Masukرفع جلال رأسه، وكانت عيناه محتقنتين بالدم، وتحملان آخر خيط من الأمل.جلسا في الفناء الصغير للنزل، على المقعد الحجري البارد.لم تُمهّد سهى للكلام، بل قالت مباشرة:"يا سيد جلال، خضعتُ للعلاج بالصدمات الكهربائية لأني أردت أن أنسى بعض الأمور المؤلمة جدًا.""رغم أن دفتر الملاحظات سجّل بعض المقاطع، إلا أنها بالنسبة لي كقصة شخص آخر من حياة سابقة. لا أشعر بالحب الذي تتحدث عنه، ولا بالكراهية التي تتحدث عنها."توقفت لحظة، ونظرت إلى أضواء النزل الدافئة البعيدة، فأصبح صوتها ناعمًا وحازمًا:"أنا سعيدة جدًا الآن. منصور يعاملني بلطف كبير، وهذه الحياة تمنحني الهدوء والرضا. هذا كل ما أريده.""لذلك...أرجوك أن تتركني."استدارت ونظرت إليه بعينين صافيتين:"لا تحاول إيقاظ تلك الذكريات بعد الآن. حتى لو تذكرتُ، فإن تلك الآلام ستعود معها. هل تريد لي ذلك؟"كأن جلال أصيب بصاعقة.هل يريدها أن تتذكر؟أن تتذكر خيانته، ومكائد جمانة، وتلك الأيام الوحيدة في المستشفى، وذلك العلاج بالصدمات الكهربائية اللعين الذي وافق عليه بيده...لا. كيف يمكن أن يكون بهذه الأنانية؟نظر إليها الآن، وقد عاد النور إلى عينيها أخيرًا، والابت
نظرت سهى إليه، وعيناها صافيتان، لكنهما تحملان مسافة واضحة.هزّت رأسها بلطف، وقالت بنبرة هادئة تكاد تكون قاسية:"يا سيد، أظن أنك أخطأت في الشخص. أنا لا أعرفك."ثم توقفت لحظة وأضافت:"علاوة على ذلك، هذا هو بيتي، ولن أذهب إلى أي مكان آخر."كان ذلك النداء البسيط "يا سيد" كأنه إبرتان باردتان تغرسان في قلب جلال.هي لا تعرفه...هي تقول إن هذا هو بيتها...اجتاحه يأس وذعر هائلان كالمدّ. بعد أن بحث عنها بكل ما أوتي من قوة، وتحمّل عذابًا يشبه الجحيم، وبعد أن وجدها أخيرًا، لم يحصل إلا على هذه الكلمات الباردة: "لا أعرفك".مدّ منصور يده وأحاط بكتف سهى بلطف، ثم قال لجلال أمرًا بالمغادرة:"يا سيد، إذا لم تكن هنا للإقامة، فالرجاء عدم إزعاج ضيوفي و...خطيبتي."خطيبتي...اهتز جسد جلال بعنف، وأصبح وجهه شاحبًا كاللون الأبيض في لحظة.حدّق في سهى بشدة، يبحث عن أي أثر للتمويه على وجهها، لكنه رأى فقط أنها اقتربت قليلاً من منصور، بثقة واعتماد كاملين.جاء، ليكتشف أنه خرج من المنافسة منذ زمن طويل.بل نُسي تمامًا وبلا رجعة.كان هواء مدينة الزمرد الخريفي البارد في هذه اللحظة كالسّكين، يشقّ أنفاسه ويحطم الهدوء الذي نا
كانت علاقة سهى ومنصور مثل ربيع مدينة الزمرد. ذاب الجليد وعادت الحياة إلى كل شيء، وجاء كل شيء بشكل طبيعي ودافئ.لم يكن هناك اعتراف صاخب أو إعلان يهزّ العالم. فقط في مساء هادئ عند الغروب، بعد أن عادا معًا من تفقد مسار المشي الجديد الذي أنشآه، أمسك منصور يدها بعفوية. توقفت سهى للحظة، ثم هدأت، وشدت على يده بدورها.كانت حرارة أصابعهما المتشابكة تقول ما عجزت كل الكلمات عن قوله.منذ ذلك اليوم، بدت الأيام كأنها مغموسة في العسل.كانا يديران النزل معًا، ويخططان للمسارات السياحية، ويستقبلان الضيوف من كل مكان.في أوقات الفراغ، كان منصور يقودها على الدراجة النارية إلى أعماق المروج لرؤية الزهور البرية المتفتحة؛أو عندما تنهمك في العمل على المكتب، يضع بصمت كوب شاي الزهور العطرية الذي تحبه.ازدادت الابتسامات على وجه سهى، وذلك الاسترخاء والسعادة النابعان من أعماق القلب جعلاها تتألق بنور ناعم.كانت تكاد تنسى ذلك الماضي المغطى بالضباب. وُضع دفتر الملاحظات في قاع الصندوق، وتراكم عليه الغبار. مدينة الزمرد، ونور الشمال، ومنصور...شكّلوا حاضرها كله، الحقيقي والسعيد.حتى ذلك اليوم بعد الظهر.بعد مطر خريفي، كان
مع الزيادة المفاجئة في أعداد الزوار وتصاعد الاهتمام، أصبحت سهى ومنصور بحاجة إلى تعاون أكثر قربًا.كانا يناقشان معًا كيفية تحسين الخدمة، وكيفية التعامل مع مقابلات الإعلام، وكيفية تلبية احتياجات المزيد من السياح مع الحفاظ على طابع النزل الخاص.مع مرور الأيام في العمل والحياة اليومية، كانت سهى تشعر بوضوح أن منصور لم يعد يخفي مشاعره تجاهها كما كان من قبل.كان يعرف أن معدتها حساسة، فيُدفئ لها كوب حليب كل صباح بصمت؛وكان عندما تسهر لترتيب الوثائق، يضع بهدوء مصباحًا مريحًا للعين وفاكهة مقطعة إلى جانبها؛وعندما كان السياح يمازحونهما قائلين: "صاحب النزل وزوجته مناسبان جدًا!"، كان منصور يحمرّ خجلًا، لكنه لا يجيب، بل يكتفي بأن يلقي عليها نظرة خاطفة.كانت هذه المشاعر دفئًا بسيطًا ومباشرًا ومستمرًا مع مرور الوقت.قلب سهى الذي كان متجمدًا بدأ يذوب ببطء، قطعة بعد قطعة، تحت شمس مدينة الزمرد النقية وثلوجها الصافية، وتحت اهتمام منصور العفوي والصادق.وجدت نفسها تتطلع كل صباح إلى رؤية صورته وهو منشغل بالعمل، وتشعر بتموجات حلوة خفيفة في قلبها عندما يبتسمان لبعضهما بعد أن ينجزا عملًا بانسجام.لم تعد تقاوم،
حدثت نقطة التحول في أواخر الخريف.في تلك السنة، شهدت مدينة الزمرد ظاهرة شفق قطبي استثنائية لم تشهدها المنطقة منذ عقود.كانت أشرطة الضوء الخضراء والبنفسجية ترقص في سماء الليل كأنها لوحة من عالم الأحلام.اغتنمت سهى الفرصة دون تردد.عملت ليل نهار، وأعدت نصوصًا ومواد فيديو ترويجية تحت عنوان "البحث عن شفق الشمال"، وتواصلت مع مدوني السفر الذين سبق أن تعاونت معهم، فحوّلت نزل "نور الشمال" إلى وجهة مثالية لمشاهدة الشفق القطبي."تعالوا إلى نور الشمال، واستلقِ على سريرك لتشاهد الشفق!" — شعار مليء بالإغراء.في لحظة، توافدت إلى البلدة الهادئة أعداد كبيرة من السياح الباحثين عن الشفق.أما نزل "نور الشمال"، الذي كان قد استعد لهذه الموجة جيدًا، فقد امتلأ تقريبًا كل يوم، وامتدت قائمة الحجوزات لشهرين قادمين.كان منصور منشغلًا طوال الوقت حتى كاد لا يجد لحظة لالتقاط أنفاسه، وسهى تدير كل شيء من الداخل والخارج: من استقبال الضيوف إلى تخطيط الأنشطة، وحتى الطبخ أحيانًا عندما ينقص الموظفون.كانت مشغولة، لكن وجهها يحمل احمرارًا صحيًا، وعيناها لامعتان. كان ذلك شعورًا عميقًا بالرضا بعد أن وجدت قيمتها الذاتية.بعد ا
كانت سماء مدينة الزمرد زرقاء صافية ورحبة على نحو لم تره سهى من قبل.كان الهواء يحمل عبق الصنوبر المنعش ورائحة التراب العطرة، مختلفًا تمامًا عن رائحة عوادم المدن الكبيرة والخرسانة والحديد.استأجرت منزلًا قديمًا بفناء صغير على أطراف البلدة الصغيرة. كان في الفناء شجرة بتولا بيضاء عتيقة.كل صباح، كانت تستيقظ على أصوات الطيور، وعندما تفتح النافذة ترى الجبال البعيدة ذات اللون الضبابي الداكن.تعلّمت من أهل البلدة الذهاب إلى السوق لشراء الخضروات الطازجة، وتطبخ بنفسها، وأحيانًا تتعلم من الجارات كيفية تخليل الخضروات بالطريقة المحلية وخياطة البطانيات القطنية السميكة.كانت تقلب دفتر الملاحظات أحيانًا، لكن تلك الذكريات عن "جلال" و"جمانة" كانت تبدو كقصة غريبة، لا تثير في قلبها سوى تموجات خفيفة.كان العلاج بالصدمات الكهربائية كمحاية ناعمة، طمست تلك الآلام الحادة، ولم تترك سوى آثار باهتة.كانت تحب هذا الهدوء كثيرًا.لم تعد مضطرة إلى التضحية من أجل أحد، ولا أن تخشى أن يتخلى عنها أحد، ولا أن تعيش في المقارنات والحقد.شعرت وكأن طبيعة مدينة الزمرد الصافية قد غسلت قلبها، فأصبح واسعًا وهادئًا.وكثيرًا ما كا







