Share

الفصل 3

Author: كعكة القلقاس
بعد أسبوع، حل موعد العشاء العائلي الشهري لعائلة الفياض كما هو معتاد.

لم يكن أرغد موجودا، فاضطرت يمنى إلى الحضور وحدها.

وما إن رأتها والدة أرغد حتى اكفهر وجهها وقالت: "أين أرغد؟"

أطرقت يمنى بعينيها وقالت: "لديه أمر ما، ولن يستطيع العودة في الوقت الحالي."

سخرت والدة أرغد ببرود، وكانت على وشك أن تتكلم، حين أقبل كبير الخدم على عجل وقدم لها صحيفة فنية.

وكان العنوان الرئيسي، على نحو صارخ، صورة لأرغد وشذى وهما يتعانقان ويتبادلان قبلة على متن يخت!

"طق!" ضربت والدة أرغد الملعقة على الطاولة بقوة، وقد بلغ بها الغضب مداه: "بشرى! تعالي معي إلى غرفة المكتب!"

وما إن دخلت غرفة المكتب، حتى قالت والدة أرغد بحدة: "اركعي!"

ركعت يمنى في صمت.

قالت والدة أرغد وهي ترتجف من شدة الغضب: "عديمة النفع! حتى زوجك لا تستطيعين الحفاظ عليه! أمامك الآن خياران: إما أن تتصلي به فورا وتطلبي منه العودة، وإما... أن تتحملي عقاب العائلة التأديبي!"

ارتعشت رموش يمنى قليلا.

كانت تعلم أنه حتى لو اتصلت، فلن يعود أرغد.

ثم إنها لا تستطيع أن تقاطع خلوته مع من يحبها. فإن غضب، فمن المرجح أن تتأثر شراكة العائلتين.

قالت بصوت خافت: "أختار عقاب العائلة التأديبي."

استشاطت والدة أرغد غضبا: "أعيدي ما قلته؟!"

"أختار عقاب العائلة التأديبي." رفعت يمنى رأسها، ونظرتها هادئة، "اضربيني."

ازداد وجه والدة أرغد قتامة من شدة الغضب، فانتزعت السوط المعلق على الجدار، وهوت به بقسوة على ظهرها!

"هل ستتصلين به أم لا؟!"

"طق!"

"هل ستتصلين به أم لا؟!"

"طق!"

عضت يمنى على شفتيها بقوة. كان ظهرها يحترق ألما، لكنها ظلت تهز رأسها من البداية إلى النهاية.

وفي النهاية، اشتد بها الألم حتى أظلمت الدنيا أمام عينيها، وفقدت وعيها مباشرة.

عندما استفاقت مرة أخرى، كانت مستلقية على بطنها فوق سرير المستشفى، وظهرها ملفوف بالضمادات.

أما أرغد، فكان جالسا إلى جوار سريرها، وقد عقد حاجبيه بشدة.

سألها بصوت بارد: "لماذا لم تطلبي مني العودة حين ضايقتك أمي؟"

ابتسمت يمنى ابتسامة واهنة وقالت: "لم أرد أن أزعج موعدك مع الآنسة شذى."

تجمد أرغد للحظة.

حدق في وجهها الشاحب، وفجأة تذكر الجملة التي قالتها الممرضة:

"لأنها تحب السيد أرغد إلى هذا الحد، فهي مستعدة حتى لرعاية المرأة التي يحبها..."

هل كانت... تحبه إلى هذا الحد؟

إلى درجة أنها تفضل أن تعاقب هي، ولا تزعجه؟

ازداد ذلك الشعور الغريب في قلب أرغد وضوحا.

وفي الأيام التالية، وعلى غير عادته، بقي في المستشفى يعتني بها.

قالت يمنى إنه لا داعي لذلك، لكنه لم يغادر.

حتى جاء يوم خروجها من المستشفى، فتلقى أرغد مكالمة مفاجئة، قيل له فيها إن في الشركة أمرا عاجلا، وأن عليه الذهاب إلى اجتماع.

قال لها وهو يلقي بهذه الجملة ثم يستدير مغادرا: "عودي وحدك."

أومأت يمنى، ثم خرجت من المستشفى ببطء.

وما إن نزلت الدرجات حتى اصطدمت بشخص من غير قصد.

صرخ ذلك الشخص شاتما: "أنت عمياء أم ماذا؟! هل تعرفين كم يبلغ ثمن هذه الملابس؟ هل تستطيعين التعويض وأنت ترتدين هذه الثياب البائسة؟!"

كانت يمنى على وشك الاعتذار، حين جاءها من خلفها صوت بارد صارم:

"اغرب عن وجهي."

لم تعرف متى نزل أرغد من السيارة. ألقى مباشرة رزمة من النقود على وجه ذلك الشخص وقال: "هل يكفيك هذا؟"

كان ذلك الرجل على وشك أن يثور غضبًا، لكنه ما إن رأى هيئة أرغد وهيبته حتى انكمش وانسلّ هاربًا في الحال.

رمق أرغد يمنى بنظرة باردة وقال: "بشرى، ألم تعطك عائلة السالمي وعائلة الفياض المال؟ لماذا ترتدين هكذا؟"

لاذت يمنى بالصمت.

فعائلة السالمي لم تعطها مالا قط. أما عائلة الفياض، فعلى الرغم من وجود بطاقة كبار العملاء السوداء، فإنها في النهاية ليست زوجة أرغد الحقيقية، ولذلك لم تكن تستخدمها أبدا.

ولما رآها لا تتكلم، اشتعل في صدر أرغد غضب مجهول السبب، فأمسك بها مباشرة وجرها إلى السيارة.

"سنذهب لشراء ملابس."

في مركز التسوق، اختار لها أرغد عدة أطقم من الأزياء الراقية، وكان ثمن كل قطعة منها باهظا.

ظلت يمنى طوال الوقت تتعاون معه بهدوء، كدمية تحركها الخيوط بلا أي مشاعر.

لكن ما إن خرجا للتو من مركز التسوق حتى سمعا صوتا مرتجفا:

"أرغد؟"

رفعت يمنى رأسها، فرأت شذى واقفة على مسافة غير بعيدة، وما زالت ترتدي زي النادلة التي تعمل بدوام جزئي.

كانت عيناها محمرتي الحواف، ونظرت إليهما غير مصدقة: "ألم تقل إن لديك اجتماعًا في الشركة؟"

تبدلت ملامح أرغد قليلًا: "شذى..."

انهمرت دموع شذى وقالت: "يمكنك ألا تحبني... لكن كيف تكذب علي؟ ما كان ينبغي لي أن أعود. أنا من أزعجتكما..."

وبعد أن أنهت كلامها، استدارت وركضت بعيدا.

"شذى!" لحق بها أرغد على الفور.

وقفت يمنى في مكانها، تنظر إلى ظهره، وقلبها ساكن تماما.

لكن في الثانية التالية بالذات——

دوّى صوت هائل!

تحطم لوح زجاجي في الطابق العلوي من مركز التسوق فجأة، وهوى مباشرة على رأس شذى!

لم تتمكن حتى من إصدار أنين واحد، وسقطت مباشرة وسط بركة من الدماء...
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 24

    هطل الثلج في مدينة الجنوب على نحو مفاجئ.وقف أرغد عند باب النُّزل الذي تقيم فيه يمنى، وقد غطّت طبقة رقيقة من الثلج معطفه الأسود. كانت أطراف أصابعه قد احمرّت من شدة البرد، لكنه ظل يقبض بقوة على ظرف الملفات في يده.حدّق في الباب المغلق، وتحركت تفاحة حلقه، ثم رفع يده أخيرًا وطرق الباب.انفتح الباب.كانت يمنى واقفة عند المدخل، وحين رأته، لم يظهر على وجهها أدنى اضطراب، "هل هناك أمر؟"توقف نفس أرغد لحظة.كان يظن أنه حين يراها مرة أخرى، سيكون لديه الكثير مما يريد قوله. لكن عندما جاءت هذه اللحظة فعلًا، اكتشف أن حلقه كأنه مسدود بشيء ما، فلم يستطع إخراج كلمة واحدة.قال بصوت أجش، وهو يمد ظرف الملفات في يده قليلًا نحوها: "أنا... أرجو أن تلقي نظرة على هذا."نزل بصر يمنى إلى الملف، لكنها لم تأخذه: "ما هذا؟"قال أرغد، وكانت أطراف أصابعه ترتجف قليلًا: "كل ما فعلته شذى بك. عرفت للتو أنها كانت تلفق لك التهم طوال الوقت. هذه كلها أدلة."بعد أن سمعت يمنى كلامه، لم يظهر على وجهها حتى أثر دهشة. أزاحت بصرها بهدوء، وقالت: "آه. لم أعد أهتم بهذه الأشياء."هوى قلب أرغد فجأة.كان يظن أنها ستغضب، ستشعر بالظلم، بل ر

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 23

    وقف أرغد في الحديقة، والدم يقطر من مفاصل أصابعه على الأرض، لكنه لم يكن يشعر بالألم.كانت عيناه مثبتتين بقوة على الاتجاه الذي غادرت منه يمنى، وصدره يموج بعنف وندم لم يعرفهما من قبل."السيد أرغد!" أسرع المساعد إليه، وفي يده ملف، وكان وجهه جادا: "وجدنا الأمر."سحب أرغد نظره ببطء، وجاء صوته باردا كالجليد: "ما هو؟"تردد المساعد لحظة، ثم ناوله الملف في النهاية: "هذه... كل الأشياء التي فعلتها الآنسة شذى بالسيدة يمنى خلال هذه السنوات."خطف أرغد الملف من يده، ومزقه بعنف.كان بداخله رزمة من الصور، ولقطات من كاميرات المراقبة، وملفات تسجيل صوتي. قلّب بضع صور بلا اكتراث، فتقلصت حدقتاه فجأة——في الصور، كانت شذى تقف عند مدخل الدرج، وتنتظر حتى يخلو المكان، ثم تتعمد سكب الماء على الدرج.وفي تسجيل المراقبة، كانت تستغل غفلة يمنى، وتبدل دواءها سرا بدواء مسهل.وكان هناك أيضا تسجيل صوتي:"تلك المرأة الغبية، ما إن أتظاهر بالقليل من المسكنة حتى يصدقني أرغد. تستحق كل ما أفعل بها..."اشتدت قبضة أرغد شيئا فشيئا، حتى تكومت الأوراق في راحته.صار تنفسه أثقل فأثقل، وكانت في عينيه عاصفة مرعبة.قال المساعد وهو يبتلع ر

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 22

    لم يكن أرغد مستعدا لذلك، فتراجع مترنحا بضع خطوات، وتسرب خيط دم من زاوية فمه.وقف أكرم أمام يمنى، وكانت نظرته حادة كالسكين، وصوته يحمل تحذيرا لا يخفيه: "ابتعد عنها! إن لمستها مرة أخرى، فسأتصل بالشرطة فورا."رفع أرغد يده ومسح الدم عن زاوية فمه، ثم نظر إلى أكرم بعينين قاتمتين، قبل أن تقع نظرته من جديد على يمنى.كانت ملامحها ما تزال هادئة، كأن كل ما حدث قبل لحظات لا علاقة له بها.قال أرغد بسخرية باردة، وكانت في عينيه مشاعر معقدة تتلاطم: "إذن هكذا الأمر... تركتني بسببه؟"نهضت يمنى، ونفضت عن فستانها غبارا غير موجود، وقالت بلهجة فاترة: "أرغد، ألا تعطي نفسك أكثر من قدرها؟""رحيلي عنك لم يكن يوما بسبب أي شخص."انكمشت حدقتا أرغد فجأة، وكأن مطرقة ثقيلة ضربت صدره، حتى صار التنفس صعبا عليه: "إذن لماذا رحلت؟ ما بيننا..."قاطعته يمنى: "لا يوجد بيننا شيء." وأخيرا رفعت عينيها لتنظر إليه، وكانت نظرتها باردة كالجليد: "أرغد، هل نسيت؟ طوال هذه السنوات الثلاث، بقيت إلى جانبك من أجل المال والحرية فقط. والآن انتهت الصفقة، ولم يعد بيننا حساب."قال أرغد وهو يكاد يطحن الكلمات بين أسنانه: "لم يعد بيننا حساب؟ يمنى

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 21

    في المساء، هطلت عاصفة مطرية فجأة.كانت يمنى في المطبخ تعد القهوة، والرعد يدوي خارج النافذة، فيما كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بقوة متتابعة.وما إن أغلقت النافذة جيدا، حتى سمعت طرقا عاجلا على الباب.قالت وهي تفتح الباب: "من؟" كان أكرم واقفا خارج الباب، وقد ابتل جسده بالكامل، وذراعاه تحتضنان شيئا بإحكام.قالت على عجل وهي تفسح له الطريق: "ادخل بسرعة!"دخل أكرم بخطوات سريعة، ثم رفع معطفه بحذر—— كانت هناك هريرة بيضاء هزيلة منكمشة في حضنه، ترتجف من البرد.قال بصوت منخفض يحمل شيئا من الشفقة: "وجدتها عند مدخل الزقاق، كادت المياه تجرفها."أسرعت يمنى وأحضرت منشفة، ولفت بها الهريرة برفق: "امسحها أولا، سأذهب لأحضر مجفف الشعر."استدارت لتغادر، لكن أكرم أمسك معصمها فجأة.قال وهو يقطب حاجبيه، ثم مد يده يمسح قطرات المطر عن كتفها: "شعرك مبلل أيضا."كانا قريبين جدا، حتى إن يمنى استطاعت أن تشم منه رائحة المطر الخفيفة، ممزوجة بعبق صاف من خشب الصنوبر.اختل نبض قلبها للحظة، فتراجعت نصف خطوة بلا وعي.سحب أكرم يده، وسعل بخفة: "لنعتن بالقطة أولا."قالت وهي تخفض رأسها، وقد سخنت أطراف أذنيها قليلا: "أمم."جلست ي

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 20

    وقف أرغد في أحد شوارع مدينة الجنوب، وكان نسيم البحر المحمل برطوبة مالحة يهب على وجهه.نظر إلى المدينة الغريبة والمزدهرة أمامه، وكانت عيناه قاتمتين مرهقتين.مضى شهر كامل، كاد خلاله يقلب كل زاوية في مدينة الجنوب رأسا على عقب، لكنه لم يعثر قط على أي أثر ليمنى.لم تكن المعلومة التي أرسلها مساعده تقول سوى إنها اشترت تذكرة الطائرة إلى مدينة الجنوب. لكن هذه المدينة كبيرة إلى هذا الحد، فأين اختبأت بالضبط؟فرك أرغد صدغيه، وقد امتلأت عيناه بخيوط الدم من كثرة التنقل والتعب في الأيام الماضية.رفع يده ونظر إلى ساعته، فوجد أن الوقت قد بلغ التاسعة ليلا. وبدأ المارة في الشارع يقلون شيئا فشيئا.مضى يمشي بلا هدف، وعيناه تمسحان كل شخص يمر أمامه، خوفا من أن يفوّت أدنى احتمال.وفجأة، توقفت خطواته بعنف.على مسافة غير بعيدة أمامه، كانت امرأة ترتدي فستانا أبيض تقف تحت عمود الإنارة وظهرها إليه.ذلك الظهر النحيل، وتلك الخصلات التي ارتفعت قليلا مع الهواء، كل شيء فيها كان يشبه يمنى إلى حد بعيد.انقبض قلب أرغد فجأة، وكأن الدم في عروقه غلى في لحظة.اندفع إليها بلا وعي تقريبا، وأمسك معصمها دفعة واحدة، وكان صوته أجش

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 19

    في الجهة الأخرى، كانت يمنى واقفة عند شاطئ البحر، والنسيم المالح الرطب يلامس وجنتيها، فيحرك خصلات شعرها برفق.في البعيد، صبغ الغروب سطح البحر بلون برتقالي محمر، وكانت الأمواج تتدافع طبقة بعد طبقة نحو الرمل، ثم تنسحب ببطء.أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها، تستشعر هدوءًا افتقدته منذ زمن طويل."آنسة يمنى؟"جاءها صوت رجل لطيف من خلفها.التفتت يمنى، فرأت رجلًا طويل القامة، رشيق البنية، يقف غير بعيد، وفي يده كيس من المأكولات البحرية الطازجة.كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا مريحًا، ملامحه وسيمة هادئة، وعلى طرفي شفتيه ابتسامة خفيفة.قال وهو يقترب بضع خطوات، وصوته دافئ هادئ: "أنا أكرم الرواس، أسكن في البيت المجاور لك. سمعت أنك انتقلت اليوم، فأحضرت لك بعض المأكولات البحرية، هدية تعارف بين الجيران."ترددت يمنى لحظة، ثم ابتسمت بأدب: "شكرًا، لكن لا داعي..."مد أكرم الكيس إليها وقال بنبرة طبيعية: "لا داعي للتكلف. تشتهر مدينة الجنوب بمأكولاتها البحرية الطازجة، وبما أنك وصلت للتو، فجربي نكهة المدينة." كان موقفه لا مبالغًا في الحفاوة ولا باردًا، بل ودودًا بالقدر المناسب، بحيث يصعب رفضه.ترددت يمن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status