالمخزن الجنوبي وننتظر أوامرك."
ابتسمت... تلك الابتسامة التي تعني بداية شيء ممتع.
"هذه أخبار رائعة جوي.. أحسنت.. أنا قادم الآن."
"حسنًا سيدي.. نحن بانتظارك."
أقفلت الخط وخرجت من المنزل. قلت لحراسي بلهجة صارمة أن يراقبوا كاترينا، ولا يسمحوا لها بالخروج دون إذني... ثم التفت إلى أميليا وباتريسيا ونظرت لهما نظرة واحدة كانت كفيلة بتجميد الدم في عروقهما.
"أي خطأ جديد... لن يُغتفر هذه المرة."
ماكسيميليان فيدريكورأسي... اللعنة على هذا الألم. كأن أحدهم يطرق جمجمتي بمطرقة صدئة. بقيت أضغط بأصابعي على صدغَيّ، أبحث عن أي نقطة تخفف من هذا الصداع المقيت... من أين أبدأ؟ أين يمكن أن تكون قد اختفت؟ ومع من؟ من تجرأ وساعدها؟ من تجرأ؟مددت يدي المرتجفة إلى علبة الدواء على الطاولة... سحبت حبّة وسحقتها تحت لساني بسرعة، محاولًا كتم ثورتي. لا شيء حتى الآن. لا اتصال، لا رسالة، لا خيط... وهذا الجنون ينهشني.كل هذا... كل هذا بسبب خطتي الغبية. ما كان يجب أن أدعها تغيب عن ناظري. كان يجب أن أبقيها قريبة، تحت أنفاسي، تحت سلطتي.رنّ الهاتف فجأة. قفز قلبي، وانطلقت يدي بسرعة مجنونة نحو الشاشة... لم أنظر حتى للرقم."هل عثرتم عليها؟"صوتي خرج ملهوفًا، متسرعًا، وكأن أنفاسي نفسها تلاحق الجواب...لكني لم أسمع ما توقعت..."عثرتم عليها؟؟؟ من هي، يا ماكسيمس؟؟؟"تجمّد وجهي. شهيقي توقف. الصوت... والاسم... لا أحد يناديني هكذا سوى هو. هو فقط... عرّابي. خوليو.سحبت نفسًا بطيئًا. جفلت ملامحي، ورسمت البرود على نبرة صوتي."لا أحد، عرّابي..."سمعته يهمهم، لكنني لم ألتقط كلماته... ثم قالها بوضوح جعل الدم يغلي في عروق
ماكسيميليان فيدريكوكانت الغرفة مظلمة، لكن وجهي مضاء بنور المصباح الوحيد فوق المكتب. جلست هناك، أنتظر، وكل شيء فيّ هادئ... ظاهريًا فقط. في الداخل، كنت أشبه بوحش مقيد... ينتظر لحظة الإفلات.دخلت الممرضة. ملامحها متوترة، وخطواتها سريعة لكن حذرة. عيناي لم تترك وجهها حتى قالت:"لقد تمت المهمة بنجاح، سيدي."ابتسمت... بسخرية، لا رضا."هل صدقتِ ما قلتهُ لها؟"هزّت رأسها إيجابًا، ثم أجابت:"أجل سيدي، وشكرتني على مساعدتها."كررت الكلمة، وأنا أرفع حاجبيّ قليلاً وأضغط شفتيّ:"جيد... جيد..."جيد؟ لا شيء جيد. هذه ليست النهاية، بل البداية. اقتربت خطوة وقالت:"هل سوف تطلق سراح أطفالي الصغار الآن بعدما نفذتِ ما طلبته مني؟"نظرت إليها للحظات، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، ساخرة، بلا حرارة."بالطبع... فأنا لا أحب الاحتفاظ بشيء ليس لي... اذهبي الآن، وسوف تجدين أولادكِ في البيت."ابتسمت. ابتسامة أمٍّ ظنت أنها كسبت رحمة الشيطان. همّت بالمغادرة، لكنني أوقفتها."لا تنسي... احفظي لسانكِ حتى تحفظي حياتكِ وحياتهم... أتمنى أن يكون كلامي مفهومًا."ردت وهي تخفض رأسها:"بالطبع سيدي... لن أقول شيئًا أبدًا ولو على جثتي."أشر
كاترينا مورن استيقظت وحدي، وجسدي يئن تحت وطأة التعب. كانت حرارة اللحاف تلامس جلدي وكأنها محاولة يائسة لاحتضاني، لكن لا شيء فيّ كان راغبًا في الدفء. رميت اللحاف جانبًا بخشونة وأنا أزفر بقهر. تفاصيل ما حدث بالأمس عادت كصفعة، تخترق رأسي وتنهش كبدي. كان الألم ما زال يضرب جسدي من آثار الطلقة، لكنه لم يكن أقسى من الشعور بالعجز الذي التصق بي.عليّ أن أرحل... إن بقيت، سأفقد كل شيء. كرامتي، حياتي، وحتى صورتي في عينيّ.اتكأت على الحائط، أطرافي تتهادى كما لو أن الدم تخلّى عنها. بخطى متعثرة، توجهت إلى الحمام. لم أكن أفكر، فقط أتحرك كمن يسير فوق جمر. لم أملك سوى ملابسي القديمة... ارتديتها مجددًا، بلا تفكير، بلا مشاعر.ما إن خرجت، حتى انفتح الباب فجأة. تجمدت في مكاني، وقلبي قفز إلى حلقي، لكنّها كانت الممرضة. عيناها اتسعتا، وركضت إليّ."آنستي... ما كان عليكِ النهوض... كان بإمكانكِ مناداتي فقط."كنت أرتجف، أنفاسي تتسارع. تشبثت بها وجلست، وكل ما في داخلي كان يستنجد."أرجوكِ... ساعديني على الرحيل من هنا... أرجوكِ... أتوَسّل إليكِ."توسلت، وكأن كلماتي نحيب مكتوم، يخرج من أعمق نقطة في صدري.لكنها ردّت
ماكسيملياننطقت بكلمة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإشعال غضبي. نبرتي خرجت حادة، باردة، ومشبعة بتحذير غليظ لم أستطع السيطرة عليه، وكأنها تنفث من مكان مظلم بداخلي:"لستُ بأخٍ لأحد، وخصوصًا لكِ أنتِ... لا تناديني هكذا أبدًا ولو بالخطأ."رأيت الخوف يتسلل إلى عينيها، تراجعت خطوة، وجهها شحب، ويداها ارتجفتا وكأنها لم تعد تعرف إن كان من المفترض أن تتكلم أو تلوذ بالصمت.قالت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها المرتعشتين، صوت ناعم ممتزج برجفة حقيقية:"أرجوك... توقّف عن التصرّف هكذا، أخ ماكسيم..."شهقتُ غضبًا... رفعت يدي تلقائيًا في وجهها، لا لضربها، بل للزجر، لكنها فهمت الرسالة فورًا... وصرخت بها، بصوت اهتزّ من الغضب الخالص:"قلتُ لكِ توقّفي عن مناداتي هكذا!"رأيتها تقفز مذعورة، رغم ألمها، وكأن جسدها نفسه فرّ منّي... صوت الزجاج تحت قدميها مزّق سكون الغرفة، وصيحتها حين دخلت القطعة الحادة في قدمها اخترقت صدري."انتبهي!" صرختُ، لكن فات الأوان...صرخت من الألم، قبل أن أتحرّك غريزيًا وأحملها بين ذراعيّ. كنت أسمع دقات قلبي تتصاعد في أذنيّ... وضعتها على الكنبة، في حجري، ويدي تلقائيًا أمسكت ساقها أتفحص الجر
ماكسيمليان فيدريكو أخرجت الشريحة من قلب الصليب الذي كانت تخفيه تلك الراهبة... كاترينا. أخفيت ابتسامة صغيرة، وأنا أتأملها بين أصابعي. قطعة صغيرة، لكنها كانت تحمل حممًا تكفي لحرق إمبراطورية بأكملها. شريحة تحتوي على أسرار تجارة السلاح والمخدرات، مخطط كامل، وكل التفاصيل التي حاول روبرتو التفريط بها. كاد أن يبيعني... لأعدائي.لم أضيع وقتًا. توجّهت إلى حيث يُحتجز روبرتو. أردت أن أرى وجهه عندما أخبره أن لعبته قد انتهت.وقفت أمامه، عاينت وجهه المضروب المتورم. عين متورمة، شفة مشقوقة، ودم يسيل من زاوية فمه. بالكاد كان يرفع رأسه. ضعيف. محطم. يعجبني هذا المشهد.مالت زاوية فمي بسخرية، وتعمدت جعل صوتي لينًا... ساخرًا... وكأنني أواسي طفلًا جُرحت ركبته:"تؤ... تؤ... تؤ... أحزنني منظرك، روبي... ما كل هذه الكدمات على وجهك؟ هل تعرّض لك أحد؟"رأيته يزفر بألم، يبذل جهدًا فقط ليرفع رأسه قليلاً. كان يتشبث ببقايا كبريائه، لكنني كنت أعلم أنه ينهار.بصوت مبحوح، خرجت كلماته:"توقف عن التحدث إليّ بهذه النبرة الساخرة... هل عثرت على ما تريده؟"ضحكت، رأسه لا يزال مرفوعًا... لكن عينيه لا تطاقيان النظر في عيني. أجب
ماكسيمليان فيدريكودخل الطبيب فجأة إلى الغرفة. اقترب منها بخطوات واثقة وكأنه اعتاد التدخل دون دعوة، لكنني أوقفته... أمسكت بيده بقوة، نظرت في عينيه بجمود.قال بنبرة محايدة:"نحن فقط نريد أن نلقي نظرة عليها يا سيدي..."كان شابًا، أطول مما ينبغي، ووسيمًا بشكل يثير الشك أكثر من الإعجاب. حدّقت فيه لثانية، ثم رفعت حاجبي وأنا أقول بخشونة، وصوتي مشبع بتحذير خفي:"إنها بخير كما ترى، ومستعدة للخروج من هنا."بدت على وجهه علامات الدهشة، وربما التحدي، حين ردّ:"كيف تخرج من المستشفى هكذا وبسرعة؟ لقد أُجريت لها عملية مستعصية قبل قليل... هذه الآنسة تعرضت لإطلاق النار، لا يمكنني أن أسمح لك بتعريضها للخطر!"تقدمت نحوه ببطء، كل خطوة كانت مشدودة بأعصابي المتوترة، وقلبي يخفق وكأنه يستعد للهجوم. وقفت أمامه مباشرة، نبرة صوتي كانت مشحونة بكبحٍ للغضب:"لستُ أنتظر إذنك للقيام بما أشاء. إنها مسؤولة مني، وقراري اتخذته وانتهى الأمر. لن تقترب منها، ولن تجلس بهذا المكان طويلًا. إن كان ولابد من فحصها، فدَعْ طبيبة نسائية تقوم بالمهمة."عقد حاجبيه وقال ببرود مصطنع:"ولمَ؟ ألا ترى أنني طبيب كذلك، أم ماذا؟"نظرت نحوها ف







