تسجيل الدخولعاد الماضي أمام عيني سُهى مرة أخرى.هذه المرة، لم تكن أمام منزل آدم، بل داخل غرفة صغيرة هادئة. كانت فتاة صغيرة تجلس قرب النافذة، تضم دميتها إلى صدرها وتنظر إلى الخارج بصمت.كانت سارة.دخل آدم الغرفة، وكان أصغر سنًا.قال:"سارة، لماذا أنتِ صامتة؟"لم تجبه.اقترب منها."ماذا بك؟"قالت بصوت خافت:"أمي كانت تبكي."توقف آدم."أين؟""في غرفتها."خرج بسرعة، وتبعته سارة.وجدا أمهما واقفة أمام خزانة قديمة، تخفي شيئًا في يدها.قال آدم:"أمي؟"استدارت بسرعة."لماذا لم تناما؟"قالت سارة:"سمعتك تبكين."ابتسمت الأم، لكنها بدت متوترة."لم أكن أبكي."اقتربت من سارة وجلست أمامها."اسمعيني جيدًا، مهما سمعتِ أو رأيتِ، لا تذهبي وحدك إلى أي مكان."سألتها سارة:"لماذا؟"أجابتها:"لأنني أريد حمايتك."لم تفهم سارة، لكنها لم تسأل أكثر.تغير المشهد.مرت عدة سنوات.أصبحت سارة مراهقة، وكانت تجلس مع آدم في الحديقة.قالت:"آدم، لماذا تخاف أمي كلما تحدثنا عن الجزيرة؟"نظر إليها."لا أعرف.""أنت تعرف.""لا."ابتسمت بسخرية."أنت تكذب."ضحك آدم."حتى لو كنت أعرف، لن أخبرك.""ولماذا؟""لأن أمي طلبت مني أن أبقيك بعيدة
لم يختفِ المشهد هذه المرة.بقيت سُهى واقفة في مكانها، والكتاب بين يديها، بينما بدأت صورة جديدة تتشكل أمام عينيها.لم تكن في بيتها.كانت أمام منزل قديم تحيط به الأشجار.عرفت فورًا أنها تشاهد ماضي شخص آخر.كان هناك طفل صغير يركض في الحديقة، بينما كانت امرأة تراقبه من الشرفة."آدم! لا تبتعد كثيرًا."التفت الطفل وضحك."أنا هنا يا أمي!"ركض نحوها، وفي يده قطعة خشب صغيرة.جلست المرأة أمامه."ماذا وجدت؟"رفعها بفخر."سيف!"ضحكت."هذا ليس سيفًا.""بلى!"هزت رأسها وهي تبتسم.كان المشهد عاديًا جدًا، لكن سُهى شعرت أن هذه المرأة تخفي شيئًا.تغير المشهد.كان آدم أكبر قليلًا.جلس بجانب أمه في المطبخ.قال:"أمي، لماذا لا نذهب إلى بيت العائلة؟"توقفت يدها."لا يوجد سبب.""لكن أبي يذهب هناك."نظرت إليه."آدم، لا تسأل عن هذا المكان.""لماذا؟"قالت بحزم:"لأن بعض الأماكن من الأفضل أن تبقى بعيدة عنا."سكت آدم.ثم سأل:"هل حدث شيء هناك؟"لم تجبه.بعد لحظات قالت:"فقط اسمع كلامي."تغير المشهد مرة أخرى.ظهر آدم وهو في سن المراهقة.كان جالسًا في غرفة صغيرة، وبجانبه فتاة أصغر منه.كانت أخته.كانت تمسك دمية قد
لم تستطع سُهى أن تنام تلك الليلة.جلست قرب الكتاب، تقلب صفحاته دون أن تفهم معظم الرموز الموجودة فيها.كلما أغلقت عينيها، عادت صورة يوسف إلى ذاكرتها.ثم صورة ابنه.ثم ذلك الصوت الغامض.لكن أكثر شيء كان يزعجها هو الشعور الغريب الذي انتابها عندما رأت الكتاب.لم يكن الكتاب غريبًا عنها تمامًا.لم تكن تعرف السبب.لكنها شعرت بذلك منذ اللحظة الأولى التي لمسته فيها.وضعت يدها فوق الصفحة.وفجأة...تغير المشهد.لم تعد في الجزيرة.كانت في بيت قديم.بيت تعرفه.تجمدت في مكانها."هذا... بيتنا."رأت أمها جالسة قرب النافذة.كانت أصغر سنًا بكثير.وبجانبها كانت سُهى طفلة صغيرة تلعب على الأرض.اقتربت منها سُهى، لكنها لم تستطع لمسها.كانت مجرد شاهدة على الماضي.سمعت صوت أمها:"سُهى، تعالي."رفعت الطفلة رأسها.ركضت نحوها.كانت تحمل ورقة صغيرة.قالت:"ماما، شوفي!"أخذت الأم الورقة.تغير وجهها فورًا."من أين وجدتِ هذا؟"أجابت الطفلة:"في غرفة بابا."صمتت الأم."أعطيني إياها."أعطتها سُهى الورقة.نظرت الأم إليها طويلًا.ثم مزقتها بسرعة.سألت الطفلة:"علاش؟"ابتسمت أمها محاولة إخفاء خوفها."مجرد ورقة قديمة."ل
عاد الضوء إلى عيني سُهى فجأة.وجدت نفسها أمام القصر من جديد، لكن هذه المرة لم يكن المشهد قديمًا جدًا.كان القصر قد أصبح شبه مكتمل، والعمال يتحركون في كل مكان.وقفت سُهى بعيدًا تراقب يوسف.كان يبدو أكبر سنًا من المرة السابقة، وملامحه أكثر تعبًا.اقتربت منه المرأة التي رأتها من قبل.قالت:"يوسف، القصر انتهى تقريبًا."أجاب دون أن ينظر إليها:"أعرف.""وماذا ستفعل الآن؟"نظر إلى القبر الموجود خلفهما."سأبقى."تنهدت المرأة."ما زلت تفكر فيه؟"لم يجب.اقترب من القبر ووضع يده فوقه."كيف أتوقف؟"قالت:"مر وقت طويل."أجاب:"بالنسبة لك."ثم ابتسم بحزن."أما بالنسبة لي، فما زال الأمر كما حدث بالأمس."شعرت سُهى أن قلبها انقبض.كانت تعرف الآن أن الشخص المدفون هنا هو ابن يوسف.لكنها لم تعرف بعد ماذا حدث له.تغير المشهد.رأت ولدًا صغيرًا يركض داخل المكان قبل بناء القصر.كان يضحك، ويوسف يركض خلفه."توقف!"ضحك الطفل."لن تمسكني!"اقتربت سُهى أكثر.كانت تلك أول مرة ترى فيها يوسف سعيدًا.ثم تغير المشهد بسرعة.ظهر الولد في غرفة صغيرة، جالسًا أمام كتاب قديم.دخل يوسف."ماذا تفعل؟"أغلق الطفل الكتاب بسرعة.
بقيت سُهى واقفة أمام القصر الذي لم يكتمل بعد.كانت تظن أن كل شيء انتهى، لكن المشهد أمامها جعلها تشعر أن شيئًا آخر بدأ للتو.وفجأة، تغير كل شيء من حولها.لم تعد ترى القصر.وجدت نفسها تشاهد مكانًا آخر، في زمن أقدم.كان يوسف المرادي شابًا يقف أمام منزل صغير، يحمل صندوقًا خشبيًا بين يديه.كانت امرأة تقف أمامه.قالت:"يوسف، هل أنت متأكد؟"أجابها:"لم يعد لدي خيار.""يمكننا الرحيل."هز رأسه."لو رحلنا، سيجدوننا."نظرت إليه بخوف."ومن قال إنهم يبحثون عنا؟"لم يجب.أغلق الصندوق.ثم قال:"لا أريد أن يعرف أحد."تغير المشهد.كانت سُهى ترى يوسف الآن في مكان آخر.كان يقف أمام قبر جديد.المرأة نفسها كانت بجانبه.وضعت يدها على كتفه."يوسف..."لم يرد.قالت:"أنت لا تستطيع أن تبقى هنا."نظر إلى القبر."سأبقى.""لماذا؟"قال بصوت منخفض:"لأنني وعدته."لم تستطع سُهى رؤية اسم القبر.كان مغطى بالتراب.ثم ظهر رجل غريب من بعيد.اقترب منهما.قال:"هل ستبني فعلًا؟"أجاب يوسف:"نعم.""هنا؟""هنا."نظر الرجل إلى القبر."أنت تعرف ما يعنيه ذلك."قال يوسف:"أعرف.""إذا بنيت القصر هنا، فلن يكون من السهل ترك هذا المك
حملت سُهى الكتاب بين ذراعيها، ثم نظرت إلى الباب رقم 17. لم تقل شيئًا لآدم أو للحارس. كانت تعرف أن الوقت لم يعد يسمح لهم بالتردد. اقتربت من الباب وفتحته ببطء. ما إن دخلت حتى اختفى صوت خطواتها خلفها، وكأن الباب ابتلع العالم كله. وجدت نفسها في الممر الضبابي الذي أصبح مألوفًا لها. نادته: "أين أنت؟" جاءها صوته من بعيد. "أنا هنا." تقدمت نحوه. ظهر الكيان وسط الضباب، هادئًا كما كان دائمًا. رفعت سُهى الكتاب أمامه. "وجدنا الكتاب." نظر إليه باهتمام. "لكن هناك كلمات ناقصة." "أعرف." "والصفحة الأخيرة؟" فتحتها أمامه. "لا نستطيع فهمها." اقترب الكيان من الكتاب، ثم مرر يده فوق الرموز دون أن يلمسها. قال: "هناك كلمة واحدة ناقصة." رفعت سُهى رأسها. "أعطني إياها." سكت قليلًا. ثم نطق كلمة غريبة باللغة القديمة. كررتها سُهى بهدوء. تأملها الكيان. "نعم." قالت: "هذه هي الكلمة؟" "هذه هي." "وإذا أضفتها إلى الكلمات الموجودة في الكتاب؟" "ستكتمل التعويذة." شعرت سُهى براحة لم تشعر بها منذ وقت طويل. أخيرًا، بدا أن كل شيء سينتهي. فتحت الكتاب على الصفحة الأخيرة. بدأت تقرأ الكلمات الم







