Se connecterكانت الأشجار المتساقطة على الجبل الثلجي أشبه بخشبة مهترئة تفصل بين عالمين. وكان أنس ينوي أن يتخطى الجذع في البداية، لكنه جلس ببطء بجانبه لسببٍ ما.تبعه رعد ورآه يجلس، ففتح مظلته وتوجه نحوه.انحنت حافة المظلة لتحجب الثلج المتساقط، فارتجفت رموش أنس الطويلة قليلاً، لكنه لم يلتفت. بل مدّ يده الكبيرة الخشنة وربت برفق على الجذع الذابل بجانبه."اجلس."خاف رعد أن يتبلل والده بالثلج، فجلس بجانبه تاركًا المظلة مفتوحة. ثم ثنى ركبتيه وأسند مرفقيه على فخذيه، والمظلة مائلة إلى جانب والده.بدا والده مختلفًا اليوم. كان يرتدي معطفًا أسود ووشاحًا أبيض حول عنقه. كانت ملابسه كما هي، لكن وجهه المُهندم بعناية أوحى بشعورٍ خفيّ بالفراق."أبي!"نادى رعد، لكنه لم يعرف ماذا يقول. بدا وكأنهما قد قالا كل ما كانا بحاجةٍ لقوله لبعضهما، ولم يبقَ شيءٌ ليُقال، ومع ذلك شعر أنه لم يقل شيئًا على الإطلاق، تاركًا شعورًا عميقًا بالندم...حوّل أنس نظره قليلًا إلى رعد الذي كان يرتدي سترةً خفيفةً فقط، ثم خلع معطفه ولفّه حول كتفيه بشكلٍ عفويّ. رفض رعد محاولًا سحبه، لكنّ زوجًا من الأيادي الطويلة النحيلة ضغطت عليه."الآن، لم يعد ب
في يوم احتفال رعد ببلوغه سن الرشد، تساقطت ثلوج كثيفة، تمامًا كما حدث يوم استيقظت لينا من غيبوبتها، فوقفت أمام النافذة شاردة، ونسيت أن تنزل.خرج أنس من غرفة الملابس بعد أن بدّل ملابسه، فرآها واقفةً بلا حراك عند النوافذ الفرنسية. ولم يسعه إلا أن يتوقف هو الآخر.تأمل تلك القامة المنقوشة في عظامه، فبدا له كأنه عاد شابًا، وهي تمشي نحوه تحت الضوء، شعرها يتطاير وعيناها تلمعان، كجمرة وُسم بها قلبه.كانت تلك الصورة هي الأكثر رسوخًا في ذاكرته، وكان يخشى أن ينساها يومًا في هذه الحياة. ومع ذلك، فبينما قد تطول أعمار الآخرين، أما عمره فلم يبلغ الخمسين حتى بدأ كل شيء يُسحب منه...لم يلم القدر على هذا؛ إنما عجز عن فراق لينا؛ غير أن جسده لم يعد يحتمل كل ذلك الحب المتدفق وكل التعلّق العميق وكل الشوق الذي كان يتمنى أن يحمله إلى حياة أخرىابتسم أنس بعجز، ثم أجبر نفسه على العودة إلى غرفة الملابس وأحضر معطفًا ناعمًا، ولفّه حول لينا من الخلف.أفاقت لينا من شرودها وهي ممسكة بالمعطف وأغلقت رموشها الطويلة ونظرت إلى اليدين المحيطتين بخصرها. وبشكل غريزي وضعت أصابعها فوقهما."يداك أبرد من المعتاد اليوم.""الجو يزد
لم يكن أمر تطويره للروبوت خافيًا على سعيد، فقبل أن يصل أنس، كان يعمل بجدٍّ على الآلة، يُعدّل وظائفها باستمرار.ومن خلال الزجاج، راقب أنس سعيد وهو يكتب الشيفرة بسرعة، بينما كان الروبوت بجانبه يتحدث كشخص حقيقي تحت سيطرته، فارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي أنس."سعيد..."عند سماع صوت سعيد، توقف عما كان يفعله والتفت لينظر إلى أخيه الثاني. ففي السنوات الأخيرة، تحمل أخوه الثاني الكثير من الألم، وعمل بلا كلل ليلًا ونهارًا لتطوير هذا الروبوت.ولم يستطع سعيد تحمل رؤيته، فعرض المساعدة. على الرغم من أن قدراته كانت أقل بكثير من قدرات أخيه الثاني، إلا أنه بفضل جهوده المتكررة، اكتملت الخطوة الأخيرة أخيرًا."أخي الثاني، متى نُريه لزوجتك؟"أبعد أنس يد سامح ووقف مستقيمًا، ثم تقدم نحو الروبوت وفعّل المفتاح خلف رأسه، ولما سمع صوته مطابقًا لصوته تمامًا، ابتسم من جديد."بهذه الطريقة، لن تشعر بالوحدة بعد رحيلي..."لم تكن الشريحة التي صنعها قاتلة، بل كانت تسجّل كلماته، كلمات تكفي لعشر أو عشرين سنة.إذا أرادت لينا سماع كلماته، فعليها أن تبقى على قيد الحياة؛ وإلا فلن تتمكن من سماعها. فعل أنس ذلك لأنه كان يعلم أن
أطفأ رعد النور، واستلقى على جنبه في سريره وانكمش على نفسه غير مصدقٍ ما يحدث. فمنذ لحظة ولادته، كان والده يتحمّل الألم بصمت ويلازمه كأن لا شيء به، يرافقه حتى يكبر يومًا بعد يوم...وتذكّر كيف كان في صغره متهوّرًا يتجاهله أحيانًا، فاستحضر أفعاله الطائشة، ورفع يده وصفع نفسه بقوة...بعد أن ضرب نفسه، غطى الصبي الذي لم يذرف دمعة من قبل وجهه بلا سيطرة، ودفن نفسه في الأغطية وبكى بكاءً مريرًا، كطفلٍ على وشك الهجر، ينتحب بلا انقطاع...لم يفهم رعد معنى الموت من قبل، لكن الآن وقد اقترب الموت منه، شعر بعمق كم كان يحب والديه. حتى أنه أمضى الليل كله يقرأ الكتب الطبية، باحثًا عن طريقة لإزالة الشريحة...في ليلة واحدة، فتش في كل كتاب طبي متعلق بجراحة فتح الجمجمة، واتصل بشكري وجورج وجميع الأطباء المشهورين الذين يعرفهم، لكن النتيجة كانت واحدة: لا سبيل.لم يستطع أي طبيب إزالة الشريحة مع منع تفشي الفيروس في الوقت نفسه، فجلس رعد عاجزًا في غرفته طوال الليل.كانت الغرفة مظلمة تمامًا، لا يخترقها حتى شعاع ضئيل من ضوء القمر، فضلًا عن أي ضوء يهتدي به في طريقه المجهول...لم ينم رعد لحظة واحدة تلك الليلة. وفي اليوم ا
بيتي التي بلغت الثامنة عشرة لتوها، قبضت يديها لا إراديًا عند سماعها هذا الكلام، ولكن عندما تقدم رعد خطوةً للأمام، لم تعرف ماذا تقول، ولم يسعها إلا أن تعض على أسنانها وتكبح غضبها.أقسمت بيتي في سرّها أن رعد إن وقع يومًا في قبضتها، فستجعله يندم مدى الحياة؛ غير أن رعد الذي لم يكن يومها يعرف معنى المشاعر، لم يبالِ إطلاقًا بنزعة الانتقام التي تضطرم في صدرها...عندما حمل رعد جنة إلى الطابق السفلي، ظل يتذمر من أن جنة ثقيلة جدًا. فاستشاطت غضبًا وجذبت شعره، وكاد الشقيقان يظلان يتشاجران حتى وصلا إلى سيارة الزفاف...ونظرًا لما يحدث بينهما، هز أنس رأسه قليلًا، ثم أمسك بيد لينا وتبع موكب الزفاف إلى الفندق...ولأن جنة يتيمة الأب، تولى أنس دور والدها، فأمسك بذراعها وقادها إلى منصة الزفاف، ثم سلم يدها للعريس...وقبل أن يصل الأمر إلى تلك اللحظة، رفعت جنة، الواقفة خارج الباب بوجه يزهو بزينة متقنة، نظرها إلى الرجل الذي تمسك بذراعه قائلة: "عمي، لم تسمح لي بلمسك منذ صغرنا. بينما الآن ليس لديك خيار آخر، أليس كذلك؟"بينما أنس ببدلته السوداء الأنيقة، خفّض نظره الهادئ نحو جنة التي رغم كعبيها العاليين لم تبلغ ق
في مواجهة ثلوج الشتاء، هدّأ شادي صوته المرتجف وقال ببطء: "جنة، استديري وانظري إليّ..."كظمت جنة غضبها، واستدارت فرأت شادي واقفًا في الثلج بقميص رقيق، وعيناه محمرتان وهو ينظر إليها.توقفت للحظة، ثم ألقت عليه نظرة عابرة قبل أن تدير ظهرها ببرود قائلةً: "شادي، لم أعد مهتمة بك. لا تزعجني أنا وحبيبي بعد الآن."ثم أغلقت الهاتف وأمسكت بيد حبيبها وسارت نحو السكن. لكن حبيبها واجهها بسؤال قاسٍ: "بما أنكِ منزعجة منه لهذه الدرجة، فلماذا لا تحظرين رقمه؟"فإذا قامت بحظره، لن يتمكن من الاتصال بها مجددًا. أنزلت جنة رموشها الطويلة وترددت لثانيتين، ثم قامت بحظر رقمه أمام حبيبها.ولما لم يعد يستطيع الوصول إليها، عاش شادي عامين من الانهيار، وهو يرسل رسائل إلى هاتف لن تصلها أبدًا.وفي عام تخرج جنة، خانها حبيبها وتركها. والغريب أنها لم تتأثر أو تحزن، بل شعرت براحة كبيرة.وعندما سمعت أن ملكة جمال جامعة العاصمة تطارد شادي بجنون، أدركت أن سبب لا مبالاتها بخيانة حبيبها هو أن قلبها ظل متمسكًا به هو.كانت جنة بطبعها فخورة لا تنحني، لكن في ليلة التخرج، حين رأته مجددًا، علمت أنه طوال الأربع سنوات كان يأتي خلسة إلى ا
عندما رأت مريم تنهد لينا لفترة طويلة، لم تشعر بالضيق، بل ابتسمت وطمأنتها قائلة: "لا تقلقي، إنه مجرد مبلغ صغير من المال، يمكنني تعويضه بالعمل لفترة من الوقت."لكن كيف لا تقلق لينا؟ هي تعرف تمامًا كيف جمعت مريم مال المنزل خلال هذه السنوات.كان كل ذلك بفضل الإكراميات التي حصلت عليها من الشرب مع الزبائن
"سـ... سيد أنس، أنت..."أرادت أن تسأله لماذا أعادها إلى منزله فجأة.لكن الكلمات علقت في حلقها، ولم تعرف كيف تصوغ السؤال.أخفضت رأسها، ولم تجرؤ على النظر في عينيه.لكن الرجل، وكأنه قرأ ما يدور في ذهنها، نظر إليها نظرة عابرة وقال بهدوء."ارتاحي لبضعة أيام، ثم سأعيدك".لم يوضح السبب، بل اكتفى بهذه الجم
نظرت إلى لوحة رقم الغرفة وكتبتها، ثم اتجهت إلى محل الفاكهة المجاور للمشفى واشترت بسرعة سلتين من الفاكهة.عندما عادت بعد شراء بعض الفاكهة، التقت بالصدفة بمريم التي جاءت على عجل من قسم العيادات الخارجية."لينا، لماذا أتيتِ إلى المشفى؟ هل تشعرين بألم في قلبكِ؟"رغم أنها جاءت مسرعة لـ "ضبط الخيانة"، فإن
ردت مريم بسرعة، [لينا، تذكري أنكِ أختي الصغيرة التي نشأتُ معها، وأنتِ عائلتي أيضًا، إذا وجدتِ أي دليل، أخبريني، وإلا فسأكون قد أهدرت مشاعري الصادقة تجاهكِ طوال هذه السنين.]عندما رأت لينا هذه الكلمات، لم تستطع إلا أن تبتسم، فمريم تثق بها من أعماق قلبها، ومن الطبيعي ألا تلومها على اندفاعها.فأجابت، "







