LOGINبعض الرجال يكفي أن تنظر إلى أعينهم مرة واحدة لتدرك أن الله لم يخلقهم عاديين. ورحيم… لم يكن رجلاً عاديًا أبدًا. كان يدخل المكان فينخفض الصوت تلقائيًا، لا لأنه يصرخ أو يفرض حضوره بالقوة بل لأن هيبته كانت تتسلل إلى القلوب بهدوء مرعب، فالجميع يشعرون غريزيًا أن هذا الرجل يحمل بداخله شيئًا أثقل من الكلام وأعمق من الشرح. كانوا ينادونه: “مولانا”. ليس لأنه شيخٌ يعتلي المنابر بل لأن صوته حين يتحدث عن الله كان يُشبه الطمأنينة، ولأن وجهه الهادئ، ولحيته المرتبة، ونظراته الخاشعة، جعلت الناس تظن أنه واحد من أولئك الذين لا تمسهم خطايا الأرض. لكن أكثر الوجوه وقارًا… قد تخفي تحتها أكثر الأرواح ظلامًا. لم يعرف أحد كيف استطاع رحيم أن يجمع بين النقيضين بهذه البراعة؛ رجل يحفظ القرآن كاملًا ويستطيع في اللحظة نفسها أن يكذب دون أن ترتجف له عين. رجل يبكي حين يسمع آية عن الموت… ثم يدفن جثة بيديه بعدها بساعات. كان ذكيًا بصورة مخيفة. لا يرفع صوته. لا يتعجل. ولا يترك خلفه أثرًا واحدًا إلا إذا أراد ذلك. حتى خوفه… كان يُمثله بإتقان. أما عيناه… فكانتا الحكاية كلها. عينان ساكنتان بشكل مريب، وحين يبتسم تشعر للحظة أنك أمام رجل صالح قبل أن يخبرك حدسك متأخرًا أن الذئاب أيضًا تستطيع الابتسام. لم يكن أخطر ما في رحيم أنه مجرم… بل أن الجميع أحبوه. النساء رأين فيه الرجل الوقور. الفقراء رأوا فيه صاحب الأيادي البيضاء. والشرطة رأت فيه شاهدًا مثاليًا… حتى اكتشفوا متأخرين جدًا أنهم كانوا يجلسون طوال الوقت أمام الشيطان نفسه وهو يرتدي ثوب الواعظين. تلك كانت مشكلته الحقيقية… أنه لم يكن يهوى الجريمة فقط بل كان يعشق لعب دور البريء.
View Moreالفصل الأول
❈مولانا❈ لاء ما كنتش في وعي، كنت حاسس إن في قوة أكبر مني هي اللي كانت بتحركني، صوت ضحكي كان بيرن في المكان وأنا رافع إيديا الاتنين قدام عيني بتفرج عليهم وهما متلوثين بعاري، كنت سامع صوت ضحكي كأنه لشخص تاني، خدت وقت عقبال ما استوعبت إن ده أنا!! واللي مغرق كفوفي ده، دم!! دم أخويا!! وأنا اللي قتلته!! عينيا فضلت تلف في المكان أدوَّر عليه، بس بدوَّر على مين وأنا بنفسي اللي معلق له الرمانة وراميه بإيدي في الطرنش اللي قدام بيته؟! صوته وهو بيترجاني إني أسيبه واخد الشنطة كان عمال يتردد في وداني. الشنطة!! جريت بسرعة على جوا بعد ما سمعت صوت سرينة عربية النجدة وهي بتقرب م البيت، خدت المسدس اللي عليه بصماتي والشنطة الملعونة، وخرجت من الباب الوراني، ركبت عربيته وطلعت بيها من البوابة القبلية. وقتها حسيت إني خلاص مش قادر أكمل، كانت كل خلية في جسمي بتتنفض، وصوت جوايا بيقولي هتهرب تروح فين، الحجر الداير لابد من لطه. طول ما أنا سايق ما كنتش مركز، كنت تايه حرفياً ومش عارف أنا رايح فين، ما كنتش مستوعب اللي حصل ولا عارف أنا عملت كده إزاي؟! إزاي وأنا طول الوقت كنت بحظره من السكة اللي هو ماشي فيها؟! ده من كتر ما كنت باقوله إن اللي بيعمله ده حرام وأخرته وحشة كان بيقولي يا مولانا. -آه يا مولانا. عارف إن اللي هقوله ده مستحيل حد يصدقه!! بس ده كان صوته!! أيوه هو صوت أخويا!! هو اللي رد عليا بتريقة زي عادته وقال (آه يا مولانا). لفيت وشي ناحية الصوت اللي جي من على يميني، ببص لقيته قاعد في الكرسي اللي جنبي ووشه غرقان دم، ودم كتيررر بيتفجر من جبينه مكان الطلقة. صرخت وهو بيمد إيده الاتنين وعاوز يخنقني، كل حاجة حصلت في لحظة، ومن غير ما احس رجلي ضغطت جامد على دواسة البنزين لغاية ما صوت حكة كوتش العربية ع الأسفلت غطى على صوت صريخي. وبعدها سمعت صوت فرقعة جامدة كأن قنبلة اترمت قريب من المكان اللي إحنا فيه. آخر حاجة فاكرها قبل ما الدنيا تضلم قصادي هي صوت آه عالية لحد بيتوجَّع بس أنا اللي حاسس بالألم!! لا مش حد، الوجع اللي حسيته بيأكد أن ده كان أنا. ما اعرفش عدى قد إيه وقت؟! ولا إيه اللي حصل بعد كده؟! كل اللي فاكره لما بدأت أفتَّح مجرد خيالات، شوفت فوقيا غيمة بيضا زي سقف، سقف منور بكشافات ضوئها يعمي العين، وعلى قد ما المكان يِقبِض وإحساس إن فيه برودة بدأت تزحف لعروقي من كتر الرهبة اللي محوطاني في المكان الغريب ده، على قد ما فيه سخونية مش قادر أتحملها على جلدي كأنها نار ما بتهداش، لاء.. ده كأن حد مغطسني في آذان فيه مياه مغلية. أصوات كتير حواليا ما ميزتهاش، كلمات مش مفهومة ما لقطتش منها كتير، بس أول ما حاجة كممت بؤي ابتديت أغيب تاني عن الوعي وآخر حاجة سمعتها (ما ينفعش يموت، ده هو مفتاح كل الألغاز اللي بقالنا فترة واقعين فيها وملهاش تفسير، من فضلك أعمل أي حاجة يا دكتور). -هو ده اللي مخليك تقول إن الشنطة دي ملعونة؟! أنت عاوز توصل لفين يا رحيم؟! اللي قلته ده مش مبرر لجريمتك يا مولانا، أنا بسألك عن وقائع، عاوز أعرف الأسباب والدوافع اللي خليتك تعمل كده تقوم تحكي لي الفيلم الهندي ده!! ده كان صوت ظابط المباحث اللي جي يحقق معايا بعد ما عرفت منه إن كل الأدلة ضدي يعني مفيش مجال للإنكار، وابتدى يفسر أحداث ما كنتش فاهمها ولا عامل حسابها، وقبل ما ارد عليه لفت نظري إن فيه حد معانا في الأوضة...-تفتكر لما جاسم السويفي يعرف إن سالم الضو هو اللي سَلَّم أخوه رشيد للحكومة تسليم أهالي بشحن المخدرات اللي فاتت، هيرحمه؟! =أخيـــه ع البيعة، يعني سالم الضو هو اللي بلغ عن رشيد السويفي أخو جاسم؟! -أيون، هو بغباوته. =طب افرض أدهم باشا لو عرف إن سالم الضو مش هو أبو عمار، هايعمل إيه؟! -كده هيشك في الأفلامنات اللي فبركتها له وهيروح يدور علينا في بلدنا عند جابر المنشاوي. -الله يخرب بيتك، هو أنت قلت له إن أنت من إسكندرية وأنا من بورسعيد؟! -لا إحنا من قنا. =لا بقى، أفهمها دي؟! ومين جابر المنشاوي دا كمان. -يا عم كان عاوز يعرف حدوتنا م الأول بما إننا مش م البلد فـ سفرته في بعتة للصعيد من تأليفي وإخراجي، وقلت له إن إحنا هربانين من تار وبتاع والرجل كان منسجم وآخر روقان، وبالنسبة لجابر المنشاوي ده اللي قتل أبونا في الحدوتة، يعني في قنا مفيش جابر المنشاوي أصلاُ. =فاجر فُجْر بيّنن يا مولانا. -أبداً، هو فيه مولانا فاجر بردو. =لو ما كنتش فاجر كنت فبركت حادثة العربية بتاعتك؟! ما خوفتش لا تروح فيها؟! -أروح فيها إزاي وكان ورايا أدهم باشا ورجالته، أدهم اللي الطموح واخده ومفكر نفسه هيجيب أبو عما
الظابط بص لي باستغراب وسأل:-إزاي يعني رجع بالشنطتين؟! طب والشيخ والصياد اللي لقى الشنطة؟! =كامل لما راح لهم المكان اللي شيخ الصيادين قاله عليه لقى الشنطة مفتوحة والاتنين خلصوا على بعض شكلهم اختلفوا على قسمة النص مليون جنيه اللي كامل عشمهم بيهم. الظابط سرح شوية وأنا حسيت إن جسمي همِّد وراسي تقلت، وآخر حاجة فاكرها إنه قال:-دايرة ومقفولة على أصحابها، وبعدين في أم الشنطة اللي لابسة طاقية الاخفا دي!! طب سي زفت أبو عمّار فين من القصة دي ما يمكن كان عارف كل ده وسايب كامل لغاية ما يوصلها ويكون هو اللي خدها في الآخر وأنت زي الطيشة، ألاقيه فين ابن الكلب دا؟ هو بيكلم مين؟! دا أنا رُوحت خلاص!! شوية ما اعرفش قد إيه، حسيت فيه حد بيزغدني في كتفي، هيكون مين يعني؟! أكيد عملي الأسود. نفخت بخنقة وأنا باحاول أفتح عينيا وبزعق:-يا باشا والله قلت لك كل حاجة أعرفها. =باشا مين أغالي؟! قوم يا مولانا عشان هاتيجي معايا باي. إيه دا؟! هو أنا مش هاخلص!! كامل تاني!! أيوه هو كامل!! هو أنا هاتوه عن صوته؟! رديت بخضة:-كامل!! أنت اللي ما سبتليش خيار تاني، ما كانش ينفع تخلص غير كده. =خلاص يا مولانا، مات الكلا
الظابط حط إيديه الاتنين في جيبه وهو بيأشر للدكتور بعنيه عليا وقال بأمر:-شوف الحالة بتاعتك... ادي له مسكن ولا أي حاجة؛ التحقيق ده لازم يتقفِّل النهاردة. الدكتور بتردد:-يا باشا دي حالة عناية مركزة... دخولك ليه هنا من الأساس غلط وفيه مسئولية عليا ودا بيعرض حياة المريض للخط....الظابط قاطعه وهو بيرفع كفه في وش الدكتور بمعنى ما تزودش، وقال بِعِند:-شوف شغلك بدل ما أنت عمال تهري في قصة حصلت خلاص... أنت أهوه اللي بتعرض حياته للخطر وكده أو كده اللي أنا عاوزه هايتنفذ فانجز وما تكترش. الدكتور بص له بغيظ، وقرب مني وفي عينيه نظرة تعاطف، وسألني وهو بيبص في التقرير اللي متعلق على استاند السرير اللي كنت راقد عليه:-عامل إيه النهاردة يا رحيم؟ رديت وأنا بنازع:-مش قادر يا دكتور كريم، شواكيش بتنقر في دماغي، ونار قيدة في جسمي كله، شوف لي نهاية للي أنا فيه ده بالله عليك. ابتسم لي، وقال:-خلاص يا رحيم اتطمن، النهاردة إن شاء الله هيكون كل دا خلص وتقدر تتنقل لغرفة عادية، هابعت لك ممرضة تديك حقنة مسكنة. بعد ما الدكتور كريم رجع التقرير مكانه لف للظابط، وقال بعملية:-الأثر الجانبي الحقنة بيشتغل بعد نص س
=لو راجعت آخر الحوادث اللي حصلت الفترة اللي فاتت هتلاقي إن فيه حادثة اتقيدت ضد مجهول بتقول إن فيه بيت مهجور في الويلي لقوا جواه تلت جثث لأشخاص مجهولة من غير روس وللآن لا تم التعرف على هويتهم ولا عرفوا مين القاتل. -وأنت تعرف مين اللي عملها؟! ما هو يا إما صاحبهم اللي أخد الشنطة وهرب، يا إما كامل أخوك؟ =مش كامل؛ كامل بالرغم من المشاكل اللي وقع نفسه فيها إنما ما يقدرش يقتل فرخة وهو أساساً ما دخلش البيت، وبالعقل كده لو كان دخلهم بطوله ومهما كانت قوته كانوا الأربعة هيقدروه، وكمان ما أعتقدش إن اللي هرب بالشنطة هايقدر ع التلاتة لوحده إلا إذا كان خدرهم ولو فرضنا إنه كان مخطط م الأول إن يغدر بزمايله وخدرهم ولا حط لهم منوم في أكل أو شرب مثلاً، إيه اللي يخليه يخلص منهم بالطريقة البشعة دي ما كان كفاية سكينة يرشقها في قلب كل واحد فيهم ولا سم بدل المنوم، ودا بالرغم إنه ما كنش محتاج يعمل كده لأن كامل قال إنه بمجرد ما الرجل نزل م التاكسي اللي كامل كان وراه في مينا أبوقير في إسكندرية، الولاه حط رجله في مركب الصيد اللي كانت قربت ترفع خُطَّفها وتطلع من غيره ولحقها على آخر وقت وكان طاقمها جمع الناس اللي