로그인جلس فجأة أمامي، خافضاً رأسه الضخم ليصبح في مستوى عينَيّ تماماً. تلك القزحيات ذات اللون الأزرق الفولاذي أربكتني، وجعلت قلبي يخفق بقوة ويتجاوز عدة دقات متتالية. شعرتُ بسحر غريب يربطني به، وكأنني أستطيع الغرق في التحديق داخل عينيه لساعات دون ملل، بينما سرت قشعريرة باردة أوقفت شعر ذراعيّ.
ودون أن يقطع التواصل البصري بيننا، اقترب بضع خطوات، ثم أراح رأسه الثقيل فوق فخذيّ الصغيرتين مع تنهيدة إرهاق عميقة هزت جسده. بأكبر قدر ممكن من الرقة والحرص، مددتُ يدي نحو خطمه المليء بالندوب كي يعتاد وجودي، ثم مررتُ أصابعي بين فروه الشائك وعلى طول جمجمته. استكان لمستي بمرونة، واستلقى على جانبه مسترخياً بالكامل فوق الأرض، فبدا مجهداً إلى حدٍ يبعث على الشفقة.
تأملتُ هيئته بتعجب، متسائلةً بجهل عن سلالة الكلاب التي قد ينتمي إليها هذا الوحش. أعلم أن بعض كلاب "الماستيف التبتي" تتمتع بأجساد ضخمة للغاية، وأعرف أكثر من رجل في حواري نيويورك يطمحون لتهجينها مع كلاب "البولماستيف" لخلق سلالة قتالية شرسة ومذهلة. خمنتُ أنني أتعامل مع أحد هذه العينات المهجنة والمفترسة.
لكن على أي حال، ومن أي جحيم أتى، كان وضعه الصحي مريعاً. لم أستطع إجبار نفسي على تركه ينزف في الحديقة، رغم أنني تساءلتُ بحيرة عن خياراتي؛ فهو بالتأكيد ليس بالحجم الذي أستطيع حمله تحت ذراعي والركض به!
قررتُ مجاملة الظروف والمخاطرة، فنهضتُ ببطء تحت أنظاره المراقبة. مدد خلبًا ضخمًا يعادل حجم ذراعي في محاولة لإبقائي بجانبه على الأرض، لكنه كان يفتقر إلى القوة الكافية. سحبتُ نفسي بسهولة وتراجعتُ خطوات للوراء لأحفزه على السير خلفي، آملةً في جره إلى شقتي بأمان.
ناديته بنبرة دافئة: "تعال معي يا ذئبي الصغير..."
مددتُ يدي ليملأ نخرتيه برائحتي. وما إن رأيته يمد رقبته بجهد وينهض على قدميه كما توقعت، حتى أسرعتُ بالتقاط إبريق الماء وحقيبتي الفارغة وتراجعتُ بضع خطوات إضافية. تردد في البداية، ثم بدأ يتقدم نحو بخطوات ثقيلة ومترددة بسبب إرجاله. ولدى خروجنا من الحديقة، كان يعرج بجانبي محاولاً الاستناد على جسدي كي لا يترنح. كان ارتفاع ظهره يوازي كتفي تقريباً، وكان وزنه هائلاً يضغط على أنفاسي، لكنني نجحتُ أخيراً في سحبه والدخول به إلى الشقة.
بمجرد عبور العتبة، انهار على الأرض تماماً، شاغلاً كل الشبر المتبقي من المساحة الممتدة بجوار فراشي الأرضي، حتى أصبحتُ أضطر لتخطيه أثنائ تحركي. ورغم حجمه الاستثنائي الشبيه بالوحوش، أبدى هدوءاً ورزينة عجيبة، مما ألمح لي بأنه اعتاد العيش داخل منازل بشرية من قبل.
هززتُ كتفيّ بلا مبالاة؛ فالمهم الآن هو إسعافه ولا تهمني خلفيته. جثوتُ على ركبتي بجانبه، وعرضتُ عليه يديّ الملطختين بمواد التطهير ليستنشقها ويطمئن للمستلزمات التي جمعتها لمداواة جراحه. وبعد بضع شمات حذرة، أراح رأسه على السيراميك مستسلماً، فبدأتُ العمل. لحسن الحظ، لم تكن التمزقات عميقة في أحشائه، لكن شكل الندوب أظهر وكأنه خاض معركة دموية ضد دب مفترس... أو ربما ضارية ضد وحش آخر من بني جنسه.
بعد تنظيف الجراح وربطها، قدمتُ له طعامه. لم يبدُ عليه الاشتهاء لطعام الكلاب الجاف، فقمتُ بتذويب المعكرونة بالجبن المتبقية لديّ وأضفتُ إليها مرقاً ساخناً. لم تكن وجبة صحية ومتقنة، لكن جسده المنهك كان بحاجة ماسة إلى أي مصدر للطاقة.
عندما بلع آخر خصلة معكرونة، كانت أرقام الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً. أطلقتُ تنهيدة متعبة، وألقيتُ بجسدي المتهالك فوق الفراش، متكورةً حول نفسي لأسترق أقصى قدر ممكن من الراحة خلال ساعة النوم الواحدة المتبقية لي قبل دوامي.
بعد دقائق معدودة، انطلق صوت المنبه كالصفعة، فتأوهتُ بضيق وسحبتُ الشاشة لإسكاته. وحين حاولتُ النهوض، اكتشفتُ أن "ذئبي" قد احتكر الفراش بالكامل؛ إذ انغرس جسده الثقيل بجواري، مستلقياً برأسه الفاخر فوق خصري، بينما كان دفء أضلعه يشل حركة ساقيّ تماماً. داعبتُ المساحة الفاصلة بين عينيه برفق وهو يتثاءب بكسل، وعندما أبديتُ رغبتي في الحركة، أزاح جسده قليلاً ليسمح لي بالخروج.
عند وقوفي أمام مرآة الحمام، لم يكن الانعكاس مشجعاً على الإطلاق: عيناي الخضراوان الزمرديتان غرقتا وسط هالات سوداء تجعلني أشبه بدب الباندا، وبشرتي بدت شاحبة بشكل مرعب. أملةً في استعادة مظهري البشري، فرشتُ شعري البني الغزير بقوة، وربطتهُ على هيئة ذيل حصان مرتفع قبل أن أقفز تحت مياه الدش الباردة. ارتديتُ بنطال جينز أسود وقميصاً رمادياً بسيطاً، وتوجهتُ نحو باب الخروج.
كان الذئب واقفاً عند الصالة، يتابع حركاتي بفضول ثاقب. لاحظتُ بذهول أن جراحه التقت والتأمت بشكل عجيب وسريع مقارنة بالليلة الماضية، حتى إن فروه الباهت بدأ يستعيد بعضاً من بريقه. ربما كان كل ما يحتاجه هو الوجبة الساخنة والنوم. ترددتُ في تركه بمفرده داخل الشقة، لكنه دفع بخطمه تحت ذراعي برفق. شعرتُ برغبته الصريحة في الخروج، ولم أرد بالطبع أن يقضي حاجته داخل الشقة.
فتحتُ الباب على وسعه، وراقبته وهو يعبر العتبة بخطوات أكثر نشاطاً وانتباهاً بكثير عن الأمس. وعلى السلالم، انطلق يتجول كجرو مرح، رافعاً أنفه لاستنشاق الهواء. كان من المبهج رؤيته يسترد عافيته بهذه السرعة. وقفتُ أراقبه وهو يختفي عند زاوية الشارع بالتزامن مع وصول حافلتي. صعدتُ الدرجات وأنا أشعر بالارتياح؛ فربما ألقاه مجدداً الليلة، أو ربما وجد مكاناً أفضل وأكثر أماناً للنوم.
جلستُ على المقعد بينما انطلقت الحافلة تدق الأسفلت. وفجأة، شق الفضاء عواء مأساوي خارق—عواء مدوٍ يمزق طبلة الأذن ويفطر القلوب. سمعه سائق الحافلة أيضاً، لكن بدلاً من التوقف عندما ترجيته بيأس، ضغط على دواسة البنزين وزاد من السرعة! تجمدتُ في مقعدي من الرعب، وحاولتُ التطلع عبر النافذة الخلفية، لكننا كنا قد تجاوزنا زاوية الشارع بالفعل. ركضتُ إلى المقدمة، أترجى السائق أن يفتح الباب، لكنه رفض الاستماع إليّ، وكان الخوف يمتلكه بالكامل.
قبضتُ على قضيب الحافلة وقلبي يعتصر ألماً وأنا أرى الشوارع تتوارى. فكرتُ في القفز عند المحطة التالية للركض نحوه... هل دهسته سيارة؟ لكن الطريق كان خالياً من السيارات!
وبينما كنتُ واقفة أرتجف، رن هاتفي. نظرتُ إلى الشاشة وهوى قلبي إلى القاع؛ تمنيتُ تحطيم الجهاز على الزجاج. ومع ذلك، فتحتُ الخط لأنني أعلم تماماً أنه لا خيار لدي أمام هذا الكابوس. دوى صوت زوج أمي، "كارلوس"، عبر السماعة بنبرته المريضة:
"هل جمعتِ المال؟"
أجبتُ بصوت خافت: "نعم..."
أمر بصرامة: "الليلة، الساعة التاسعة مساءً. في شقتك. كوني في الموعد!"
ثم أغلقت المكالمة. ذلك العاهر القذر!
أكره هذا الرجل من أعمق نقطة في روحي. إنه الشخص الذي أكرّس كل قطرة عرق في حياتي للهرب منه؛ بل لستُ متأكدة حتى ما إذا كانت كندا بعيدة بما يكفي للفرار من بطشه. لقد دمر أمي وسحبها لتصبح راقصة تعرٍّ قبل أن يحولها إلى فتاة ليل، وحلمه الوحيد هو أن يفعل الشيء نفسه بي. لقد جعل كل يوم من حياتي جحيماً يعزفه الخوف والألم منذ طفولتي. يحيط نفسه بقاذورات وحثالة المجتمع، يتغذى على كل ما هو غير قانوني وبشع تقدمه أحياء المدينة المظلمة. وكل ما أستطيعه لإبقائه بعيداً عن جسدي هو دفع الإتاوة المالية التي يفرضها عليّ بدعوى "تربيتي".
كان بإمكاني تسديد قبضة إلى وجهه وكسر أسنانه—فهو ليس أطول مني بكثير وجسده متهالك من السموم. لكن لا أحد يملك جراءة القول "لا" لكارلوس؛ فقبل أن أرفع يدي، سيتكفل رجال حراسته بإنهائي. حاولتُ الهرب مرة واحدة في الماضي، وكانت الشرطة الفاسدة هي من أعادتني إلى قبصته. واستغرق الأمر مني شهراً كاملاً واستلقاءً في الفراش لأتمكن من المشي مجدداً بعد العلقة الدموية التي أذاقني إياها.
جلستُ على مقعد الحافلة مطأطأة الرأس وأنا أرتجف. ما زال الرعب يتملكني مع كل لقاء يقترب مع هذا الرجل. سيتوجب على ذئبي المسكين تدبر أمره بمفرده في الوقت الحالي؛ فأنا مجبرة على جمع المزيد من المال فوراً، وإلا فإن كارلوس سينتهي به المطاف بسلب حياتي بالكامل.
سالت دموع غضبي الحارقة ولم أستطع كبحها، لكنني تمسكتُ بفكيرة أمل واحدة في عقلي: يوماً ما... سأكون حرة.
نهض كارلوس بعدها ببطء، وهو يقهقه بخبث ودون أن يكلف نفسه عناء تقديم أي تفسير، قبل أن يدور حولي متوجهاً نحو مخرج الباب. سمعتُ وقع أقدام أتباعه يتبعون خطواته الشيطانية، بينما كانت دموع قهر ي حارة تنزلق من وجنتيّ لتهوي على السيراميك البارد. كان نفسي مقطوعاً وأواجه صعوبة بالغة في التنفس؛ كنتُ مرعوبة إلى حد الشلل، متألمة في كل شبر من جسدي، ومغمورة بشعور حارق من الخزي والعار. المرة تلو الأخرى، ينجح هذا المسخ في إلقائي أرضاً ويدوس على كرامتي؛ المرة تلو الأخرى، يخرج هو المنتصر. والأدهى من ذلك كله، أنه ترك لي وعداً مسموماً بالعودة قريباً ليفعل ما لا يعلم قسوته إلا الله... وفي هذه المرة، كنتُ متأكدة تماماً أنه لن يكتفي بمجرد أخذ "إتاوة الإيجار".مر الوقت ببطء قاتل، ورغم ذلك، عجزتُ عن استعادة سكوني وتوازني النفسي. ولشدة الإنهاك الذي يعتصرني، استندتُ بكفي على الجدار المتهالك محاولةً النهوض والوقوف على قدميّ، وفجأة، امتدت أصابع جلفة وقاسية لتقبض على قماش قميصي الرمادي، رافعةً جسدي عن الأرض بقوة غاشمة. وحين أدرتُ رأسي بنزعاج أتعرف على هجمي الجشع الجديد، أدركتُ أنه أحد أتباع زوج أمي القذرين—كنتُ أظن
طوال النهار، ظل الرعب يناوشني كظلٍ ثقيل، أخشى تلك اللحظة التي سأضطر فيها إلى العودة للمنزل. بين ذئبي الذي ربما ينازع الموت هناك، وبين كابوس "كارلوس" المتجدد، كستني رهبة شلت تفكيري عما يمكن أن أواجهه في ذلك الجحر المظلم.ومع ذلك، ها أنا ذا أقف عند المفترق.اتصلتُ بالخمارة التي أعمل بها لأخبرهم أنني لن أستطيع الحضور الليلة، واستغللتُ ذريعة وهمية عن موعد طبي لأوقف جولات التوصيل قبل وقتها المعتاد بكثير. ورغم البطء القاتل للحافلة، تمنيتُ بداخل سرّي أن أصل في الموعد المحدد؛ فكلما طال انتظار زوج أمي، كلما أصبح أكثر وحشية وشراسة. لقد رأيته بعينيّ هاتين يلقي برجلاً من النافذة لمجرد أنه تأخر ساعتين عن موعده. لا أحد يجرؤ على إهانة "البارون" بانتظارٍ أحمق.بارتجاف شل أصابعي، نزلتُ من الحافلة ولفتُ نظري في الأرجاء، أترقب بخوف ظهور أحد رجال "كارلوس"، لكن الشارع كان مقفراً. حتى إنني أبصرتُ طرداً مهجوراً تطاير مع الريح عبر الطريق، ليتشابك في أسوار متجر للبقالة أغلق أبوابه على الأرجح قبل أن أولد. يتحدث الجميع في المدينة عن خطة لتجديد هذا الحي بالكامل، لكن في الوقت الحالي، إن لم تكن يزعجك التعايش مع جر
جلس فجأة أمامي، خافضاً رأسه الضخم ليصبح في مستوى عينَيّ تماماً. تلك القزحيات ذات اللون الأزرق الفولاذي أربكتني، وجعلت قلبي يخفق بقوة ويتجاوز عدة دقات متتالية. شعرتُ بسحر غريب يربطني به، وكأنني أستطيع الغرق في التحديق داخل عينيه لساعات دون ملل، بينما سرت قشعريرة باردة أوقفت شعر ذراعيّ.ودون أن يقطع التواصل البصري بيننا، اقترب بضع خطوات، ثم أراح رأسه الثقيل فوق فخذيّ الصغيرتين مع تنهيدة إرهاق عميقة هزت جسده. بأكبر قدر ممكن من الرقة والحرص، مددتُ يدي نحو خطمه المليء بالندوب كي يعتاد وجودي، ثم مررتُ أصابعي بين فروه الشائك وعلى طول جمجمته. استكان لمستي بمرونة، واستلقى على جانبه مسترخياً بالكامل فوق الأرض، فبدا مجهداً إلى حدٍ يبعث على الشفقة.تأملتُ هيئته بتعجب، متسائلةً بجهل عن سلالة الكلاب التي قد ينتمي إليها هذا الوحش. أعلم أن بعض كلاب "الماستيف التبتي" تتمتع بأجساد ضخمة للغاية، وأعرف أكثر من رجل في حواري نيويورك يطمحون لتهجينها مع كلاب "البولماستيف" لخلق سلالة قتالية شرسة ومذهلة. خمنتُ أنني أتعامل مع أحد هذه العينات المهجنة والمفترسة.لكن على أي حال، ومن أي جحيم أتى، كان وضعه الصحي مريع
قطعت مجرى الحديث متسائلةً بتشكك عن كونهما من مصاصي الدماء، لأستكشف أي فخٍ وقعتُ فيه.تجاوب مع تساؤلي بابتسامة تسلية، موضحاً أنه لا يمكن إخفاء شيء عني، معرّفاً برفيقه "ستيفان فيروني"، ومشيراً إلى نفسه باسم "نايجل كاليين" إن لم أكن قد أدركتُ هويته بعد.كان ينضح ثقةً وطمأنينة، وكأن جهل أحدٍ بهويتهما أو عدم افتتانه بهما أمرٌ محال. وبسبب انزعاجي المكتوم من أسلوبهما، اكتفيتُ بهز كتفيّ وتوجيه نظرة تهكمية ساطعة، متجاهلةً كل دواعي الحذر، للتساءل ببرود عما إذا كان يتوجب عليّ معرفتهما لمجرد أنهما مشهوران!تجمّدت تعابير وجهه ذهولاً، بينما انفجر "ستيفان" ضاحكاً على هيئة رفيقه المنزعجة. أما "نايجل"، الذي جُرحت كبرياؤه بوضوح، فنفخ صدره بصلف متحدثاً بازدراء عن كونه أشهر عارض أزياء في هذا القرن وأحد أثرى مصاصي الدماء في نيويورك، وأن العلامة التجارية الخاصة بهما تتهافت عليها الأسواق العالمية، ناهيك عن كون "ستيفان" من أكبر رؤساء الشركات التنفيذيين في المدينة وتتصدر صورته غلاف أشهر المجلات.رمقتهُ بنظرة فارغة، متسائلةً عن وجه الفائدة التي يعود بها كل هذا على حياتي اليومية.حدّجني بعينين متسعتين من الصدمة
"لايرا، تحركي بسرعة، الزبون سينتظر أكثر من ذلك!"انتزعتُ الطرد بغيظ من يدي السكرتير الأبلق، وركضتُ فوراً نحو دراجتي. أعمل في مجال التوصيل السريع هنا في قلب نيويورك، وهذا الغبي أضاع من وقتي دقائق ثمينة لمجرد أنه أخطأ في تغليف الشحنة. في عملي، الوقت هو المال، وأنا تحديداً لا أملك رفاهية إضاعة سنت واحد. تجاوزتُ اليوم بالفعل مائة كيلومتر على الطريق، لكنني أصر على إضافة جولتين أو ثلاث قبل نهاية اليوم لرفع دخلي. ولكي أحقق هدفي، أجدني أخوض سباقاً يومياً وسط زحمة السير، أتسرب بمهارة بين السيارات، وأتعلق أحياناً بحافلة أو سيارة أُجرة لأكسب بعض السرعة.وجهتي التالية تقع في قلب مانهاتن، وتحديداً في برج "فيرونا" الواقع ضمن أحد أرقى الأحياء التجارية في المدينة. ورغم طبيعة عملي الميداني، لم أطأ هذا الحي من قبل؛ فهو منطقة يسيطر عليها مصاصو الدماء بالكامل، وعادة ما يفضلون الاستعانة بأتباعهم للقيام بمهام التوصيل. بالنسبة لي، لا يغير هذا من الأمر شيئاً، فالمال لا رائحة له، ولا عرق، ولا وطن... من أي يد يخرج، أقبضه بلا تردد.كنت أسترق النظر إلى شاشة الـ GPS بتركيز، بينما أتأمل المباني الشاهقة من حولي وأت