Share

الفصل 2

Author: العدم

لم تتوقع شهد أبدًا أن يصل بلال إلى هذا الحد من أجل حنين أحمد.

ففي سبيل التقرب منها، كان مستعدًا لإيذاء زوجته.

وفي غمرة الألم المبرح، حاولت الكلام، لكن فجأةً أظلمت الدنيا في عينيها وفقدت الوعي.

وعندما استعادت وعيها، اجتاح مؤخرة رأسها ألم حاد. فتحت عينيها بصعوبة، فرأت سقفًا غريبًا، ولم تعد تعرف أين هي أو كم مضى من الوقت.

"سيدة شهد، لقد استيقظتِ."

جاء صوت هادئ من خلفها.

التفتت شهد فرأت حنين واقفةً بجانب السرير، تحمل حقيبة إسعافات أولية.

كانت ترتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطال جينز، وشعرها مربوط على هيئة ذيل حصان مرتفع، ووجهها خالٍ من أي مساحيق تجميل، لكنه يفيض بحيوية الشباب.

"أنا ممرضتكِ، حنين." قالت الفتاة بهدوء، إلا أن نبرتها حملت شيئًا من الجفاء: "رغم أنني انتقلت للإقامة هنا، أرجو منكِ أن تسيطري على السيد بلال. وإذا كرر أي تصرف يتجاوز الحدود، فسأغادر فورًا."

شعرت شهد بألم حاد في صدرها.

يا لها من سخرية قاسية! تلك الفتاة الشابة سكنت منزلها، ثم تطلب منها، هي صاحبة البيت، أن "تسيطر على زوجها".

قالت شهد بصوت أجش: "أريد ممرضة أخرى."

بدا أن حنين لم تسمعها، وأخرجت حقنة قائلة: "سأعطيكِ حقنة مضادة للالتهاب الآن."

غرزت الإبرة الأولى، لكنها لم تجد الوريد.

أما الثانية فانحرفت، فانتفخ ظهر يدها فورًا.

وفي المحاولة الثالثة، سال الدم مباشرةً.

قالت شهد بصوت يرتجف من الألم: "إذا لم تستطيعي فعل ذلك، فاطلبي من شخص آخر أن يفعلها."

عند سماع هذا، احمرّت عينا حنين على الفور، وردّت بعناد: "ماذا تقصدين؟ لو لم تكن جدتي مريضة بشدة، هل تظنين أنني كنت سأرغب في المجيء؟"

وبينما كانت تتحدث، مدّت يدها لتقبض على يد شهد مرة أخرى، وهذه المرة اخترقت الإبرة جلدها، وسال الدم على معصمها الشاحب.

لم تعد شهد قادرة على تحمل الألم، فدفعتها بعيدًا بقوة: "يكفي! لا تلمسيني!"

ترنحت حنين إلى الوراء، فأسقطت صينية الأدوية، وتحطمت الزجاجات على الأرض.

وفي تلك اللحظة، فُتح الباب فجأة، ودخل بلال بخطوات واسعة.

"ماذا حدث؟" تجولت نظراته بين المرأتين، ثم استقرت أخيرًا على حنين الجالسة على الأرض، فتغير لون وجهه فجأة.

"بما أنكما لا ترحبان بي، فسأغادر!" نهضت حنين وعيناها محمرتان، ثم نهضت مسرعة نحو الباب.

أمسك بلال بذراعها قائلًا: "من قال هذا؟!"

تخلصت حنين من قبضته وهي تقول: "زوجتك! حاولت مساعدتها بإعطائها الحقنة، لكنها دفعتني! أنا فقط لست متمرسة بعد، ألم تعرفا هذا منذ البداية؟"

نظر بلال فورًا إلى ظهر يد شهد المتورم، ولمعت في عينيه لحظة قصيرة من الأسى، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى استسلام عندما التفت نحو حنين.

سألها بصوت منخفض متوسل: "ماذا تريدين مقابل البقاء؟"

رفعت حنين ذقنها قائلة: "أكثر ما أكره غرور الأثرياء وتعاليهم. أريدها أن تعتذر لي."

"شهد." التفت بلال إلى شهد وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش: "اعتذري."

نظرت إليه شهد بذهول: "لقد قامت بحقن يدي هكذا، وما زلت تريدني أن أعتذر؟"

أظلمت عيناه وهو يقول: "إن لم تكوني راغبة، فتذكري شركة والديكِ."

شعرت شهد بقشعريرة تسري في جسدها: "أتهددني... من أجلها؟!"

"شهد، إنه مجرد اعتذار." ثم أكمل وهو يقطب حاجبيه بضيق: "لن ينقص منكِ شيء. أم أنكِ تريدين حقًا أن تشاهدي شركة والديكِ تُفلس؟"

في تلك اللحظة، شعرت شهد وكأن آلاف السهام اخترقت قلبها.

عضّت شفتها السفلى بقوة حتى تذوقت طعم الدم.

وعندما رأت ملامح بلال تزداد برودة، أدركت أنه جاد تمامًا، فنهضت بصعوبة من السرير وكتمت إذلالها، ثم انحنت أمام حنين قائلة: "أنا آسفة."

عبست حنين وقالت: "هل يعتذر الأثرياء دائمًا بهذا الصوت الخافت؟"

غرست شهد أظافرها في كفها، ثم انحنت مرة أخرى ورفعت صوتها: "أنا آسفة! هل أنتِ راضية الآن؟"

عندما رأى بلال حنين تُومئ برأسها على مضض، رقّ وجهه وحثّها برفق على وضع الدواء.

وما إن أُغلق الباب، حتى انهارت شهد تمامًا، وجلست على الأرض تبكي بصمت.

أخرجت من تحت الوسادة رسالة حب صفراء من أثر الزمن، وأشعلت فيها النار بيد مرتجفة.

وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم الرسالة السادسة والتسعين، تذكرت هيئة بلال عندما كتبها وهو في السادسة عشرة من عمره.

تحت أشجار أزهار الكرز في الحرم الجامعي، دسّ الفتى الرسالة في يدها وأذناه محمرتان خجلًا، وقال: "شهد، هل تقبلين أن تكوني معي؟ أعدكِ أن أحسن إليكِ طوال حياتي."

وقبل أن تنطفئ آخر شعلة، انفتح الباب فجأة.

"ماذا تحرقين؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 25

    في ذلك اليوم، كانت حنين شاردة الذهن، فأخطأت في غرز الإبرة في يده، وتكرر الخطأ عدة مرات، حتى غطّت الكدمات الزرقاء والتورم المحمر كامل ظاهر كفه.أما في المرة السابقة، فكيف كان تصرفه؟لقد وجد شرودها اللطيف محببًا إلى قلبه على نحوٍ غريب. حتى عندما بكت حنين واعتذرت، ابتسم ببساطة وقال: "لا بأس، خذي وقتك."ومنذ ذلك الحين، انغمس في دوامتها، يرتكب خطأً تلو الآخر، دون أي فرصة للتراجع.لكن هذه المرة، حدّق ببرود في حنين وهي تعتذر، وأمرها بصرامة: "قومي باستدعاء مديركِ!"وبعد ذلك، منحت المستشفى حنين تعويضًا ماليًا ثم فصلتها من العمل، ومنذ ذلك الحين اختفت تمامًا من عالمه.وبعد انتهاء المحلول الوريدي، اقتربت منه شخصية مألوفة ومدّت يدها."بلال، لنعد إلى المنزل."رفع بلال رأسه، فرأى شهد تنظر إليه بعينين مملوءتين حبًا وهي تبتسم، فارتسمت الابتسامة على شفتيه أيضًا.ثم مدّ يده وأمسك بيدها، ونهض قائلًا: "حسنًا، لنعد إلى المنزل..."سارا معًا يدًا بيد نحو الأفق البعيد، حتى اختفيا عن الأنظار...أما في العالم الواقعي، فقد توقف بلال الملقى وسط بركة من الدماء عن التنفس ببطء.تلاشت الصرخات وصفارات سيارات الإسعاف وا

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 24

    ومن الطرف الآخر، أخذت أنفاس بلال تتسارع شيئًا فشيئًا، وامتزج صوته بالألم.لكن شهد تظاهرت بعدم سماعه."طوال هذه العلاقة، كنت دائمًا تسألني عن السبب. وحتى عندما كنت أضع الإجابة أمام عينيك، لم تكن تراها. لأن أصل المشكلة كان دائمًا أنك لم تكن تكترث."ولهذا لم يبالِ بمشاعرها، وخانها دون أي تردد، وترك حنين تهينها وتدهس على كرامتها، وسمح بأن تتعرض مرارًا لأذى كان من الممكن ألا تعيشه أصلًا."إذًا أنت تعرف سبب طلاقنا الآن، أليس كذلك؟""بلال، بما أننا مُطلقان، فلا يجب أن يكون بيننا أي تواصل بعد الآن."أنهت كلامها وهمّت بإغلاق الهاتف، لكن بلال سارع يتوسلها."لا، لا يا شهد، لا تفعلي هذا. دعينا نلتقي مرة واحدة فقط، حسنًا؟"وفي ذاكرة شهد، نادرًا ما كان بلال يتصرف بتواضع كهذا؛ وفي المرات القليلة التي فعل فيها ذلك، كان فقط ليمنعها من طلب الطلاق."لا، إلا إذا كان الموت هو من يجمعنا، فلا أريد أن نلتقي مرة أخرى.""صوت إغلاق الخط——"حدّق بلال في شاشة الهاتف التي أظلمت فجأة بعد إغلاق الخط، وشعر بألم حاد ينتشر من قلبه، كأن كرمة سامة التفت حوله، تشل حركته وتغرقه في عذاب لا مهرب منه.حاول تحريك ساقيه، ولكن في

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 23

    ومع ذلك، تأثر السيد كرم كثيرًا. فمقارنةً بجفاء ابنته وبرودها تجاهه في السابق، كان هذا تقدمًا كبيرًا بالنسبة إليه.وفي الخارج، ظلت شهد تحدّق طويلًا في الرسالة التي أرسلها والدها، يشكرها فيها ويخبرها كم أعجبته هديتها، حتى سرحت في أفكارها، بينما راحت مشاعر متشابكة تغمرها شيئًا فشيئًا.في الحقيقة، كانت قد سامحت والدها منذ زمن.فهو الضحية فيما حدث، لكنها آنذاك نظرت إلى الأمر بعيني والدتها فقط، ورأت فيه خيانةً لذكراها، لذلك قطعت علاقتها به دون تردد.لكن بعد أن خاضت بنفسها تجربة زواج فاشلة، ورأت من الناس والحياة ما رأت، بدأت تدرك شيئًا فشيئًا المعاناة التي عاشها والدها.إلا أن الجرح كان قد وقع بالفعل، وحتى وإن أرادت إصلاح ما انكسر، لم تكن تعرف من أين تبدأ.ولهذا قررت أن تمضي خطوةً بعد أخرى، على الأقل حتى لا تندم يومًا، كما قال لها كبير الخدم.وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفها في يدها، فأفاقت من شرودها. وما إن رأت اسم المتصل: "أبي"، حتى ترددت قليلًا قبل أن تضغط زر الإجابة."شهد، شكرًا لكِ على الهدية، لقد أحببتها كثيرًا."فقد ظن والدها أنها لم ترَ رسالته بعدما تأخرت في الرد، وخشي أن تسيء فهم الأمر، ف

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 22

    في منزل عائلة سليم، لم يكن بلال يعلم شيئًا عما يخطط له والد شهد، إذ لم يكن يشغل تفكيره سوى أمرٍ واحد؛ وهو العثور على شهد.فأخذ يرسل إلى والدها مختلف الهدايا تعويضًا عما حدث، بل وأمر حتى بإعادة ترميم شاهد قبر والدتها الراحلة.إلا أن جميع الهدايا أُعيدت إليه كما هي.ولم يُبدِ بلال أي اهتمام بذلك، بل واصل إرسال الهدايا بلا انقطاع.وفي الوقت نفسه، عاد رجاله الذين أرسلهم إلى الخارج للبحث في منزل عائلة عزيز، بل إن بعضهم لم يُسمح له حتى بمغادرة البلاد."ماذا قلت؟"عندما سمع بلال أن رجاله مُنعوا مرة أخرى من مغادرة البلاد، لم يعد بإمكانه السكوت.فبعد أن طرده السيد كرم من المعرض، تذكر فجأة شيئًا ما.ورغم أنه لم يكن يعلم إن كانت شهد قد سامحت والدها أم لا، فإنه كان واثقًا أن عودته إلى البلاد لم تكن لتحدث دون موافقتها.وإلا لكانت شهد قد أثارت ضجة كبيرة، وهذا يعني أنها موجودة في الخارج، ولم يبقَ هناك سوى مكان واحد لم يبحث فيه وهو منزل عائلة عزيز؛ المكان الذي كان يعتقد أنها لن تعود إليه أبدًا.في البداية، لم يكن بلال متأكدًا، ولكن بعد أن أُعيد رجاله مرارًا وتكرارًا، تأكد أخيرًا من أن شهد كانت بالفعل

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 21

    كاد السيد كرم أن يضحك من كلام بلال."ما تسميه أنت إنهاءً لعلاقتك بعشيقتك ليس إلا لأنك مللت منها. ولو أنك لم تملّ، أكنت تتوقع من ابنتي أن تعيش عمرها كله زوجة مهجورة تنتظر عودتك؟""ثم إنك تزوجت ابنتي، وتعرف جيدًا أنها لا تتسامح مع الخيانة ولو بمقدار ذرة. أنا نفسي، بعد وفاة زوجتي، تزوجت مرة أخرى بدافع الوحدة، وقد نقلت كل أملاكي إلى شهد، ومع ذلك لم تكلمني طوال هذه السنوات. هذا وأنا كنت أرملًا، أما أنت فخنتها وهي ما زالت زوجتك. فكيف تظن أنها ما زالت تحبك؟ ولو بقي في قلبها حب لك، لما اختارت الرحيل.""بلال، كف عن خداع نفسك. انسَ أمر هذا المعرض أيضًا، وعد من حيث أتيت. ولا تحلم بعد اليوم بالعثور عليها، فهي لن تقابلك."قال السيد كرم ذلك، ثم رفع فنجان الشاي في إشارة واضحة إلى انتهاء الحديث، وفي تلك اللحظة دخل أحد حراسه وقال: "تفضل يا سيد بلال.""بانغ!"انغلق باب المعرض بقوة أمام بلال، بينما كانت الأمطار الغزيرة تنهمر من السماء، تغمر جسده بالكامل، ويتسلل البرد من ظهره حتى اجتاح كل أطرافه.لكن ذلك كله لم يُطفئ عزيمته على العثور على شهد.بل إن عودة والدها إلى البلاد بدت له خبرًا جيدًا؛ فعلى الأقل أ

  • كل رسالة كانت خطوة نحو الفراق   الفصل 20

    وفي اليوم المحدد للاستحواذ على معرض والدة شهد، وصل بلال إلى المعرض منذ وقتٍ مبكر.ورغم أن موظفي المعرض أخبروه بأن شهد لن تأتي اليوم لحضور إجراءات الاستحواذ، فإنه ظل متمسكًا بخيطٍ رفيع من الأمل. ماذا لو؟ ماذا لو جاءت بالفعل؟فهذا المعرض كان ثمرة جهد والدتها طوال حياتها، وهي التي كانت تعشق أمها، كيف يمكن ألا تحضر؟ظل بلال يردد هذه الفكرة في نفسه، وينتظر شهد على أساسها.وأخيرًا، بدأ صوت خطوات يقترب شيئًا فشيئًا، فاعتدل بلال في جلسته بسرعة، ونظر إلى الباب المفتوح بترقب.وفي خضم انتظاره، دخلت إلى الداخل هيئة ترتدي اللون الأبيض بخطوات هادئة.نهض بلال على الفور، وحدّق في القادم، وكاد اسم "شهد" يخرج من شفتيه، لكنه تجمد في حلقه."عمي، لماذا حضرت أنت؟ وأين شهد؟"فالشخص الذي دخل لم يكن سوى السيد كرم والد شهد.نظر السيد كرم إلى بلال ببرود."لا أخبرك عن مكانها، لكنك تريد شراء معرض زوجتي، فلماذا لا أحضر؟"فتح بلال فمه قليلًا وقال مترددًا: "لكن أليس أنت..."في ذاكرة بلال، بعد أن فقد السيد كرم زوجته وتزوج ثانية، انتقلت شهد إلى البلاد غاضبة، ولم تسمح لوالدها بالتدخل في شؤونها، ولا سيما كل ما يتعلق بوال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status