LOGINثراء، رسامة شابة تعيش وحيدة في عالم يملؤه الصمت، لم تكن تعتقد يومًا أن وحدتها يمكن أن تتحول إلى بابٍ لشيء لا يُفسَّر. منذ طفولتها، كانت تشعر بوجود غامض يراقبها… حضور لا يُرى لكنه يُحَس، كظلٍ لا يغادرها حتى في أحلامها. ومع مرور السنوات، بدأ هذا الإحساس يتخذ شكلًا أكثر وضوحًا: رجل يظهر لها في النوم، بعينين فضيتين تحملان برودة الليل ودفءً لا يُفهم. تحاول ثراء الهروب من هذه الرؤى باللجوء إلى فنها، فترسمه مرارًا دون أن تعرف من يكون، وكأن يدًا خفية تقود فرشاتها. لكن في إحدى الليالي، تستيقظ لتجد أن اللوحة قد اكتملت… وكأن أحدًا قد أنهى رسمه بدلًا عنها. ومن تلك اللحظة، يبدأ الحد الفاصل بين الواقع والخيال في التلاشي. أصوات خافتة في الظلام، ظلال تتحرك في زوايا غرفتها، ورسائل غير مرئية تصلها في كل لوحة. حتى يظهر هو… آسر. كائن من عالم لا ينتمي للبشر، ظلٌّ لا ينام، وعينان من فضة تحملان وعدًا بالامتلاك والحماية في آنٍ واحد. بين الخوف والانجذاب، تبدأ ثراء رحلة سقوط بطيء داخل علاقة تتجاوز حدود الحب، إلى هوسٍ لا يمكن الفرار منه. لكن السؤال الذي يطاردها دائمًا: هل آسر حقيقة تسللت إلى عالمها… أم أن عقلها هو من خلقه ليُنقذها من ماضٍ لم يرحمها؟ في عالمٍ يتلاشى فيه الخط الفاصل بين الجنون والحب، يصبح النجاة أصعب من الهروب.
View Moreمرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها
ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث
لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير
استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل
لم تنم ثراء تلك الليلة.منذ عودتها من المطعم، وذلك الإحساس لم يفارقها.الإحساس بأنه كان هناك.قريبًا جدًا.يتحرك داخل الظلال المحيطة بها، يراقبها بصمته المعتاد، بأنفاسه الباردة التي تحمل دائمًا رائحة المطر والدخان.كانت تجلس قرب نافذة غرفتها، تضم ساقيها إلى صدرها، بينما تتساقط قطرات المطر فوق زجاج
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب.هدوء لم تعتده ثراء منذ أن دخل آسر حياتها… أو ربما منذ أن بدأ يطارد أحلامها قبل أن تعرف اسمه حتى.لم تظهر كوابيس جديدة.ولم تعد تسمع همسات مخيفة في الظلام.فقط ذلك الشعور الخافت بوجوده.وجود هادئ يحيط بها كل ليلة دون أن تراه.وأغرب ما في الأمر…أنها بدأت تتعلق بذلك ال
استيقظت ثراء على شعورٍ غريب بالطمأنينة.ليس لأنها نامت جيدًا، بل لأن شيئًا ما كان يحيط بها طوال الليل… شيء دافئ وهادئ جعل نومها أعمق من المعتاد، كأن روحها أخيرًا وجدت المكان الذي تنتمي إليه.فتحت عينيها ببطء.ضوء الصباح الرمادي كان يتسلل عبر الستائر، والمدينة خلف النافذة ما تزال نصف غارقة في هدوء ا
مرّت ثلاثة أيام.ثلاثة أيام كاملة منذ أن استيقظت ثراء داخل غرفتها، منذ أن أخبرها الطبيب أن ما عاشته ربما لم يكن سوى هلاوس صنعتها وحدتها الطويلة وطفولتها المحطّمة.ثلاثة أيام…ولم يظهر آسر.في البداية رفضت التصديق.كانت متأكدة أنه سيعود.سيخرج من الظلال كما يفعل دائمًا، بعينيه الفضيتين ونظرته التي ت