共有

الفصل 3

作者: أثر
"أوووو..."

فجأة، قطع صوت بكاء جمانة الصمت الذي كان يخيم على المكان.

كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، وتتساقط منهما الدموع بغزارة، وأنفها أحمر متورم.

بدت في غاية البؤس والضعف.

"أختي...هل تريدين طردي حقاً؟"

غطت جمانة فمها بيدها، ونظرت إلى جلال بعينين تحملان مزيجًا من الصدمة والحيرة.

"جلال، ماذا أفعل؟ لقد وعدتني أن تشرح لأختي الأمر، لكنها ما زالت لا تصدقني."

ربّت جلال على رأسها بلطف ليطمئنها، ثم شدّ على فكه، ونظر إلى سهى بنظرة ثابتة.

انعكس نفاد صبره بوضوح في تقطيب حاجبيه وضمّ شفتيه بإحكام.

شعرت سهى فجأة بالعجز الشديد.

لم تكن كلماتها التوضيحية قد خرجت من فمها بعد، حتى خنقتها اتهامات أصدقائها.

"سهى! تصرفكِ هذا مبالغ فيه جداً!"

"أنتِ تطردين جمانة، فأين ستذهب؟"

"فتاة صغيرة تعيش وحدها في الخارج، ماذا لو حدث لها شيء؟ هل تتحملين ذلك؟"

قالت لينا بتعبير ينمّ عن عدم الارتياح، مدافعة عن جمانة:

"كفى يا سهى، انظري إلى جمانة وهي تبكي بهذا الشكل. هي ما زالت صغيرة جداً، فكيف تطردينها؟"

نظرت سهى إلى صديقتها القديمة التي رافقتها منذ سنوات شبابها. تذكّرت كيف بعد أن خسرت لينا جميع مدخراتها بسبب عملية احتيال عبر الهاتف، أعطتها كل ما ادّخرته لتساعدها على الاستقرار.

كانت لينا آنذاك تحتضن سهى بعينين ممتلئتين بالامتنان، وتقول لها إنها أفضل صديقة لها.

أما الآن، فتقف لينا في الجهة المقابلة، تُدينها من أجل أختها التي تبادلت القُبل مع خطيبها.

شعرت سهى بقسوة الفراغ في قلبها وهي تنظر إلى صديقتها المقربة.

"لينا، مهما كانت علاقتنا جيدة، فهذه في النهاية مسألة عائلية خاصة بي..."

"بالإضافة إلى أنني سأنتقل أنا أيضاً، هذا المنزل..."

لم تكمل كلامها حتى قطعها جلال:

"كفى يا سهى."

"لينا لا تفعل سوى محاولة إنصاف جمانة."

"جمانة أختك، ولها نصيب في هذا المنزل أيضًا."

وبينما يستمر في تهدئة جمانة بلطف، نظر إلى سهى بنظرة غاضبة:

"في النهاية، أنتِ ما زلتِ تحملين ضغينة بسبب ما حدث بيني وبين جمانة، ولا تصدّقين أي تفسير مهما كان."

"لكنها ما زالت صغيرة، يمكنها أن تأتي إليّ في أي مشكلة. لا داعي لأن تُفرغي غضبكِ عليها."

تلقّت سهى سيلًا من الاتهامات، فبقيت كلمات الشرح عالقة في حلقها.

ضمّت سهى شفتيها قليلًا، ثم شعرت فجأة بأنها لم تعد ترغب في قول شيء.

عندما رأى صمتها، ازدادت التجاعيد بين حاجبي جلال.

اقتربت جمانة بخوف من سهى، أمسكت بيدها وقالت متوسلة:

"أختي، لا تغضبي مني. أعدكِ أنني لن أكلّم جلال بعد اليوم بكلمة واحدة."

"أنتِ الوحيدة التي بقيت لي من العائلة. إذا رفضتني، فلن يكون لي مكان أذهب إليه."

لم ترد سهى، لكن يدها شعرت بألم حاد.

رفعت يدها تلقائياً، فاندفعت جمانة إلى الخلف وسقطت جالسة على الأرض.

مدّت سهى يدها لمساعدتها، لكن جلال دفعها بعيدًا بقوة.

"لا تلمسيها!"

كانت تلك أول مرة ترى فيها جلال يفقد هدوءه إلى هذا الحد.

نظرات القلق في عينيه، يداه المرتجفتان، وكلمات الاهتمام...كل ذلك كان يطعن قلبها مرة تلو الأخرى.

"جلال، رجلي تؤلمني بشدة...ربما التوى كاحلي."

قالت جمانة وهي تعبس.

احتضنها جلال بسرعة، وقبل أن يغادر نظر إلى سهى نظرة طويلة ثابتة.

"سآخذها معي. خلال هذه الفترة، هدّئي نفسكِ وفكّري جيداً."

ثم تحرّكت تفاحة آدم لديه، وقال بصوت خافت:

"سهى، أنتِ خيّبتِ أملي حقاً."

ارتجفت يد سهى بشكل خفي، ثم أخذت نفسًا خفيفًا بهدوء محاولة تهدئة الشعور الحارق في عينيها.

وقف الجميع يراقب المشهد دون كلام، لكن نظراتهم إلى سهى كانت مليئة باللوم والاستنكار.

اقترحت لينا: "لماذا لا نرافق جمانة إلى المستشفى، ونحتفل بعيد ميلادها في مكان آخر؟"

"صحيح، الاحتفال بهذه الطريقة سيئ الحظ. يجب أن نغيّر الجو."

تحت وطأة نظراتهم وكلماتهم المليئة بالتلميحات، شعرت سهى فجأة بمرارة تتصاعد في قلبها.

"هل انتهيتم من الكلام؟ إذا انتهيتم، يمكنكم الرحيل...فأنا ما زلت صاحبة هذا المنزل."

"تف! كأن أحداً يرغب في البقاء في منزلكِ. لو لم يكن الأمر يتعلق بجمانة، لما جاء أحد حتى الكلاب."

قال أحد الشباب الذين يلاحقون جمانة بنبرة اشمئزاز.

"أنتِ فقط لا تحتملين أن تكون جمانة أكثر قبولًا منكِ! يا لك من عجوز، تنافسين أختك الصغرى، مقرفة حقاً."

لاحظت سهى أن جسد جلال توقف للحظة، لكنه لم يلتفت، بل خرج صامتاً وهو يحمل جمانة بين ذراعيه.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 24

    رفع جلال رأسه، وكانت عيناه محتقنتين بالدم، وتحملان آخر خيط من الأمل.جلسا في الفناء الصغير للنزل، على المقعد الحجري البارد.لم تُمهّد سهى للكلام، بل قالت مباشرة:"يا سيد جلال، خضعتُ للعلاج بالصدمات الكهربائية لأني أردت أن أنسى بعض الأمور المؤلمة جدًا.""رغم أن دفتر الملاحظات سجّل بعض المقاطع، إلا أنها بالنسبة لي كقصة شخص آخر من حياة سابقة. لا أشعر بالحب الذي تتحدث عنه، ولا بالكراهية التي تتحدث عنها."توقفت لحظة، ونظرت إلى أضواء النزل الدافئة البعيدة، فأصبح صوتها ناعمًا وحازمًا:"أنا سعيدة جدًا الآن. منصور يعاملني بلطف كبير، وهذه الحياة تمنحني الهدوء والرضا. هذا كل ما أريده.""لذلك...أرجوك أن تتركني."استدارت ونظرت إليه بعينين صافيتين:"لا تحاول إيقاظ تلك الذكريات بعد الآن. حتى لو تذكرتُ، فإن تلك الآلام ستعود معها. هل تريد لي ذلك؟"كأن جلال أصيب بصاعقة.هل يريدها أن تتذكر؟أن تتذكر خيانته، ومكائد جمانة، وتلك الأيام الوحيدة في المستشفى، وذلك العلاج بالصدمات الكهربائية اللعين الذي وافق عليه بيده...لا. كيف يمكن أن يكون بهذه الأنانية؟نظر إليها الآن، وقد عاد النور إلى عينيها أخيرًا، والابت

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 23

    نظرت سهى إليه، وعيناها صافيتان، لكنهما تحملان مسافة واضحة.هزّت رأسها بلطف، وقالت بنبرة هادئة تكاد تكون قاسية:"يا سيد، أظن أنك أخطأت في الشخص. أنا لا أعرفك."ثم توقفت لحظة وأضافت:"علاوة على ذلك، هذا هو بيتي، ولن أذهب إلى أي مكان آخر."كان ذلك النداء البسيط "يا سيد" كأنه إبرتان باردتان تغرسان في قلب جلال.هي لا تعرفه...هي تقول إن هذا هو بيتها...اجتاحه يأس وذعر هائلان كالمدّ. بعد أن بحث عنها بكل ما أوتي من قوة، وتحمّل عذابًا يشبه الجحيم، وبعد أن وجدها أخيرًا، لم يحصل إلا على هذه الكلمات الباردة: "لا أعرفك".مدّ منصور يده وأحاط بكتف سهى بلطف، ثم قال لجلال أمرًا بالمغادرة:"يا سيد، إذا لم تكن هنا للإقامة، فالرجاء عدم إزعاج ضيوفي و...خطيبتي."خطيبتي...اهتز جسد جلال بعنف، وأصبح وجهه شاحبًا كاللون الأبيض في لحظة.حدّق في سهى بشدة، يبحث عن أي أثر للتمويه على وجهها، لكنه رأى فقط أنها اقتربت قليلاً من منصور، بثقة واعتماد كاملين.جاء، ليكتشف أنه خرج من المنافسة منذ زمن طويل.بل نُسي تمامًا وبلا رجعة.كان هواء مدينة الزمرد الخريفي البارد في هذه اللحظة كالسّكين، يشقّ أنفاسه ويحطم الهدوء الذي نا

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 22

    كانت علاقة سهى ومنصور مثل ربيع مدينة الزمرد. ذاب الجليد وعادت الحياة إلى كل شيء، وجاء كل شيء بشكل طبيعي ودافئ.لم يكن هناك اعتراف صاخب أو إعلان يهزّ العالم. فقط في مساء هادئ عند الغروب، بعد أن عادا معًا من تفقد مسار المشي الجديد الذي أنشآه، أمسك منصور يدها بعفوية. توقفت سهى للحظة، ثم هدأت، وشدت على يده بدورها.كانت حرارة أصابعهما المتشابكة تقول ما عجزت كل الكلمات عن قوله.منذ ذلك اليوم، بدت الأيام كأنها مغموسة في العسل.كانا يديران النزل معًا، ويخططان للمسارات السياحية، ويستقبلان الضيوف من كل مكان.في أوقات الفراغ، كان منصور يقودها على الدراجة النارية إلى أعماق المروج لرؤية الزهور البرية المتفتحة؛أو عندما تنهمك في العمل على المكتب، يضع بصمت كوب شاي الزهور العطرية الذي تحبه.ازدادت الابتسامات على وجه سهى، وذلك الاسترخاء والسعادة النابعان من أعماق القلب جعلاها تتألق بنور ناعم.كانت تكاد تنسى ذلك الماضي المغطى بالضباب. وُضع دفتر الملاحظات في قاع الصندوق، وتراكم عليه الغبار. مدينة الزمرد، ونور الشمال، ومنصور...شكّلوا حاضرها كله، الحقيقي والسعيد.حتى ذلك اليوم بعد الظهر.بعد مطر خريفي، كان

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 21

    مع الزيادة المفاجئة في أعداد الزوار وتصاعد الاهتمام، أصبحت سهى ومنصور بحاجة إلى تعاون أكثر قربًا.كانا يناقشان معًا كيفية تحسين الخدمة، وكيفية التعامل مع مقابلات الإعلام، وكيفية تلبية احتياجات المزيد من السياح مع الحفاظ على طابع النزل الخاص.مع مرور الأيام في العمل والحياة اليومية، كانت سهى تشعر بوضوح أن منصور لم يعد يخفي مشاعره تجاهها كما كان من قبل.كان يعرف أن معدتها حساسة، فيُدفئ لها كوب حليب كل صباح بصمت؛وكان عندما تسهر لترتيب الوثائق، يضع بهدوء مصباحًا مريحًا للعين وفاكهة مقطعة إلى جانبها؛وعندما كان السياح يمازحونهما قائلين: "صاحب النزل وزوجته مناسبان جدًا!"، كان منصور يحمرّ خجلًا، لكنه لا يجيب، بل يكتفي بأن يلقي عليها نظرة خاطفة.كانت هذه المشاعر دفئًا بسيطًا ومباشرًا ومستمرًا مع مرور الوقت.قلب سهى الذي كان متجمدًا بدأ يذوب ببطء، قطعة بعد قطعة، تحت شمس مدينة الزمرد النقية وثلوجها الصافية، وتحت اهتمام منصور العفوي والصادق.وجدت نفسها تتطلع كل صباح إلى رؤية صورته وهو منشغل بالعمل، وتشعر بتموجات حلوة خفيفة في قلبها عندما يبتسمان لبعضهما بعد أن ينجزا عملًا بانسجام.لم تعد تقاوم،

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 20

    حدثت نقطة التحول في أواخر الخريف.في تلك السنة، شهدت مدينة الزمرد ظاهرة شفق قطبي استثنائية لم تشهدها المنطقة منذ عقود.كانت أشرطة الضوء الخضراء والبنفسجية ترقص في سماء الليل كأنها لوحة من عالم الأحلام.اغتنمت سهى الفرصة دون تردد.عملت ليل نهار، وأعدت نصوصًا ومواد فيديو ترويجية تحت عنوان "البحث عن شفق الشمال"، وتواصلت مع مدوني السفر الذين سبق أن تعاونت معهم، فحوّلت نزل "نور الشمال" إلى وجهة مثالية لمشاهدة الشفق القطبي."تعالوا إلى نور الشمال، واستلقِ على سريرك لتشاهد الشفق!" — شعار مليء بالإغراء.في لحظة، توافدت إلى البلدة الهادئة أعداد كبيرة من السياح الباحثين عن الشفق.أما نزل "نور الشمال"، الذي كان قد استعد لهذه الموجة جيدًا، فقد امتلأ تقريبًا كل يوم، وامتدت قائمة الحجوزات لشهرين قادمين.كان منصور منشغلًا طوال الوقت حتى كاد لا يجد لحظة لالتقاط أنفاسه، وسهى تدير كل شيء من الداخل والخارج: من استقبال الضيوف إلى تخطيط الأنشطة، وحتى الطبخ أحيانًا عندما ينقص الموظفون.كانت مشغولة، لكن وجهها يحمل احمرارًا صحيًا، وعيناها لامعتان. كان ذلك شعورًا عميقًا بالرضا بعد أن وجدت قيمتها الذاتية.بعد ا

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 19

    كانت سماء مدينة الزمرد زرقاء صافية ورحبة على نحو لم تره سهى من قبل.كان الهواء يحمل عبق الصنوبر المنعش ورائحة التراب العطرة، مختلفًا تمامًا عن رائحة عوادم المدن الكبيرة والخرسانة والحديد.استأجرت منزلًا قديمًا بفناء صغير على أطراف البلدة الصغيرة. كان في الفناء شجرة بتولا بيضاء عتيقة.كل صباح، كانت تستيقظ على أصوات الطيور، وعندما تفتح النافذة ترى الجبال البعيدة ذات اللون الضبابي الداكن.تعلّمت من أهل البلدة الذهاب إلى السوق لشراء الخضروات الطازجة، وتطبخ بنفسها، وأحيانًا تتعلم من الجارات كيفية تخليل الخضروات بالطريقة المحلية وخياطة البطانيات القطنية السميكة.كانت تقلب دفتر الملاحظات أحيانًا، لكن تلك الذكريات عن "جلال" و"جمانة" كانت تبدو كقصة غريبة، لا تثير في قلبها سوى تموجات خفيفة.كان العلاج بالصدمات الكهربائية كمحاية ناعمة، طمست تلك الآلام الحادة، ولم تترك سوى آثار باهتة.كانت تحب هذا الهدوء كثيرًا.لم تعد مضطرة إلى التضحية من أجل أحد، ولا أن تخشى أن يتخلى عنها أحد، ولا أن تعيش في المقارنات والحقد.شعرت وكأن طبيعة مدينة الزمرد الصافية قد غسلت قلبها، فأصبح واسعًا وهادئًا.وكثيرًا ما كا

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status