عينان من فضة وظل لا ينام

عينان من فضة وظل لا ينام

last updateLast Updated : 2026-05-31
By:  أ.أUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
45Chapters
24views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

ثراء، رسامة شابة تعيش وحيدة في عالم يملؤه الصمت، لم تكن تعتقد يومًا أن وحدتها يمكن أن تتحول إلى بابٍ لشيء لا يُفسَّر. منذ طفولتها، كانت تشعر بوجود غامض يراقبها… حضور لا يُرى لكنه يُحَس، كظلٍ لا يغادرها حتى في أحلامها. ومع مرور السنوات، بدأ هذا الإحساس يتخذ شكلًا أكثر وضوحًا: رجل يظهر لها في النوم، بعينين فضيتين تحملان برودة الليل ودفءً لا يُفهم. تحاول ثراء الهروب من هذه الرؤى باللجوء إلى فنها، فترسمه مرارًا دون أن تعرف من يكون، وكأن يدًا خفية تقود فرشاتها. لكن في إحدى الليالي، تستيقظ لتجد أن اللوحة قد اكتملت… وكأن أحدًا قد أنهى رسمه بدلًا عنها. ومن تلك اللحظة، يبدأ الحد الفاصل بين الواقع والخيال في التلاشي. أصوات خافتة في الظلام، ظلال تتحرك في زوايا غرفتها، ورسائل غير مرئية تصلها في كل لوحة. حتى يظهر هو… آسر. كائن من عالم لا ينتمي للبشر، ظلٌّ لا ينام، وعينان من فضة تحملان وعدًا بالامتلاك والحماية في آنٍ واحد. بين الخوف والانجذاب، تبدأ ثراء رحلة سقوط بطيء داخل علاقة تتجاوز حدود الحب، إلى هوسٍ لا يمكن الفرار منه. لكن السؤال الذي يطاردها دائمًا: هل آسر حقيقة تسللت إلى عالمها… أم أن عقلها هو من خلقه ليُنقذها من ماضٍ لم يرحمها؟ في عالمٍ يتلاشى فيه الخط الفاصل بين الجنون والحب، يصبح النجاة أصعب من الهروب.

View More

Chapter 1

١.الظل الذي لا ينام

الوحدة لا تعني أن تبقى دون أشخاص…

أحيانًا تعني أن يبقى معك الشيء الخطأ لفترة طويلة جدًا.”

كان المطر يهطل بهدوء فوق نوافذ الشقة القديمة، صوت قطراته منتظم بشكل يكاد يكون مريحًا، لولا ذلك الإحساس الثقيل الذي يملأ المكان كل ليلة.

ذلك الإحساس نفسه.

إحساس أن هناك من يراقبها.

رفعت ثراء عينيها ببطء عن اللوحة أمامها، ثم نظرت نحو زاوية المرسم المظلمة.

لا شيء.

مجرد ظلال ساكنة.

تنفست ببطء وهي تعيد خصلة شعر طويلة خلف أذنها، محاولة تجاهل القشعريرة التي زحفت أسفل رقبتها دون سبب واضح.

الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل.

كعادتها.

كانت دائمًا تعمل ليلًا.

الليل أكثر رحمة من النهار، وأكثر صدقًا أيضًا.

في النهار تضطر لسماع أصوات البشر، مجاملاتهم، نظرات الشفقة التي تكرهها منذ وفاة والديها.

أما الليل…

فالليل لا يسأل شيئًا.

الليل فقط يراقب.

ابتسمت بسخرية صغيرة من الفكرة، ثم أعادت نظرها إلى اللوحة أمامها.

نفس الرجل مجددًا.

تنهدت بضيق.

“ليس مرة أخرى…”

همست بها وهي تضع الفرشاة جانبًا.

منذ أشهر وهي تحاول رسم وجه مختلف.

أي وجه.

لكن في كل مرة ينتهي بها الأمر وهي ترسمه هو.

رجل لا تعرفه.

رجل يظهر لها دائمًا في أحلامها.

أحيانًا يقف بعيدًا وسط الضباب.

أحيانًا يجلس صامتًا ويراقبها.

وأحيانًا…

يقترب منها لدرجة تشعر معها بأنفاسه.

لكنها لم ترَ وجهه كاملًا أبدًا.

دائمًا هناك شيء ناقص.

تفصيلة تهرب منها فور استيقاظها.

مرة تتذكر فكه الحاد.

مرة تتذكر شفتيه.

مرة صوته.

وفي كل مرة تحاول الإمساك بملامحه كاملة…

تفشل.

اقتربت من اللوحة قليلًا.

هذه المرة كانت قد نجحت في رسم نصف وجهه تقريبًا.

شعر أسود فوضوي.

خط فك حاد.

شفاه هادئة.

لكن الجزء العلوي من الوجه…

لا يزال فارغًا.

كأن عقلها يرفض تذكره بالكامل.

مررت أصابعها فوق خطوط الرسم بخفة.

“من أنت…؟”

كان السؤال يخرج منها دائمًا دون وعي.

وكأن جزءًا منها ينتظر إجابة.

لكن الصمت كان الشيء الوحيد الذي يعود إليها.

دائمًا.

ابتعدت عن اللوحة واتجهت نحو النافذة.

المطر بالخارج ازداد قوة قليلًا، والشارع أسفل بنايتها بدا فارغًا تمامًا.

كانت تحب ذلك.

تحب الإحساس بأن العالم نائم وهي وحدها مستيقظة.

لكن الليلة…

لم تكن تشعر أنها وحدها.

شعرت بذلك مجددًا.

ذلك الثقل الخفي قرب كتفها.

كأن شخصًا يقف خلفها مباشرة.

تجمدت أنفاسها للحظة.

لا تلتفتي.

قالها عقلها فورًا.

لكنها التفتت رغم ذلك.

المرسم فارغ.

لا أحد.

أغمضت عينيها بتعب.

“أنتِ تفقدين عقلك يا ثراء.”

قالتها لنفسها وهي تضغط بأصابعها على جبهتها.

الإرهاق فقط.

السهر.

الكوابيس المتكررة.

هذا كل شيء.

عادت نحو الطاولة وأمسكت كوب القهوة البارد، ثم ارتشفت منه قليلًا قبل أن تتجهم.

بارد.

نسيت أنه موجود أصلًا.

تركت الكوب ونظرت حولها في فوضى المرسم.

ألوان زيتية.

فرش مبعثرة.

لوحات نصف مكتملة.

وأغلبها…

تحمل أجزاء من وجهه.

أحيانًا كانت ترسم عينيه دون قصد، ثم تستيقظ في اليوم التالي غير قادرة على تذكر كيف رسمتهما.

فتقوم بطمسهما مجددًا.

كانت تخاف من ذلك.

تخاف من شعور الألفة الغريب الذي يربطها برجل لا وجود له.

اقتربت من إحدى اللوحات القديمة الملقاة قرب الحائط.

رسم سريع بالقلم الرصاص.

يد رجل.

طويلة الأصابع.

قوية بشكل غريب.

لم تتذكر متى رسمتها.

لكنها تذكرت الحلم.

كانت تمشي داخل مكان مظلم جدًا…

ثم ظهرت تلك اليد أمامها.

امتدت نحوها ببطء.

ولسبب لا تفهمه…

شعرت بالأمان.

رغم أن كل شيء فيه كان يجب أن يخيفها.

أغلقت الدفتر بسرعة وكأنها تهرب من الفكرة نفسها.

ثم اتجهت نحو الأريكة الصغيرة الموجودة داخل المرسم.

جسدها يؤلمها من الجلوس الطويل.

جلست بتعب وأسندت رأسها للخلف.

الصمت.

ثم…

صوت خافت جدًا.

تجمدت.

صوت أنفاس.

قريبة.

قريبة جدًا.

فتحت عينيها بسرعة ونظرت حولها.

لا شيء.

لكنها كانت متأكدة.

متأكدة أنها سمعتها.

أخذت نفسًا عميقًا تحاول تهدئة نفسها.

“هذا ليس حقيقيًا…”

همست بها.

لكن قلبها لم يقتنع.

أغلقت عينيها مجددًا.

وبدون أن تشعر…

غفت.

---

الضباب كان في كل مكان.

باردًا وكثيفًا لدرجة أنها لم تستطع رؤية شيء أمامها.

ثراء كانت تمشي ببطء، حافية القدمين، بينما يلتف الضباب حول ساقيها.

المكان صامت بشكل مرعب.

لكنها لم تشعر بالخوف.

بل بذلك الشعور القديم نفسه…

الترقب.

كأنها تعرف أنها ليست وحدها هنا.

توقفت خطواتها فجأة.

هناك شخص يقف بعيدًا.

مجرد ظل طويل وسط الضباب.

شعرت بقلبها يقفز بعنف داخل صدرها.

هو.

رغم أنها لم ترَ وجهه بوضوح.

كانت تعرفه.

دائمًا تعرفه.

تحرك الظل ببطء نحوها.

خطوة.

ثم أخرى.

حتى بدأت ملامحه تتضح تدريجيًا.

شعر أسود.

جسد طويل.

ومعطف داكن يتحرك مع الريح.

لكن وجهه بقي غامضًا.

كأن الضباب يرفض كشفه.

توقفت أنفاسها عندما اقترب أكثر.

قريب جدًا.

لدرجة أنها شعرت ببرودة جسده قربها.

ثم انحنى قليلًا نحوها.

وكاد يهمس بشيء…

لكنها استيقظت بعنف.

شهقت وهي تعتدل بسرعة فوق الأريكة.

أنفاسها متسارعة.

وقلبها يخفق بقوة مؤلمة.

المرسم لا يزال مظلمًا إلا من ضوء المصباح الأصفر الخافت.

مررت يدها المرتجفة فوق وجهها.

“تبًا…”

نظرت نحو الساعة.

الثالثة والنصف فجرًا.

نامت أقل من ساعة.

تنهدت بتعب، ثم رفعت عينيها نحو اللوحة أمامها…

وتجمدت.

اقتربت منها ببطء.

لا.

لا يمكن.

كانت متأكدة أنها لم ترسم هذا الجزء قبل النوم.

لكن الآن…

هناك خط جديد.

مجرد خط خفيف جدًا بالقلم الأسود.

منحنى بسيط يشبه بداية عين.

شعرت ببرودة تسري داخل أطرافها.

اقتربت أكثر.

لمسته بأصابعها.

اللون لا يزال رطبًا.

تراجعت خطوة للخلف فورًا.

“لا…”

همست بها بخوف.

هي لم ترسمه.

كانت نائمة.

نائمة تمامًا.

نظرت حولها بسرعة.

الغرفة فارغة.

الباب مغلق.

والنوافذ كذلك.

إذن كيف…؟

توقفت أفكارها فجأة عندما شعرت بشيء.

رائحة.

رائحة خفيفة جدًا.

مطر…

ودخان بارد.

اتسعت عيناها ببطء.

هي تعرف هذه الرائحة.

رغم أنها لا تتذكر من أين.

شعرت بقشعريرة قوية تزحف فوق جلدها.

ثم…

جاءها الإحساس مجددًا.

ذلك الإحساس الثقيل بأن أحدًا يقف خلفها مباشرة.

توقفت أنفاسها.

هذه المرة كان أقوى من أي وقت سابق.

حتى الهواء بدا مختلفًا.

أبرد.

أثقل.

كأن الغرفة امتلأت بشخص آخر.

شخص يراقبها بصمت.

أغلقت أصابعها بقوة حول الفرشاة التي بيدها.

لا تلتفتي.

لكنها استدارت بسرعة رغم ذلك.

لا أحد.

شهقت بحدة وهي تحدق في الظلام.

“من هناك؟”

صوتها خرج مرتعشًا.

الصمت.

فقط صوت المطر بالخارج.

لكن…

شيئًا ما تحرك داخل زاوية الغرفة.

شيء صغير جدًا.

كأن الظل نفسه ارتجف.

ابتلعت ريقها بصعوبة.

“من… هناك؟”

همست بها هذه المرة.

لا إجابة.

لكنها شعرت به.

بوضوح مرعب.

شعرت بأنفاس باردة قرب عنقها.

قريبة جدًا.

لدرجة أن شعرها تحرك بخفة.

اتسعت عيناها بصدمة.

وقف جسدها بالكامل.

لا.

لا.

هذا مستحيل.

ثم…

جاءها الهمس.

منخفض جدًا.

خافت لدرجة أنها لم تعرف إن كانت سمعته فعلًا أم تخيلته.

> “اقتربتِ…”

شهقت ثراء بعنف واستدارت بسرعة.

لا أحد.

الغرفة فارغة تمامًا.

لكن الفرشاة سقطت من يدها المرتجفة فوق الأرض.

وقلبها…

لم يتوقف عن الخفقان بجنون.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
45 Chapters
١.الظل الذي لا ينام
الوحدة لا تعني أن تبقى دون أشخاص… أحيانًا تعني أن يبقى معك الشيء الخطأ لفترة طويلة جدًا.” كان المطر يهطل بهدوء فوق نوافذ الشقة القديمة، صوت قطراته منتظم بشكل يكاد يكون مريحًا، لولا ذلك الإحساس الثقيل الذي يملأ المكان كل ليلة. ذلك الإحساس نفسه. إحساس أن هناك من يراقبها. رفعت ثراء عينيها ببطء عن اللوحة أمامها، ثم نظرت نحو زاوية المرسم المظلمة. لا شيء. مجرد ظلال ساكنة. تنفست ببطء وهي تعيد خصلة شعر طويلة خلف أذنها، محاولة تجاهل القشعريرة التي زحفت أسفل رقبتها دون سبب واضح. الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. كعادتها. كانت دائمًا تعمل ليلًا. الليل أكثر رحمة من النهار، وأكثر صدقًا أيضًا. في النهار تضطر لسماع أصوات البشر، مجاملاتهم، نظرات الشفقة التي تكرهها منذ وفاة والديها. أما الليل… فالليل لا يسأل شيئًا. الليل فقط يراقب. ابتسمت بسخرية صغيرة من الفكرة، ثم أعادت نظرها إلى اللوحة أمامها. نفس الرجل مجددًا. تنهدت بضيق. “ليس مرة أخرى…” همست بها وهي تضع الفرشاة جانبًا. منذ أشهر وهي تحاول رسم وجه مختلف. أي وجه. لكن في كل مرة ينتهي بها الأمر وهي ترسمه هو. رجل لا تعرفه.
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٢.الرجل الذي لا أتذكر وجهه
لم تنم ثراء مجددًا تلك الليلة.بقيت جالسة فوق الأرض الباردة داخل المرسم، تضم ساقيها إلى صدرها بينما تحدق في اللوحة بصمت طويل، وكأنها تنتظر أن تتحرك أمامها في أي لحظة.ذلك الخط الصغير…بداية العين.كان لا يزال موجودًا.حقيقيًا.واضحًا.ورغم بساطته، شعرت نحوه بخوف أكبر من أي شيء آخر.لأنها لم ترسمه.كانت متأكدة من ذلك.مدت يدها ببطء نحو اللوحة، ثم لمست الخط الأسود بأطراف أصابعها.جاف الآن.لكنها أقسمت أنه كان رطبًا قبل دقائق.سحبت يدها سريعًا وكأن شيئًا ما قد لسعها.ثم نهضت بتوتر واتجهت نحو الحمام الصغير.فتحت المياه الباردة وغسلت وجهها بسرعة، محاولة طرد ذلك الشعور الثقيل الذي التصق بصدرها منذ استيقاظها.“أنتِ مرهقة فقط…”قالتها لنفسها وهي ترفع رأسها نحو المرآة.لكن الكلمات فقدت تأثيرها منذ زمن.لم تعد تصدق نفسها أصلًا.نظرت إلى انعكاسها قليلًا.وجه شاحب.عينان عسليتان متعبتان تحيط بهما هالات خفيفة.وشعر طويل فوضوي ينسدل فوق كتفيها.كانت جميلة.هذا ما كان الجميع يقوله دائمًا.لكنها لم ترَ نفسها هكذا يومًا.كل ما كانت تراه داخل المرآة…هو شخص يبدو وحيدًا أكثر من اللازم.أخفضت نظرها نحو ي
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٣.أشياء تحدث بعد منتصف الليل
لم تكن ثراء تعرف متى بدأ الأمر بالضبط.هل بدأ منذ الطفولة؟منذ أول مرة استيقظت فيها وهي تشعر بأن أحدًا يجلس قرب سريرها؟أم منذ وفاة والديها، حين أصبحت الوحدة شيئًا حيًا ينام معها ويستيقظ معها؟أم أنه بدأ عندما رأت ذلك الرجل لأول مرة داخل أحلامها؟لم تعد تعرف.لكن ما كانت تعرفه جيدًا…أن الأمور لم تعد طبيعية.وقفت أمام اللوحة لفترة طويلة دون حركة.العين المرسومة لم تكن مكتملة بالكامل، لكنها أصبحت أوضح من قبل.خط منحني داكن.ظل خفيف حوله.وكأن شخصًا بدأ يرسم العين ثم توقف عمدًا.شعرت بقلبها يخفق ببطء مؤلم.هي لم ترسم هذا.كانت متأكدة.لكن المشكلة الحقيقية…أن جزءًا منها لم يعد متأكدًا من أي شيء.ابتعدت عن اللوحة بسرعة، ثم التقطت قطعة قماش وغطتها بعنف.“كفى.”قالتها بصوت مرتجف.كأنها تتحدث مع اللوحة نفسها.أو مع عقلها.أو مع الشيء الذي يراقبها كل ليلة.اتجهت نحو المطبخ وهي تحاول تجاهل الرعشة الخفيفة داخل أصابعها.كانت تشعر بالإرهاق.ليس إرهاق الجسد فقط…بل ذلك النوع من التعب الذي يصيب الروح.أعدّت كوبًا جديدًا من القهوة ثم جلست فوق الرخامة بصمت.الشقة هادئة جدًا.هادئة أكثر من اللازم.حت
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٤.عالمٌ خلف الظلال
لم تستطع ثراء لمس اللوحة. توقفت يدها في الهواء بينما قلبها يخفق بعنف داخل صدرها، كأن شيئًا خفيًا يمنعها من الاقتراب أكثر. العين المرسومة أمامها لم تكن مجرد جزء من لوحة. كانت تبدو… حية. رغم أنها غير مكتملة. رغم أنها مجرد ظلال رمادية وخطوط سوداء متداخلة. لكن هناك شيء داخلها. شيء جعل معدة ثراء تنقبض ببطء. ابتعدت خطوة للخلف وهي تحاول استعادة أنفاسها. لا تنجرفي. قالها عقلها سريعًا. لكن عقلها نفسه بدأ يبدو غريبًا مؤخرًا. مرهقًا. ضبابيًا. وأحيانًا… غير موثوق. أبعدت نظرها عن اللوحة واتجهت نحو النافذة بسرعة، كأنها تهرب منها. المطر توقف أخيرًا. لكن السماء بقيت قاتمة بلون رمادي داكن، بينما الأضواء البعيدة للمدينة تلمع وسط الضباب الخفيف. احتضنت ذراعيها بصمت. ذلك الشعور عاد مجددًا. الإحساس بأنه قريب. ليس داخل الشقة فقط… بل قريب منها هي. من أفكارها. من أنفاسها. ومن شيء أعمق لا تستطيع تفسيره. أغمضت عينيها للحظة. ثم تذكرت الهمس قرب أذنها الليلة الماضية. “ما زلتِ لا تتذكرينني…” فتحت عينيها بسرعة. “كفى.” همست بها بعصبية. “كفى، كفى…” أصبحت تتحدث مع نفسها كثيرًا مؤخرًا.
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٥.المدينة التي تأكل أسماء ساكنيها
استمرت ثراء تحدق في اللوحة لفترة طويلة دون أن تتحرك.العين الفضية المرسومة أمامها لم تكن كاملة بعد، لكنها أصبحت حقيقية بطريقة أزعجتها.ليست “جميلة” فقط…بل مألوفة.وهذا ما أخافها.شعرت وكأنها رأت تلك النظرة من قبل.ليس في حلم.بل في مكان أعمق.مكان لا تتذكره بالكامل.رفعت يدها ببطء نحو اللوحة، ثم توقفت قبل أن تلمسها مباشرة.لأن ذلك الشعور عاد.الحضور.هادئ.بارد.قريب جدًا.لكن المختلف هذه المرة…أنه لم يعد يخيفها كما السابق.وهذا بحد ذاته كان مرعبًا.ابتعدت سريعًا عن اللوحة وكأنها تهرب من فكرة خطيرة، ثم اتجهت نحو الحمام وغسلت وجهها بالماء البارد.رفعت رأسها نحو المرآة.انعكاسها بدا مرهقًا أكثر من المعتاد.الهالات تحت عينيها أصبحت أغمق.وشفتاها شاحبتان قليلًا.حتى عيناها العسليتان…بدتا وكأنهما لا تنتميان لشخص نام بشكل طبيعي منذ أشهر.تنهدت وهي تمسح وجهها بالمنشفة.“سأتوقف عن الرسم لبضعة أيام.”قالتها بحزم.لكن فور خروج الكلمات من فمها…شعرت بانقباض حاد داخل صدرها.ألم مفاجئ.غريب.وكأن شيئًا داخلها رفض القرار.وضعت يدها فوق قلبها ببطء.ثم همست لنفسها بخفوت:“ما الذي يحدث لي…؟”في تلك
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٦.الأشياء التي تعبر الحاجز
كان هناك شيء خاطئ في أحلام ثراء تلك الليلة.ليست كوابيس…بل شيء أعمق.شيء بدا حقيقيًا أكثر مما يجب.كانت تقف داخل ممر طويل جدًا، جدرانه سوداء لامعة كأنها مصنوعة من زجاج محترق، بينما الضباب يتحرك أسفل قدميها ببطء.المكان بارد.بارد لدرجة أن أنفاسها ظهرت أمامها كدخان أبيض.لكن رغم غرابة كل شيء…شعرت أنها تعرف هذا المكان.وكأنها زارته من قبل.بعيدًا جدًا، كانت هناك أصوات همسات غير مفهومة، تأتي من خلف الجدران، كأن المبنى نفسه يتحدث.تحركت ببطء داخل الممر.صوت خطواتها كان خافتًا، مكتومًا بشكل غريب، كأن الأرض تبتلع الأصوات.ثم…رأت الباب.باب ضخم أسود يتوسط آخر الممر، وعليه نقوش فضية تتحرك ببطء كأنها حية.شعرت بقلبها يخفق بعنف.هي تعرف هذا الباب.رغم أنها لم تره من قبل.اقتربت أكثر.وكلما اقتربت…زاد ذلك الشعور داخلهـا.ذلك الإحساس بأن أحدًا ينتظرها خلف الباب.شخص تعرفه.شخص اشتاقت إليه دون أن تفهم لماذا.مدّت يدها ببطء نحو المقبض.لكن قبل أن تلمسه…جاءها الصوت.هادئ.منخفض.وقريب جدًا.“لا تفتحيه…”تجمدت أنفاسها.التفتت بسرعة.لا أحد.لكن الرائحة كانت هناك.مطر…ودخان بارد.ارتجفت أصابعها.
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٧.ما الذي يختبئ داخل الظلال؟
كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا حين أدركت ثراء أنها لن تنام.مرة أخرى.جلست فوق أرضية المرسم الباردة، تسند ظهرها إلى الأريكة الصغيرة بينما تحتضن ركبتيها بصمت.المطر بالخارج عاد من جديد.قطراته تضرب زجاج النوافذ بإيقاع بطيء يشبه الطرقات.والشقة…هادئة أكثر من اللازم.تلك النوعية من الهدوء التي تجعل الإنسان يشعر أن شيئًا سيئًا يختبئ خلفها.رفعت عينيها نحو اللوحة الموضوعة أمامها.لوحة الرجل ذاته.ملامحه أصبحت أوضح بكثير الآن.الفك الحاد.الشعر الداكن الطويل نسبيًا.الرقبة القوية.والعين الفضية التي بدأت تكتمل ببطء مخيف.كل يوم تضيف اللوحة شيئًا جديدًا وحدها.أو هكذا كانت تشعر.وفي كل مرة…كان يبدو أكثر جمالًا.وأكثر واقعية.وأكثر خطورة على عقلها.أغمضت عينيها بإرهاق.ثم همست لنفسها:“أنا أفقد عقلي فعلًا…”لكن حتى تلك الجملة لم تعد تخيفها كما السابق.ربما لأن جزءًا منها…بدأ يتقبل الأمر.وهذا ما كان مرعبًا.رن هاتفها فجأة.انتفضت بخفة قبل أن تلتقطه بسرعة.ليان.ضغطت زر الإجابة فورًا.“ألو؟”— “أنتِ مستيقظة، صح؟”كان صوت ليان متعبًا قليلًا، وكأنها خرجت للتو من مناوبة طويلة.ابتسمت ثراء
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٨.الحارس الذي يفتح عينيه
كانت ثراء تكره الظلام منذ طفولتها. ليس خوف الأطفال العادي من العتمة… بل خوف أعمق. أقدم. خوف يشبه شعور شخص يعرف أن هناك شيئًا يختبئ فعلًا داخل الظلام وينتظر أن تُطفأ الأنوار. ولهذا… حين انقطعت الكهرباء وعادت تلك الهمسات إلى الشقة، شعرت بشيء قديم جدًا يستيقظ داخلها. شيء حاولت نسيانه لسنوات. وقفت وسط المرسم تلهث بينما عيناها مثبتتان على اللوحة. العين الثانية بدأت تتشكل. لم تكن مكتملة بعد، لكنها ظهرت بوضوح كافٍ ليجعل معدتها تنقبض ببطء. عينان فضيتان. باردتان. لكن داخلهما شيء مؤلم بشكل غريب. كأن صاحب النظرة… تعب جدًا من الانتظار. ارتجفت أصابع ثراء وهي تقترب من اللوحة ببطء. “لا…” همست بها. “أنا لم أرسم هذا…” لكن صوتها بدا ضعيفًا حتى لنفسها. لأن جزءًا منها… بدأ يتوقع حدوث تلك الأشياء. وهذا أسوأ. مدّت يدها المرتجفة نحو اللوحة. وقبل أن تلمسها… رن هاتفها بعنف. شهقت والتفتت بسرعة. ليان. أجابت فورًا وكأنها تتمسك بشيء يعيدها للواقع. “ألو؟” — “ثراء؟” كان صوت ليان متوترًا. “أنتِ بخير؟” أغمضت ثراء عينيها للحظة. “لا أعرف.” ساد صمت قصير. ثم سألت ليان بسرعة: — “ماذا ح
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
٩.الشيء الذي كان يتنفس في الظلام
انطفأت الأنوار.وفي اللحظة نفسها…شعرت ثراء أن الشقة كلها تغيّرت.ليس مجرد ظلام عادي.بل ذلك النوع من العتمة الذي يبدو حيًا.كأن الضوء لم يختفِ فقط…بل ابتُلِع.توقفت أنفاس ليان للحظة.ثم سمعت صوت ثراء قربها مباشرة:“ليان…؟”صوتها خرج مرتجفًا.“أنا هنا.”قالتها ليان بسرعة وهي تتحسس هاتفها داخل جيب معطفها.لكن قبل أن تُخرج الكشاف…سمعتا الصوت.شهيق بطيء.عميق.كأن شيئًا ضخمًا يتنفس داخل المرسم.تجمدتا معًا.الصوت لم يكن بشريًا.ولا قريبًا.ولا بعيدًا.بل بدا وكأنه يخرج من الجدران نفسها.ضغطت ليان على ضوء الهاتف بسرعة.اشتعل النور الأبيض داخل العتمة.المرسم ظهر مجددًا.اللوحات.الأثاث.الألوان المبعثرة.لكن شيئًا ما كان خطأ.الظلال.كانت أطول من المفترض.أعمق.وكأنها لا تتبع الأشياء التي صنعتها.شعرت ليان بقشعريرة تزحف فوق ذراعيها.ثم نظرت نحو ثراء.كانت شاحبة جدًا.عيناها مثبتتان على زاوية الغرفة البعيدة.تتبعت ليان نظرها ببطء.لا شيء هناك.لكن…الظلام داخل تلك الزاوية بدا كثيفًا بشكل غريب.كأنه كتلة سوداء لا يصل إليها الضوء.“ثراء…”همست ليان بقلق.لكن ثراء لم ترد.كانت تنظر إلى الزاو
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more
١٠.حين نُطق الاسم
غادرت ليان بعد منتصف الليل بقليل. لكن ثراء لم تشعر فعلًا بخروجها. كانت واقفة عند باب الشقة، تراقب صديقتها وهي تبتعد في الممر، بينما عقلها بالكامل كان عالقًا داخل المرسم. هناك. حيث اللوحة تنتظرها. قبل أن تغادر، التفتت ليان إليها للمرة الأخيرة وقالت بقلق واضح: — “حاولي تنامي الليلة… أرجوكِ.” ابتسمت ثراء ابتسامة خافتة ومتعبة. لكنها لم تعد قادرة على تقديم وعود لا تستطيع تنفيذها. أغلقت الباب ببطء. ثم عاد الصمت. ذلك الصمت الثقيل الذي أصبحت تكرهه مؤخرًا. صمت يجعلها تشعر أن الشقة لا تخلو منها وحدها. وقفت للحظات مكانها. تستمع. المطر بالخارج كان هادئًا الليلة، مجرد قطرات خفيفة تضرب النوافذ بإيقاع بطيء. لكن خلف صوت المطر… كان هناك شيء آخر. أنفاس. ليست مسموعة بالكامل. لكنها موجودة. أغمضت عينيها للحظة. ثم استدارت ببطء نحو المرسم. وقلبها انقبض فورًا. لأنها شعرت به. بقوة لم تشعر بها من قبل. الحضور. ليس بعيدًا الليلة. ليس مختبئًا داخل الأحلام. بل هنا. داخل الشقة. ينتظرها. دخلت المرسم ببطء. وكان أول شيء لاحظته… البرد. الهواء داخل الغرفة كان باردًا بشكل غير طبيعي، حتى
last updateLast Updated : 2026-05-25
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status