FAZER LOGINمرّ أسبوعان على ذلك اللقاء الخاطف. لم تكن أسيل تغيب عن بال رائد كليًا، لا بصفتها امرأة أثارت إعجابه، بل كعلامة استفهام مستفزة في نسق حياته المنتظم. كيف لامرأة أن تمرّ برجل في حجمه ومكانته وكأنه فراغ؟
في مكتبه الشاهق المطل على قلب المدينة، كان رائد يراجع التقرير المالي الأخير لشركة "طاهر للمقاولات". الأرقام كانت تهوي إلى الهاوية، والإفلاس يبدو مسألة أيام لا أكثر. بالنسبة لرائد، كانت الشركة صيدًا ثمينًا يمكن استحواذه ودمجه في إمبراطوريته، لكن والده الرجل العتيق الذي يؤمن بالتحالفات العائلية قبل الأرقام كان له رأي آخر. دفع والده بالملف على المكتب وقال بثبات: "طاهر رجل أصبل، وعائلته من أعرق العائلات. إنه يمر بأزمة عابرة، وحماية اسمه واجبة. الشراكة المادية وحدها لن تنقذه من نهش السوق، الحل في اندماج كامل.. والمصاهرة هي الضمان الواحيد." رفع رائد حاجبًا بواحد من أساليبه الباردة: "مصاهرة؟ هل نشتري شركات الناس بالزواج الآن يا أبي؟" "إنها ليست أي شركة، وهي ليست أي ابنة. إنها ابنة طاهر الوحيدة.. طبيبة، متزنة، ومن ثوبنا. هذا زواج يثبت أقدام العائلتين، وأنت بحاجة لزوجة تليق باسمك في المجتمع بدلًا من سيرتك التي تملأ الصحف." فكر رائد لثوانٍ. الصفقة مجدية استثماريًا، والشرط المالي في صالح شركته بالكامل. أما عن الفتاة، فلم تكن تمثل له سوى واجهة اجتماعية هادئة يمكن إدارتها بسهولة. وافق ببرود دون حتى أن يسأل عن اسمها، متأكدًا أن والده يتحدث عن "ابنة طاهر" التي سمع أنها تعمل في القطاع الطبي. في المساء نفسه، في الجانب الآخر من المدينة، كانت أسيل تقف في مكتب والدها بقميصها الأبيض المجهد بعد يوم عمل طويل. كان والدها يبدو أصغر سنًا بأعوام تحت وطأة الديون والتفديدات البنكية. امسك يدها برجفة: "أسيل.. أنا لا أطلب منكِ هذا إلا لأنني أرى شقى عمري ينهار، ورجال السوق ينتظرون سحقي. عائلة رائد هي الواحيدة القادرة على ضخ السيولة وإيقاف التنفيذ القضائي. رائد رجل مهذب، صاحب اسم ووزن، والزواج منه سيحميكِ ويحمي العائلة." نظرت أسيل لوالدها بتألم. كانت تكره الصفقات وتقتنز حريتها، لكنها تشربت منه الوفاء. لم تكن تعلم من هو "رائد" بالتحديد، فالأخبار الاقتصادية لا تستهويها، لكنها اتخذت قرارها في لحظة صمت حاسمة: "سأوافق يا أبي.. لكن بشرطي. سأنقذ اسمك، لكن لن يمتلكني أحد." جاء موعد اللقاء الرسمي في منزل والد أسيل. كان رائد يجلس في الصالون الكبير، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، يتحدث بلكنة هادئة وموزونة مع والده ووالدها حول تفاصيل الشراكة وسداد الديون. كل شيء كان يسير وفق سيناريو مدروس وممل بالنسبة له. حتى فتح باب الصالون الداخلي. دخلت أسيل وهي تحمل صينية القهوة. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا من الحرير الأسود يبرز بياض بشرتها، وشعرها الناعم مرفوع بعناية يظهر ملاقتها الحادة وشموخها المعتاد. رفعت عينيها لتلتقي بعينيه. توقفت أقدامها لكسر من الثانية. اتسعت حدقتا رائد قليلاً، وتجمد الفنجان في يده. *هي؟* هي نفسها الدكتورة التي اصطدمت به في الممر المظلم للمستشفى، التي مرت به دون أن ترمش، التي تركته واقفًا بين عدسات الصحافة دون إعلان اهتمام! ابتسم رائد ابتسامة خفيفة، أعمق هذه المرة، محملة بانتصار مكتوم وتحدٍّ استيقظ فجأة. أما أسيل، فقد انقبض حاجبها بذهول سرعان ما تحول إلى جمود صلب عندما رأت النظرة النارية والمعتدة في عينيه. اقتربت بثبات، قدمت القهوة لوالده أولاً، ثم وقفت أمامه مباشرة. نظر إليها رائد وهو يأخذ الفنجان، ودمدم بنبرة منخفضة لا يسمعها غيرها: "يبدو أن المصادفات في هذه المدينة تتمتع بحس درامي عالي يا دكتورة." ردت عليه بصوت هادئ كالحسام، وعيناها تثبتان في عينيه بثبات أرعبه: "أو ربما هي مجرد سخرية قدر.. سنعرف قادم الأيام من منا كان يلعب في ملعب الآخر."مرت تلك الليلة كشواظٍ ناري يغلي تحت جدران الصمت. خرجت أسيل من المكتب المظلم وأنفاسها متهدجة، تلمس موضع نبضها في عنقها حيث انطبعت شفتياه الحارتان، محاولة استعادة مشرط عقلها الذي خانه الذهول أمام سلطانه. كانت تدرك أن رائد الراوي ليس مجرد شريك فرضته الظروف أو زواجٌ صوري كُتب على أوراق عائلتيهما الميسورتين لحماية الأسهم؛ بل هو رجل يملك نفوذاً يطال أعتى الهيئات، وتصل سلطته إلى أبعد التفاصيل دون أن يعوقه عائق.في الصباح التالي، وصلت أسيل إلى المستشفى في تمام الساعة الثامنة. كانت عيناها تشعان بصلابة حادة، محاطة بسياج من البرود المهني لترميم الكبرياء الجريح. دخلت مكتبها، لكنها لم تجد الزهور البيضاء هذه المرة، بل وجدت الصندوق الذهبي الخاص بمعامل تحاليل الأنسجة الرقمية قد عاد من هيئة الترقية الدولية مرفوقاً بختم واعتماد فوري لم تكن تتوقعه قبل شهور.بجوار الملف، كانت هناك ورقة ناصعة البياض خالية من أي توقيع رسمي، كُتب عليها بمرسمة رائد ذات الخط الحاد:*«سلطتي لا تُستخدم لامتلاككِ يا دكتورة... بل لتوفير العرش الذي تستحقينه لتخوضي معي المعركة بكامل قوتكِ. أوراق الاعتماد اكتملت بفضل نفوذ المجموعة،
كانت القبلة المطبوعة على ظهر يدها أمام أضواء المدينة بمثابة هدنة مؤقتة، لكنها لم تكن قط إعلاناً للاستسلام الكامل. فأسيل ، الطبيبة التي اعتادت تشريح المشاعر بمشرط العقل، سرعان ما سحبت يدها ببطء وثبات من بين أصابع رائد ، محاولة إعادة إقامة الجدار البارد الذي يحمي كبرياءها.تأملها رائد بعينين داكنتين تلمعان بتحدٍّ صامت؛ كان يعلم أن ما حدث في القاعة رفعها إلى مرتبة الشريكة، لكنه في الوقت ذاته أشعل في أسرارها خيطاً من الرعب... الرعب من أن تذوب حدودها كلياً في سلطانه."المعركة في مجلس الإدارة انتهت يا بشمهندس," قالت أسيل بنبرة رسمية استعادت نبرتها الجليدية، وهي تتفادى النظرة الحارقة في عينيه: "والآن عليّ العودة لمتابعة الحالات الحرج في قسم الجراحة."استدارت بخطوات متزنة ورنانة وغادرت القاعة، تترك خلفها عبيراً يخلط بين رائحة التعقيم العطرية وشذى أنثوي ساحر، يثير في صدر رائد رغبة جامحة في كسر هذا الكبرياء وإخضاع هذه الندّية الشامخة.في الصباح التالي، تلقت أسيل في مكتبها بالمستشفى باقة ضخمة من الزهور البيضاء النادرة، يلتف حولها شريط مخملي أسود. سحبت البطاقات المرفقة ببطء، لتقرأ بخط يده القاطع:
دخلت كارما برفقة مستشاريها القانونيين والماليين، توزع ابتسامات واثقة، وقدمت إلى المجلس ملفاً ضخماً يتضمن عرضاً بديداً لتسريع توريد أجهزة التشخيص الرقمية، بشرط أن تتولى شركتها إدارة تشغيل القطاع الجراحي بالكامل وتحديد الأطقم الطبية المشرفة، مستغلة في ذلك بنوداً قديمة في شراكة عائلتها التاريخية مع مؤسسة رائد.وقفت كارما عند شاشة العرض، وقالت بنبرة ناعمة ولكنها مسمومة بالتحدي المستتر:"العرض لا يكتفي بتوفير التمويل الكامل يا سيادة الأعضاء، بل يضمن نقل الخيرة الأجنبية فوراً، شريطة أن نضمن أعلى درجات التحكم الإداري لضمان أرباحنا. وأظن أن هذا يصب في مصلحة القلعة الاستثمارية التي بناها والد المهندس رائد."ارتفعت الهمسات بين بعض أعضاء المجلس المستحسنين للفكرة المادية السريعة، وتطلعت كارما بنظرة ذات مغزى نحو أسيل، محاولة إظهارها في مظهر الطبيبة الشابة التي تقف عائقاً أمام تدفق الملايين والتقدم المؤسسي.لم تتحرك أسيل من مقعدها، ولم يظهر على وجهها أدنى ارتباك. نظرت بثبات نحو رائد، فرأت في عينيه إشارة ثقة قاطعة تمنحها المساحة الكاملة لإدارة المعركة بالطريقة التي تراها مناسبة.استأذنت أسيل بال
ونظر في عينيها بنبرة خفيضة تحمل مزيجاً من الاحترام والفضول الذكي: "أعجبني ثباتكِ اليوم في المكتب يا أسيل... طريقتكِ في إعادة ضبط حدود المشروع مع كارما كانت درساً في الإدارة الندّية." التفتت أسيل إليه، ورفعت رأسها بثبات، ينعكس بريق الثريا في حدقتيها الداكنتين: "أنا لم أستعرض مهارتي يا رائد... أنا فقط لا أسمح لأي طرف، مهما بلغ ثقل ماضيه مع عائلتك، أن يتجاوز الخطوط الفاصلة بين ما هو استثماري وما هو شخصي." ابتسم رائد ابتسامة جانبية ساحرة، واقترب خطوة إضافية ليتجاوز الحواجز المتبقية بينهما، متطلعاً إلى وجهها بتركيز شديد: "كارما صفحة مطوية في سجلات العمل القديمة، ولا وجود لها خارج أروقة الأرقام والصفقات. أريدكِ أن تدركي ذلك جيداً." ردت أسيل بنبرة هادئة ولكنها تحمل أنفة وكبرياء لا يلين: "إدراكي التام لماضيك لا يعني أنني سأترك ثغرة واحدة يمر منها أي ارتباك لبيتنا أو عملنا. الأرض الثابتة التي اتفقنا على الوقوف عليها تحتاج حماية كلينا." تأمل رائد كلماتها؛ كانت تلك الصلابة الذكية هي ذاتها التي جذبت روحه إليها منذ اللحظة الأولى. لم يجد أمامه امرأة تستسلم للخوف أو تنجرف وراء ال
التفت رائد فوراً مع حركة الباب، وانقشعت السحابة الرسمية عن وجهه لتهلّ نبرة دافئة وهو ينظر إلى أسيل: "تعالي يا أسيل... كنتُ على وشك أن أرسل في طلبكِ." اقتربت أسيل بخطى محسوبة، ووقفت بجانب رائد مباشرة، مفسحة مساحة ناعمة من الحضور الندّي الذي يتجاوز أي رسميات. رفعت عينيها نحو كارما بابتسامة هادئة يكتنفها الشموخ: "مساء الخير." اتسعت ابتسامة كارما قليلاً، وتفحصت أسيل بنظرة خاطفة تحمل طابع التقييم الذكي، ثم مدّت يدها برقة: "أنتِ بالتأكيد الدكتورة أسيل... زوجة رائد. أنا كارما، شريكة قديمة لعائلته ورفيقة سنوات الدراسة في الخارج." تلقفت أسيل يدها بلمسة متينة وباردة، وردت بنبرة صوت صلبة وذكية: "أهلاً بكِ يا أستاذة كارما. المستشفى يسعد دائماً بالكفاءات التي تمتلك تاريخاً مع مؤسستنا." قالت أسيل كلمة "مؤسستنا" بنبرة هادئة ولكن قاطعة، لتضع حداً غير مرئي يوضح موقع كل طرف في اللوحة. لاحظ رائد الدقة المتناهية في رد أسيل، وتداخلت في عينيه لمعة إعجاب صامتة؛ فقد كانت تدافع عن مساحتها بكبرياء راقٍ ودون أدنى انفعال. جلس الثلاثة حول طاولة الاجتماعات الصغيرة داخل المكتب. بدأت كارما
انساب الأسبوع الأول بعد تلك الليلة في مكتب رائد بإيقاع مختلف تماماً. لم تكن الهدنة مجرد كلمات قيلت فوق الفضاء المفتوح للمدينة، بل تحولت إلى واقع جديد أثبت فيه رائد قدرته العالية على "إعادة ضبط القواعد"؛ خفتت نبرة السيطرة والتملك، وحل محلها احترامٌ ناضج لمساحة أسيل وحريتها، بينما ظلت الجدران العازلة تذوب ببطء شديد تحت تأثير الصحبة الهادئة في الجناح الرئيسي. في صباح يوم الخميس، كانت أسيل تقف في ممر قسم الجراحة بالمستشفى، تراجع تقرير عمليات اليوم برفقة دكتور يوسف، رئيس قسم التجهيزات والزميل المقرب لها. كان يوسف يشرح لها التفاصيل بعقلانية متزنة، وتبتسم هي باقتضاب وهي تدون ملاحظاتها. "دكتورة أسيل، جهاز الليزر الجديد أثبت كفاءة عالية في جراحة الأمس، ودعمكِ للقرار كان صائباً جداً," قالها يوسف بنبرة عملية محترمة. ردت أسيل بثقة وهدوء: "شكراً يا يوسف، التنسيق معك يسهل الكثير من التعقيدات الإدارية." في تلك اللحظة، كان رائد يعبر الممر الزجاجي برفقة عمر، شريكه وذراعه الأيمن في إدارة المشاريع الطبية. توقفت عينا رائد على أسيل وهي تتناقش ببراعة مع يوسف. لم يتدخل ولم يظهر أي انزعاج، بل راقبها بنظ







