Compartir

2

last update Fecha de publicación: 2026-08-29 20:02:11

مرّ أسبوعان على ذلك اللقاء الخاطف. لم تكن أسيل تغيب عن بال رائد كليًا، لا بصفتها امرأة أثارت إعجابه، بل كعلامة استفهام مستفزة في نسق حياته المنتظم. كيف لامرأة أن تمرّ برجل في حجمه ومكانته وكأنه فراغ؟

في مكتبه الشاهق المطل على قلب المدينة، كان رائد يراجع التقرير المالي الأخير لشركة "طاهر للمقاولات". الأرقام كانت تهوي إلى الهاوية، والإفلاس يبدو مسألة أيام لا أكثر. بالنسبة لرائد، كانت الشركة صيدًا ثمينًا يمكن استحواذه ودمجه في إمبراطوريته، لكن والده الرجل العتيق الذي يؤمن بالتحالفات العائلية قبل الأرقام كان له رأي آخر.

دفع والده بالملف على المكتب وقال بثبات:

"طاهر رجل أصبل، وعائلته من أعرق العائلات. إنه يمر بأزمة عابرة، وحماية اسمه واجبة.

الشراكة المادية وحدها لن تنقذه من نهش السوق، الحل في اندماج كامل.. والمصاهرة هي الضمان الواحيد."

رفع رائد حاجبًا بواحد من أساليبه الباردة:

"مصاهرة؟ هل نشتري شركات الناس بالزواج الآن يا أبي؟"

"إنها ليست أي شركة، وهي ليست أي ابنة. إنها ابنة طاهر الوحيدة.. طبيبة، متزنة، ومن ثوبنا. هذا زواج يثبت أقدام العائلتين، وأنت بحاجة لزوجة تليق باسمك في المجتمع بدلًا من سيرتك التي تملأ الصحف."

فكر رائد لثوانٍ. الصفقة مجدية استثماريًا، والشرط المالي في صالح شركته بالكامل. أما عن الفتاة، فلم تكن تمثل له سوى واجهة اجتماعية هادئة يمكن إدارتها بسهولة. وافق ببرود دون حتى أن يسأل عن اسمها، متأكدًا أن والده يتحدث عن "ابنة طاهر" التي سمع أنها تعمل في القطاع الطبي.

في المساء نفسه، في الجانب الآخر من المدينة، كانت أسيل تقف في مكتب والدها بقميصها الأبيض المجهد بعد يوم عمل طويل. كان والدها يبدو أصغر سنًا بأعوام تحت وطأة الديون والتفديدات البنكية.

امسك يدها برجفة:

"أسيل.. أنا لا أطلب منكِ هذا إلا لأنني أرى شقى عمري ينهار، ورجال السوق ينتظرون سحقي. عائلة رائد هي الواحيدة القادرة على ضخ السيولة وإيقاف التنفيذ القضائي. رائد رجل مهذب، صاحب اسم ووزن، والزواج منه سيحميكِ ويحمي العائلة."

نظرت أسيل لوالدها بتألم. كانت تكره الصفقات وتقتنز حريتها، لكنها تشربت منه الوفاء. لم تكن تعلم من هو "رائد" بالتحديد، فالأخبار الاقتصادية لا تستهويها، لكنها اتخذت قرارها في لحظة صمت حاسمة:

"سأوافق يا أبي.. لكن بشرطي. سأنقذ اسمك، لكن لن يمتلكني أحد."

جاء موعد اللقاء الرسمي في منزل والد أسيل.

كان رائد يجلس في الصالون الكبير، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، يتحدث بلكنة هادئة وموزونة مع والده ووالدها حول تفاصيل الشراكة وسداد الديون. كل شيء كان يسير وفق سيناريو مدروس وممل بالنسبة له.

حتى فتح باب الصالون الداخلي.

دخلت أسيل وهي تحمل صينية القهوة. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا من الحرير الأسود يبرز بياض بشرتها، وشعرها الناعم مرفوع بعناية يظهر ملاقتها الحادة وشموخها المعتاد.

رفعت عينيها لتلتقي بعينيه.

توقفت أقدامها لكسر من الثانية. اتسعت حدقتا رائد قليلاً، وتجمد الفنجان في يده.

*هي؟*

هي نفسها الدكتورة التي اصطدمت به في الممر المظلم للمستشفى، التي مرت به دون أن ترمش، التي تركته واقفًا بين عدسات الصحافة دون إعلان اهتمام!

ابتسم رائد ابتسامة خفيفة، أعمق هذه المرة، محملة بانتصار مكتوم وتحدٍّ استيقظ فجأة. أما أسيل، فقد انقبض حاجبها بذهول سرعان ما تحول إلى جمود صلب عندما رأت النظرة النارية والمعتدة في عينيه.

اقتربت بثبات، قدمت القهوة لوالده أولاً، ثم وقفت أمامه مباشرة.

نظر إليها رائد وهو يأخذ الفنجان، ودمدم بنبرة منخفضة لا يسمعها غيرها:

"يبدو أن المصادفات في هذه المدينة تتمتع بحس درامي عالي يا دكتورة."

ردت عليه بصوت هادئ كالحسام، وعيناها تثبتان في عينيه بثبات أرعبه:

"أو ربما هي مجرد سخرية قدر.. سنعرف قادم الأيام من منا كان يلعب في ملعب الآخر."

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • كرهته حتي اشتهيته    255

    «أريد تقريرًا واضحًا خلال يومين، لا قائمة احتمالات جديدة.»ابتسم آدم. «سأحاول أن أجعل الاحتمالات تلتزم بالموعد هذه المرة.»ضحك عمر وهو يجمع أوراقه، ثم قال: «يبدو أن الإدارة كلها أصبحت تتحدث عن الخطط الواقعية. من أين جاءت هذه العدوى؟»أجاب رائد وهو يعود إلى مكتبه: «من طبيبة أعرفها جيدًا، ولا تسمح لي بإعطاء وعود لا أستطيع الوفاء بها.»---في المساء، عادت أسيل إلى المنزل لتجد سيف يتحدث عبر الهاتف مع مهندس وافق على مراجعة مشروعه، بينما كانت ليان ترتب أوراق عرضها المدرسي. لم يتوقف أي منهما عن العمل لمجرد وصولها، ولم تشعر هي بأنها مطالبة بمتابعة كل خطوة. وضعت حقيبتها جانبًا، وذهبت لتبدل ملابسها، ثم عادت لتجلس معهما.أنهى سيف المكالمة وقال: «المهندس أعجبته الفكرة الأساسية، لكنه طلب مني أن أختبر التصميم في ظروف مختلفة. قال إن الرسم وحده لا يكفي لإثبات أن النظام سيعمل كما أتوقع.»ابتسمت أسيل. «وهل كنت تتوقع أن يقول لك إن كل شيء ممتاز؟»«كنت أتمنى ذلك، لكنني أعرف أنه محق. سأعيد الحسابات وأختبر أكثر من احتمال.»قالت ليان وهي ترفع إحدى أوراقها: «هذا يشبه ما قلته لي عن مشروع المناعة. لا يكفي أن تك

  • كرهته حتي اشتهيته    254

    وصلت أسيل إلى المستشفى في صباح اليوم التالي، فوجدت ميرا تنتظرها أمام قاعة الاجتماعات، تحمل ملفًا وتبدو عليها حماسة تحاول إخفاءها.قالت أسيل وهي تخلع معطفها: «من نظرة وجهك، إما أنك اكتشفتِ حلًا لمشكلة قديمة، أو أنك جئتِ بمشكلة جديدة تمامًا.»ضحكت ميرا. «أتمنى أن يكون الأمر الأول. أحد الأطباء المتدربين اقترح تعديلًا على برنامج المحاكاة، وقد اختبرناه على مجموعة صغيرة. النتائج الأولية أفضل مما توقعنا.»أخذت أسيل الملف وبدأت تقرأ. كان الاقتراح يقوم على تقسيم المتدربين إلى فرق تتبادل الأدوار؛ فريق يتعامل مع الحالة، وآخر يراقب القرارات ويوثق الأخطاء، ثم يتبادلان المواقع لتحليل طريقة التفكير بدلًا من الاكتفاء بمعرفة الإجابة الصحيحة.رفعت أسيل عينيها. «الفكرة جيدة، لكن كيف تأكدتم أن التحسن ليس نتيجة اختلاف مستوى المتدربين بين المجموعتين؟»أجابت ميرا: «لم نتأكد بعد. لذلك أعددنا مقارنة أوسع، ونريد موافقتك على تنفيذها خلال الأسبوع المقبل.»ابتسمت أسيل. «هذه إجابة أحبها أكثر من أي رقم مبهر بلا تفسير. أضيفوا معايير واضحة للتقييم، وسجلوا النتائج التي لا تؤيد فرضيتكم أيضًا. إذا نجحت الفكرة بعد الاختب

  • كرهته حتي اشتهيته    253

    أما ليان، فكانت قد رتبت أوراق مشروعها عن جهاز المناعة، لكنها جاءت هذه المرة لتطلب من أسيل مراجعة العرض الذي أعدته بنفسها.قالت وهي تمد إليها الأوراق: «أريد رأيك في المعلومات، وليس أن تعيدي كتابة المشروع كله.»ضحكت أسيل. «هل اتفقتما أنت وسيف على هذه الشروط؟»أجاب سيف دون أن يرفع عينيه عن الرسومات: «نحن نحاول حماية أنفسنا من الخبرة الزائدة.»«وقلة التقدير أيضًا»، أضافت ليان، فضحك الجميع.راجعت أسيل المعلومات مع ابنتها، وأشارت إلى موضع يحتاج إلى توضيح، ثم تركتها تعيد صياغته بنفسها. وبعد قليل، أعلنت ليان أنها انتهت، وجمعت أوراقها بثقة واضحة.قالت: «أظن أنني أصبحت جاهزة.»«وأنا أظن أنك ستتعلمين أكثر عندما تعرضينه أمام زملائك»، أجابت أسيل.قبل أن يتفرقوا، أخبرهم رائد أن المرحلة الجديدة من مدينة السحاب ستحتاج إلى فريق من المهندسين الشباب للمشاركة في اختبارات الأنظمة، وأنه يفكر في فتح برنامج تدريب رسمي لهم بالتعاون مع الجامعات.رفع سيف رأسه فورًا. «هل يمكنني التقدم إليه؟»«إذا استوفيت الشروط، فلن تحصل على معاملة خاصة لأنك ابني.»ابتسم سيف. «هذا ما كنت أريد سماعه.»نظرت أسيل إلى رائد، ثم قالت:

  • كرهته حتي اشتهيته    252

    بدأت المرحلة الأولى من برنامج التدريب في صباح مزدحم، امتلأت فيه قاعات الوحدة بالأطباء المتدربين والمشرفين، بينما تحركت ميرا بين الفرق تتأكد من جاهزية الأجهزة والملفات. وصلت أسيل في الموعد المحدد، تحمل دفتر ملاحظاتها وقهوتها، وقد قررت أن تراقب سير اليوم دون أن تتدخل في كل تفصيلة كما اعتادت سابقًا.استقبلها سامر عند مدخل القاعة وقال: «كل شيء جاهز، لكن لدينا مشكلة صغيرة في إحدى الحالات الافتراضية. النظام لا يعرض بعض المؤشرات بالترتيب الصحيح.»نظرت إلى الساعة ثم إلى الشاشة التي أشار إليها. «هل يؤثر ذلك في بقية الحالات؟»«لا، لكننا نحتاج إلى إصلاحه قبل بدء المجموعة الثانية.»«ما الحل الذي تقترحه؟»تردد للحظة، ثم شرح كيف يمكنه تعديل الحالة مؤقتًا، مع تسجيل الخلل وإبلاغ الفريق التقني قبل استخدام النظام مرة أخرى.استمعت أسيل حتى انتهى، ثم قالت: «نفّذ التعديل بعد التأكد من أن البيانات الطبية لن تتغير، وسجّل المشكلة بوضوح. وإذا لم تستطع التأكد من ذلك، استبعد الحالة من جلسة اليوم. لا نحتاج إلى إنقاذ الجدول على حساب دقة التدريب.»أومأ سامر وانصرف لتنفيذ ما اتفقا عليه.راقبته ميرا وهو يبتعد، ثم هم

  • كرهته حتي اشتهيته    251

    وافقت أسيل، ثم تركتهما يحددان توزيع المهام بأنفسهما. كانت تستمع وتراجع، لكنها لم تعد تعيد صياغة كل قرار أو تصحح كل تفصيلة صغيرة. وحين انتهى الاجتماع، أرسل سامر الخطة النهائية إلى الجميع، متحملًا مسؤوليته بوضوح.قالت ميرا بعد خروجه: «أعتقد أنك أصبحتِ أقل تدخلًا.»نظرت إليها أسيل بابتسامة. «هل هذه شكوى؟»«لا، بل ملاحظة. في السابق كنتِ تتأكدين من كل شيء بنفسك. الآن تسأليننا كيف سنحل المشكلة، ثم تتركين لنا فرصة الحل.»«ربما كنت أظن أن تحمل المسؤولية يعني أن أفعل كل شيء بيدي. احتجت إلى بعض الوقت لأفهم أن بناء فريق قوي أصعب من إنجاز العمل وحدي، لكنه أهم.»قالت ميرا: «والآن لدينا فرصة لإثبات ذلك.»«بالضبط.»عادت أسيل إلى مكتبها، فوجدت على الطاولة ملفًا قديمًا لمراجعة بروتوكول تدريبي كانت قد أجلته بسبب مرضها. فتحته، وبدأت تدوّن الملاحظات. لم تحاول إنهاءه كله في جلسة واحدة؛ قسمت العمل إلى أجزاء، ووضعت موعدًا واقعيًا لكل جزء. وحين شعرت بالتعب، أغلقت الملف وغادرت في الوقت المحدد.لم تكن مضطرة إلى معاقبة نفسها على الأيام التي ضاعت، ولا إلى تعويضها جميعًا في يوم واحد.---في المساء، اختار رائد مطع

  • كرهته حتي اشتهيته    250

    وصلت رسالة د. إيلينا إلى أسيل في الثامنة صباحًا، بينما كانت تستعد لمغادرة المنزل. لم تتضمن الرسالة تحذيرًا عاجلًا أو طلبًا للحضور فورًا، بل موعدًا لمراجعة نتائج المتابعة ومناقشة المرحلة التالية من العلاج. ومع ذلك، وجدت أسيل نفسها تقرأها مرتين، لا خوفًا من خبر سيئ بقدر ما كانت تحاول ألا تسمح لأملها بأن يسبق الحقائق.لاحظ رائد نظرتها إلى الهاتف وهو يضع فنجان القهوة أمامها.«موعد المتابعة؟»أومأت. «د. إيلينا تريد أن نراجع النتائج اليوم.»جلس مقابلها، ثم سألها بهدوء: «هل تشعرين أن هناك شيئًا مختلفًا؟»«لا. أنا أفضل من الأسابيع الماضية، لكنني لا أريد أن أفسر كل يوم جيد باعتباره دليلًا على أنني تعافيت تمامًا.»«وهذا صحيح. نذهب، نسمع رأيها، ثم نقرر بناءً على ما تقوله.»ابتسمت وهي ترفع فنجانها. «أحيانًا أحتاج أن أسمع منك جملة منطقية بدلًا من عشرين سؤالًا عن صحتي.»«أنا أتطور بسرعة ملحوظة.»«لا تبالغ في تقدير نفسك.»غادرت أسيل إلى المستشفى، بينما توجه رائد إلى مكتبه بعد أن اتفقا على أن يلتقيا عقب موعدها إذا سمح جدول العمل بذلك. لم يحاول مرافقتها رغم رغبته في ذلك؛ فقد أخبرته بوضوح أنها تستطيع إ

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status