Compartir

3

last update Fecha de publicación: 2026-08-29 20:03:08

انتهى اللقاء الرسمي على اتفاق مبدئي بين العائلتين، لكن المعركة الحقيقية كانت قد بدأت للتو في المساحة الفاصلة بين رائد وأسيل.

بعد مغادرة الأهل إلى الحديقة الخارجية لمناقشة التفاصيل المالية والترتيبات، استغل رائد الفرصة وانفرد بأسيل في الصالون الداخلي. وقف يسند ظهره إلى المكتبة الخشبية الضخمة، يد في جيبه والأخرى تعبث بساعته، يتأملها بنظرات فاحصة ومستفزة.

كسرت أسيل الصمت وهي تطوي ذراعيها أمام صدرها:

"إذا كنت تظن أن أزمة والدي المالية جعلتك تملك اللعبة، فأنت تسيء فهم المشهد يا بشمهندس."

خطا رائد نحوها بخطوات بطيئة وحاسمة، حتى أصبحت الفاصلة بينهما مجرد خطوة واحدة. انخفض بجسده قليلاً ليصل لمستوى نظرتها، وقال بصوت منخفض وممتلئ بالثقة:

"أنا لا أسوء فهم المشهد أبدًا يا دكتورة.. أنا من يصممه من الأساس. والدكِ احتاج للشراكة، وأنا احتجتُ للواجهة.. والنتيجة أننا هنا الآن. الفرق الوحيد أنكِ دخلتِ مدينتي بشروطك، وأنا سأديرها بشروطي."

رفعت أسيل رأسها بكرامة ولم تتراجع خطوة واحدة للخلف:

"مدينتك هذه تنتهي عند عتبة حياتي الشخصية. الزواج بالنسبة لي صفقة حماية لشركة أبي، وبالنسبة لك صفقة واجهة.. إذن لا تتدخل في مواعيدي، ولا في عملي، ولا تحاول ممارسة دور الزوج المطاع، لأنني لستُ واحدة من موظفيك."

ابتسم رائد ابتسامة جانبية حادة، فيها مزيج من الإعجاب المكتوم والتحدي:

"نبرة قوية.. يعجبني أنكِ لا تستسلمين بسهولة. لكنكِ تنسين أنني مهندس معماري؛ عملي بالكامل قائم على هدم الجدران الضعيفة وإعادة إقامتها كما أريد. سنرى كم ستصمد هذه الشروط أمام الواقع."

ردت بابتسامة أكثر جفافًا وسخرية:

"وأنا جراحة عظام يا رائد.. عملي قائم على التعامل مع الكسور الصعبة وإعادتها لمكانها بقسوة دون أن أطرف عيني."

مرت الأسابيع سريعة وتحدد موعد الزفاف الذي أراده رائد ضخمًا ومهيبًا يتصدر وسائل الإعلام، بينما أصرت أسيل على أن يكون حضورها فيه مجرد واجب ثقيل تؤديه.

في ليلة الزفاف، وبعد انتهاء مراسم الحفل الفخم، وصلا إلى القصر الخاص برائد في أطراف المدينة. قصر هادئ، طرازه حديث وأنيق، يعكس تمامًا شخصيته الباردة والمنظمة.

ألقى رائد مفاتيحه على الطاولة الرخامية في البهو، والتفت إليها بعد أن خلع سترة بدلته:

"أهلاً بكِ في عالمكِ الجديد."

أسيل، التي كانت ما زالت ترتدي فستانها الأبيض لكنها خلعت حذاءها ذو الكعب العالي وتمسكه بيدها، نظرت حولها بجمود، ثم اتجهت مباشرة نحو الدرج:

"أين الغرفة المخصصة لي؟ أستأذنك، لدي جراحة دقيقة في السابعة صباحًا ولا وقت لدي للنقاشات."

توقف رائد في مكانه، يتملكه الدهشة من سرعتها وتجاهلها له في ليلتهما الأولى. قال بنبرة آمرة وهو يلحق بها عند أول الدرج:

"أسيل! نحن لم ننهِ حديثنا بعد.. ولستِ في المستشفى لتتجاهلي وجودي بهذا الشكل."

التفتت له من على الدرج، تنظر إليه من أعلى بنظرة ثاقبة:

"حديثنا انتهى يوم اتفقنا على الصفقة يا رائد. أنت حصلت على الصورة التي أردتها أمام الصحافة والعائلة، وأنا ذهبت لإنقاذ عملي وأبي.. أما بقية التفاصيل، فليست ضمن العقد."

قالت كلماتها ودخلت الغرفة وأغلقت الباب بهدوء مريب، تاركة رائد يقف في البهو الواسع وحديثه معلق في الهواء، يغلي من الداخل لأول مرة في حياته بسبب امرأة لم تكتفِ بعدم الانبهار به، بل جعلت السيطرة عليها شبه مستحيلة.

استيقظ رائد في السادسة صباحًا كعادته، لكن البيت لم يكن كعادته. صمت مطبق يخيم على الممرات. ارتدى قميصه الأبيض وهو ينزل السلم متوقعًا أن يجد أسيل تحضر نفسها للمغادرة، لكنه فوجئ بالخادمة تبلغه بأن "الدكتورة غادرت القصر في الخامسة والنصف بسيارتها الخاصة لتلحق بموعد العمليات".

في تلك اللحظة، شعر رائد بشيء يتجاوز حدود الضيق؛ كانت هذه أول مرة يستيقظ فيها ليمارس شخص آخر سلطة القرار والتوقيت في مساحته الخاصة.

في المستشفى، كانت أسيل تخوض جراحة معقدة لكسر مضاعف استغرقت أربع ساعات متواصلة. خرجت من غرفة العمليات مجهدة، لتفاجأ بمدير المستشفى يركض نحوها بعصبية:

"دكتورة أسيل! المهندس رائد في مكتب الإدارة، ويريد الاطلاع على سجل التجهيزات الخاص بقسم العظام فورًا."

قبضت أسيل على سماعتها الطبية بغضب مكتوم. تعرف أنه لا يهتم بالتجهيزات، بل جاء ليفرض وجوده في ملعبها.

خلعت معطفها الطبي وتوجهت بخطوات حاسمة نحو مكتب الإدارة. فتحت الباب دون طرق.

كان رائد يجلس على المقعد الرئيسي خلف المكتب، يجري مكالمة هاتفية، بينما يحيط به اثنان من مهندسي شركته. أشار لها بيده كي تنتظر حتى ينهي مكالمته، لكنها لم تمنحه هذه اللذة.

تقدمت بخطوات واثقة، وضعت يديها على الطاولة وأطلت بوجهها أمامه مباشرة:

"سيد رائد، هذا قسم جراحة، وليس موقع بناء لتتفقده برفقة مهندسيك في أوقات عملي."

أنهى رائد المكالمة ببرود تام، ثم أشار للمهندسين بالخروج وأغلق الباب خلفهما. وقف واقترب منها حتى لم تفصل بينهما سوى مسافة نَفَس:

"أنا مساهم بنسبة ثلاثين بالمئة في هذا الصرح يا دكتورة، ومن حقي تفقد أملاكي في أي وقت أريد.. أم أنكِ نسيتِ أن المبنى الذي تقفين فيه من تصميمي وتنفيذي؟"

ردت أسيل بنظرة تحدٍّ نارية، ولم تتراجع ملليمترًا واحدًا:

"أنت تصمم الحوائط والأعمدة يا رائد.. لكن أنا من ينقذ حياة البشر داخلها. في هذا المبنى، سلطتك تتوقف عند حدود خرسانتك، وأنا هنا من يقرر كيف يسير العمل."

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • كرهته حتي اشتهيته    11

    مرت تلك الليلة كشواظٍ ناري يغلي تحت جدران الصمت. خرجت أسيل من المكتب المظلم وأنفاسها متهدجة، تلمس موضع نبضها في عنقها حيث انطبعت شفتياه الحارتان، محاولة استعادة مشرط عقلها الذي خانه الذهول أمام سلطانه. كانت تدرك أن رائد الراوي ليس مجرد شريك فرضته الظروف أو زواجٌ صوري كُتب على أوراق عائلتيهما الميسورتين لحماية الأسهم؛ بل هو رجل يملك نفوذاً يطال أعتى الهيئات، وتصل سلطته إلى أبعد التفاصيل دون أن يعوقه عائق.في الصباح التالي، وصلت أسيل إلى المستشفى في تمام الساعة الثامنة. كانت عيناها تشعان بصلابة حادة، محاطة بسياج من البرود المهني لترميم الكبرياء الجريح. دخلت مكتبها، لكنها لم تجد الزهور البيضاء هذه المرة، بل وجدت الصندوق الذهبي الخاص بمعامل تحاليل الأنسجة الرقمية قد عاد من هيئة الترقية الدولية مرفوقاً بختم واعتماد فوري لم تكن تتوقعه قبل شهور.بجوار الملف، كانت هناك ورقة ناصعة البياض خالية من أي توقيع رسمي، كُتب عليها بمرسمة رائد ذات الخط الحاد:*«سلطتي لا تُستخدم لامتلاككِ يا دكتورة... بل لتوفير العرش الذي تستحقينه لتخوضي معي المعركة بكامل قوتكِ. أوراق الاعتماد اكتملت بفضل نفوذ المجموعة،

  • كرهته حتي اشتهيته    10

    كانت القبلة المطبوعة على ظهر يدها أمام أضواء المدينة بمثابة هدنة مؤقتة، لكنها لم تكن قط إعلاناً للاستسلام الكامل. فأسيل ، الطبيبة التي اعتادت تشريح المشاعر بمشرط العقل، سرعان ما سحبت يدها ببطء وثبات من بين أصابع رائد ، محاولة إعادة إقامة الجدار البارد الذي يحمي كبرياءها.تأملها رائد بعينين داكنتين تلمعان بتحدٍّ صامت؛ كان يعلم أن ما حدث في القاعة رفعها إلى مرتبة الشريكة، لكنه في الوقت ذاته أشعل في أسرارها خيطاً من الرعب... الرعب من أن تذوب حدودها كلياً في سلطانه."المعركة في مجلس الإدارة انتهت يا بشمهندس," قالت أسيل بنبرة رسمية استعادت نبرتها الجليدية، وهي تتفادى النظرة الحارقة في عينيه: "والآن عليّ العودة لمتابعة الحالات الحرج في قسم الجراحة."استدارت بخطوات متزنة ورنانة وغادرت القاعة، تترك خلفها عبيراً يخلط بين رائحة التعقيم العطرية وشذى أنثوي ساحر، يثير في صدر رائد رغبة جامحة في كسر هذا الكبرياء وإخضاع هذه الندّية الشامخة.في الصباح التالي، تلقت أسيل في مكتبها بالمستشفى باقة ضخمة من الزهور البيضاء النادرة، يلتف حولها شريط مخملي أسود. سحبت البطاقات المرفقة ببطء، لتقرأ بخط يده القاطع:

  • كرهته حتي اشتهيته    9

    دخلت كارما برفقة مستشاريها القانونيين والماليين، توزع ابتسامات واثقة، وقدمت إلى المجلس ملفاً ضخماً يتضمن عرضاً بديداً لتسريع توريد أجهزة التشخيص الرقمية، بشرط أن تتولى شركتها إدارة تشغيل القطاع الجراحي بالكامل وتحديد الأطقم الطبية المشرفة، مستغلة في ذلك بنوداً قديمة في شراكة عائلتها التاريخية مع مؤسسة رائد.​وقفت كارما عند شاشة العرض، وقالت بنبرة ناعمة ولكنها مسمومة بالتحدي المستتر:"العرض لا يكتفي بتوفير التمويل الكامل يا سيادة الأعضاء، بل يضمن نقل الخيرة الأجنبية فوراً، شريطة أن نضمن أعلى درجات التحكم الإداري لضمان أرباحنا. وأظن أن هذا يصب في مصلحة القلعة الاستثمارية التي بناها والد المهندس رائد."​ارتفعت الهمسات بين بعض أعضاء المجلس المستحسنين للفكرة المادية السريعة، وتطلعت كارما بنظرة ذات مغزى نحو أسيل، محاولة إظهارها في مظهر الطبيبة الشابة التي تقف عائقاً أمام تدفق الملايين والتقدم المؤسسي.​لم تتحرك أسيل من مقعدها، ولم يظهر على وجهها أدنى ارتباك. نظرت بثبات نحو رائد، فرأت في عينيه إشارة ثقة قاطعة تمنحها المساحة الكاملة لإدارة المعركة بالطريقة التي تراها مناسبة.​استأذنت أسيل بال

  • كرهته حتي اشتهيته    8

    ونظر في عينيها بنبرة خفيضة تحمل مزيجاً من الاحترام والفضول الذكي: "أعجبني ثباتكِ اليوم في المكتب يا أسيل... طريقتكِ في إعادة ضبط حدود المشروع مع كارما كانت درساً في الإدارة الندّية." ​التفتت أسيل إليه، ورفعت رأسها بثبات، ينعكس بريق الثريا في حدقتيها الداكنتين: "أنا لم أستعرض مهارتي يا رائد... أنا فقط لا أسمح لأي طرف، مهما بلغ ثقل ماضيه مع عائلتك، أن يتجاوز الخطوط الفاصلة بين ما هو استثماري وما هو شخصي." ​ابتسم رائد ابتسامة جانبية ساحرة، واقترب خطوة إضافية ليتجاوز الحواجز المتبقية بينهما، متطلعاً إلى وجهها بتركيز شديد: "كارما صفحة مطوية في سجلات العمل القديمة، ولا وجود لها خارج أروقة الأرقام والصفقات. أريدكِ أن تدركي ذلك جيداً." ​ردت أسيل بنبرة هادئة ولكنها تحمل أنفة وكبرياء لا يلين: "إدراكي التام لماضيك لا يعني أنني سأترك ثغرة واحدة يمر منها أي ارتباك لبيتنا أو عملنا. الأرض الثابتة التي اتفقنا على الوقوف عليها تحتاج حماية كلينا." ​تأمل رائد كلماتها؛ كانت تلك الصلابة الذكية هي ذاتها التي جذبت روحه إليها منذ اللحظة الأولى. لم يجد أمامه امرأة تستسلم للخوف أو تنجرف وراء ال

  • كرهته حتي اشتهيته    7

    ​التفت رائد فوراً مع حركة الباب، وانقشعت السحابة الرسمية عن وجهه لتهلّ نبرة دافئة وهو ينظر إلى أسيل: "تعالي يا أسيل... كنتُ على وشك أن أرسل في طلبكِ." ​اقتربت أسيل بخطى محسوبة، ووقفت بجانب رائد مباشرة، مفسحة مساحة ناعمة من الحضور الندّي الذي يتجاوز أي رسميات. رفعت عينيها نحو كارما بابتسامة هادئة يكتنفها الشموخ: "مساء الخير." ​اتسعت ابتسامة كارما قليلاً، وتفحصت أسيل بنظرة خاطفة تحمل طابع التقييم الذكي، ثم مدّت يدها برقة: "أنتِ بالتأكيد الدكتورة أسيل... زوجة رائد. أنا كارما، شريكة قديمة لعائلته ورفيقة سنوات الدراسة في الخارج." ​تلقفت أسيل يدها بلمسة متينة وباردة، وردت بنبرة صوت صلبة وذكية: "أهلاً بكِ يا أستاذة كارما. المستشفى يسعد دائماً بالكفاءات التي تمتلك تاريخاً مع مؤسستنا." ​قالت أسيل كلمة "مؤسستنا" بنبرة هادئة ولكن قاطعة، لتضع حداً غير مرئي يوضح موقع كل طرف في اللوحة. ​لاحظ رائد الدقة المتناهية في رد أسيل، وتداخلت في عينيه لمعة إعجاب صامتة؛ فقد كانت تدافع عن مساحتها بكبرياء راقٍ ودون أدنى انفعال. ​جلس الثلاثة حول طاولة الاجتماعات الصغيرة داخل المكتب. بدأت كارما

  • كرهته حتي اشتهيته    6

    انساب الأسبوع الأول بعد تلك الليلة في مكتب رائد بإيقاع مختلف تماماً. لم تكن الهدنة مجرد كلمات قيلت فوق الفضاء المفتوح للمدينة، بل تحولت إلى واقع جديد أثبت فيه رائد قدرته العالية على "إعادة ضبط القواعد"؛ خفتت نبرة السيطرة والتملك، وحل محلها احترامٌ ناضج لمساحة أسيل وحريتها، بينما ظلت الجدران العازلة تذوب ببطء شديد تحت تأثير الصحبة الهادئة في الجناح الرئيسي. في صباح يوم الخميس، كانت أسيل تقف في ممر قسم الجراحة بالمستشفى، تراجع تقرير عمليات اليوم برفقة دكتور يوسف، رئيس قسم التجهيزات والزميل المقرب لها. كان يوسف يشرح لها التفاصيل بعقلانية متزنة، وتبتسم هي باقتضاب وهي تدون ملاحظاتها. "دكتورة أسيل، جهاز الليزر الجديد أثبت كفاءة عالية في جراحة الأمس، ودعمكِ للقرار كان صائباً جداً," قالها يوسف بنبرة عملية محترمة. ردت أسيل بثقة وهدوء: "شكراً يا يوسف، التنسيق معك يسهل الكثير من التعقيدات الإدارية." في تلك اللحظة، كان رائد يعبر الممر الزجاجي برفقة عمر، شريكه وذراعه الأيمن في إدارة المشاريع الطبية. توقفت عينا رائد على أسيل وهي تتناقش ببراعة مع يوسف. لم يتدخل ولم يظهر أي انزعاج، بل راقبها بنظ

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status