LOGINاتصل سامح بأحدهم وقال: "مرحبًا، أنا سامح الصاوي، هل ما زالت والدة يارا العمري في دار رعاية المسنين.""اعتنوا بها جيدًا وسآتي لاصطحابها لاحقًا."كان الاعتناء بأمي هو السبيل الوحيد الذي خطر ببال سامح للتكفير عما فعله.لكن ما قالته الممرضة بعدها حطم آخر ما تبقى له من أمل.حيث قالت الممرضة: "لقد أخبرتكَ في المرة الماضية، والدة يارا رحلت."فقال سامح: "رحلت… رحلت إلى أين؟"أجابت الممرضة: "آه، لقد توفيت في حادث سير، أمام مركز الإطفاء، ألم تكن تعلم حقًا أيها القائد سامح؟"هوى الهاتف من يده، وظل شاخص البصر بعينين خاويتين، عاجزًا عن تصديق أن كل ذلك حقيقي.لم تستطع صديقتي كبح غضبها أكثر، فاندفعت نحوه وصفعته قائلةً: "يا لك من حقير يا سامح!""والدة يارا كانت تعاني من إعاقة ذهنية، تجعلها تتصرف وكأنها طفلة تبلغ من العمر ٧ سنوات، لم تكن تفهم شيئًا، لكنها كانت تدرك ضرورة إنقاذ يارا.""حتى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، غارقة في بركة من الدماء، كانت تنادي باسمك، لظنها أنك ستنقذ يارا."اعتصر قلبي من شدة الألم، وتمنيتُ لو بوسعي الذهاب لأبحث عن أمي.لكن ما دام سامح هنا، فلا يمكنني الذهاب إلى أي مكان.إن الطلاق
اتسعت عينا سامح بصدمة، ووقع ذلك الخبر عليه كالصاعقة، وعجز عن تصديق ما سمعه.يارا ماتت؟ كيف ذلك…صرخ سامح قائلًا: "هذا مستحيل! لم أتلقَ أي بلاغ عن حريق في يوم الزفاف! مستحيل أن تكون يارا ماتت."ضحك نائب القائد تامر ضحكة ساخرة، ونظر لقائده سامح بنظرة مليئة بالازدراء والاحتقار، ثم قال: "أجل، أنتَ لم تتلقَ البلاغ، لكن متدربتكَ هي من تلقته.""لو أنها أبلغتنا أبكر بقليل، ولو بدقائق فقط…"قبض تامر على قبضته بألم وحسرة، وكأنه تذكر مشهدًا مفجعًا آلم قلبه.نظرتُ إليهم، ثم خفضتُ نظري.أجل، لو أتوا أبكر قليلًا، ربما كانوا أنقذوا حياتي.لكن تلك الدقائق القليلة التي تعمدت رنا تأخيرهم فيها، كانت السبب في اختناقي حتى الموت وسط الدخان الكثيف.كما أضاف تامر: "لقد حاولت أن تتشبث بالحياة، وزحفت حتى الباب، كان جسدها مضرجًا بالدماء ومحترقًا، لكنها في النهاية لم تستطع الخروج…""لا أحد يستطيع الصمود إلى ذلك الحد، إلا إذا كانت أمًا."أخرجت صديقتي تقرير الفحص بالموجات فوق الصوتية من حقيبتها، وهي تنتحب، وكان مكتوبًا فيه أنني حامل في الشهر الثاني وقالت: "كانت تنوي أن تزف إليك هذا الخبر يوم الزفاف، لكنك لم تفعل شي
تأثر كل من كان أسفل المنصة، وقد اقتنعوا تمامًا بالأرقام الظاهرة على الشاشة.ضحكت صديقتي بسخرية، وواصلت استجوابه والضغط عليه، فقالت: "أيها القائد سامح، أتذكر جيدًا أنكَ يوم توثيق عقد الزواج، قلتَ إنكَ ستحب يارا مدى الحياة.""فهل تُسمي إعطاؤها ١٠٠٠ فقط كل شهر، وجعلها تعيش تلك المعاناة حبًا؟""انظر وتفحص جيدًا، هل المديونية التي عليكَ لها صُفيت بالكامل؟"رفع سامح رأسه بارتباك ونظر نحو الشاشة.كان لا يزال ينقص الرقم بالفعل أكثر من ٢٠٠٠٠ ليصل إلى ٢٠٠٠٠٠٠ الرقم الذي ظهر قبل قليل.وفجأة تذكر سامح شيئًا، وبدأت شفتاه ترتجف وهو يقول: "مستحيل... ذلك مستحيل."فقالت صديقتي: "هل رقم ٥٧٨٦ مألوف لكَ؟"انهمرت الدموع من عين صديقتي، وكان يطفو في عينيها المحمرتين شفقة وأسى من أجلي وأضافت: "هذه رسوم دراستك لثلاث سنوات! ١٧٣٥٨، يارا من جمعتها قرشًا قرشًا بعرق جبينها!""ولكي تجمع المال من أجلك، خسرت خلال ٦ أشهر حوالي ٧.٥ كيلو من وزنها."وبينما كانت تتحدث عُرض على الشاشة مشهد آخر لي، كنتُ أعمل في عدة وظائف يوميًا بلا استراحة، بين الحانة ومتجر البقالة، وعربة الشواء.وحين كنتُ أعود إلى السكن الجامعي بعد منتصف ال
بدأ الحضور يتذمرون.قائلين: "كل هذا من واجبات الزوجة، فلماذا تُحتسب لها مقابل مادي؟""الرجال يعملون لكسب المال، والنساء يقمن بالأعمال المنزلية، أليس هذا هو الطبيعي؟"ابتسم الموظف المسؤول عن تصفية الحسابات في مكتب الأحوال المدنية وسألهم: "هل استئجار خادمة يكون مجانيًا؟" أجاب الحضور: "لا."فسألهم مجددًا: "أليس استئجار عامل النظافة يحتاج إلى أجر؟"فأجابوا: "أجل، يحتاج أيضًا."فسألهم الموظف مجددًا: "أليس استئجار ممرضة يستلزم دفع أجر؟"فأجاب الحضور: "أجل."فقال الموظف: "ما دمتم تقرون بضرورة الدفع مقابل تلك الأعمال، فهذا يعني أن لهذه الأعمال قيمة حقيقية. فلماذا بعد الزواج تتجاهلون قيمة المرأة، ولا سيما قيمة ربة المنزل المتفرغة؟"ساد الهدوء فجأة وخيم الصمت على الحاضرين، لكن كان لا يزال يمكنك سماع نحيب خافت.لم يُعرف من أين جاء، ولا ممن صدر.لكن ربما كان صوت بكاء كل امرأة ضحت بالكثير في صمت.عندما سمعتُ ذلك البكاء، ابتسمتُ.كان دافعي الأول للزواج من سامح، هو البحث عن السعادة.لكنني اكتشفت في النهاية، أنه وحده من كان سعيدًا.نظرت رنا إلى الحضور الذين توقفوا عن سبي، ثم ضربت الأرض بقدمها في ضيق
قال سامح: "كيف يعقل هذا!""كيف أكون مدينًا ليارا بكل هذا المبلغ! إنها مجرد ربة منزل!""أين يارا؟ لماذا أنتِ من صعدت المنصة بدلًا منها! هذا ليس عادلًا على الإطلاق!"نظر سامح إلى الرقم فوق رأسه بعدم تصديق، حيث انخفض إلى ١٠٠٠٠٠٠، ثم تلاشى إلى صفر، ثم تحول إلى رقم سالب.وعلى النقيض، الرقم السالب الذي كان فوق رأس صديقتي، ارتفع تدريجيًا حتى وصل إلى أكثر من ٢٠٠٠٠٠٠.اضطرب الحاضرون أسفل المنصة وأثاروا ضجةً عالية، وقالوا: "إن صعود صديقتي بدلًا مني إلى المنصة ليس إلا غشًا واضحًا".بل إن رنا التقطت زجاجة مياه من الأرض وقذفتها نحو صديقتي وقالت: "ما هذا النظام السخيف، اتضح أنه ما هو إلا مجرد أداة لخداع الناس! أحضروا يارا، ولتردّ المال."هتف أحدهم: "أجل، أعيدوا المال! أعيدوا المال!"وبدأ كل من حولهم يرددون الكلام نفسه مؤيدين لهم.قُذِفت تلك الزجاجة صوب صديقتي مباشرة، حاولتُ أن أفديها واعتراض طريقها دون وعي، لكنني لم أستطع سوى مشاهدة الزجاجة وهي تمر عبر طيفي.لحسن الحظ، ظهر نائب القائد تامر سند فجأة وصد عنها الزجاجة.سأل نائب القائد تامر صديقتي: "هل أصيبتِ؟"فهزت صديقتي رأسها نافية.التفت كلاهما نحو
بعد انتهاء تلك العلاقة الحميمية، غلب التعب رنا فغطت في نوم عميق.ولسبب لا يعلمه، تذكرني سامح فجأة، تذكر زوجته التي شاركته الشدة لسنوات طويلة.التقط هاتفه بهدوء، وأخذ يقلب بين الأسماء في جهات الاتصال واحدًا تلو الآخر.ما إن وجد عبارة "سأحب سامح إلى الأبد" في النبذة التعريفية الخاصة بي، حتى تنفس الصعداء، وأرسل لي رسالة وكأنه يمن عليّ بها."كفى عنادًا، لن أطالبكِ حقًا برد المال، كل ما عليكِ فعله هو التبرع لرنا بجزء من جلدكِ لتجري عملية ترقيع." "إنها لا تزال شابة في مقتبل عمرها، من سيرضى أن يتزوجها إن بقيت تلك الندوب على جسدها، تعالي إلى المستشفى سريعًا، سأنتظركِ هناك."رغم توالي الإشعارات على هاتفه، لم يكن بينها أي رد مني.فقبّل رنا وكأنه يفرغ غضبه بتلك القبلة.حاولتُ الابتسام بصعوبة، بينما شعرتُ بمزيج من الأسى يتخلله شيء من الراحة.المؤسف في الأمر، أنني كنتُ ساذجة في الماضي، وكنتُ سأرد عليه بفرحة عارمة.لم يخطر ببالي قط أن ذلك الحنان العابر بين الحين والآخر، لم يكن سوى لشعوره بالذنب بعد خيانته لي.ربتُ على بطني المسطح، وارتسمت على وجهي ابتسامة شاحبة أفكر فيما بعث لي الراحة، وهو أن لحسن







