مشاركة

قفص الظلال السوداء

مؤلف: Oum saif
last update تاريخ النشر: 2026-06-18 10:40:12

​الجزء الثاني: قفصُ الظِّلالِ السَّوْدَاءِ

​كانت الرحلة في أحضان الألفا أشبه بكابوس يتحرك بسرعة خارقة. لم تكن إيفا ترى سوى ومضات من الأشجار التي تتراجع إلى الخلف كأنها أشباح هاربة، وشعور غريب بالحرارة المنبعثة من جسده الفاره، والتي كانت تتحدى صقيع الغابة الذي كاد يجمّد أطرافها. كانت مغمضة العينين، يداها مستسلمتان فوق صدره الصلب كالجرانيت، بينما كان هو يركض بخطوات واسعة وثابتة، لا يظهر عليه أي أثر للتعب أو الجهد، كأنه كائن صُنع من طاقة لا تنضب.

​أخيرًا، تباطأت خطواته. فتحت إيفا عينيها ببطء لتقع على مشهد جمد الكلمات في حلقها.

​انقشع الضباب عن قمة هضبة صخرية مرتفعة، تتربع عليها قلعة حجرية ضخمة هرمة، تبدو وكأنها نبتت من صلب الجبل نفسه. جدرانها سوداء داكنة، مكسوة بالطحالب الجافة والبلاب الميت، وتحيط بها أسوار شاهقة مدببة الأطراف، تعلوها أبراج مراقبة تلوح منها ظلال بشرية.. أو بالأحرى، ظلال كائنات لم تكن بشرية على الإطلاق.

​كان هذا هو "معقل الهلال الأسود"، وكر الذئاب الذي لا يجرؤ إنسي على تخيله في أشد أحلامه رعبًا.

​اجتاز ألكسندر البوابة الحديدية الضخمة التي فُتحت تلقائيًا فور اقترابه، وكأن الحراس يشمون رائحة سيدهم من على بعد أميال. بمجرد دخوله إلى الفناء الداخلي الواسع، شعرت إيفا بمئات العيون التي تصوب نظراتها نحوها. كان هناك رجال ونساء، وأطفال أيضًا، لكنهم لم يكونوا كالبشر؛ أجسادهم ممشوقة وقوية، نظراتهم حادة وثاقبة، وتنبعث منهم هالة من الشراسة الفطرية.

​توقفت الهمسات فورًا، وحلّ سكون مهيب احتراما للألفا. تقدم رجل ضخم الجثة، ذو شعر رمادي ونظرة صارمة، ويبدو أنه القائد الثاني أو "البيتا". نظر إلى إيفا القابعة بين ذراعي ألكسندر، واتسعت عيناه بمزيج من الدهشة والرفض المكتوم.

​"ألفا ألكسندر..." نطق الرجل بصوت جهوري متهدج. "بشرية؟ هل أحضرت بشرية ضعيفة إلى قلب المعقل؟ والذئاب المرتدة تحوم حول الحدود؟"

​لم يلتفت ألكسندر إليه، ولم يبطئ خطوته. أطلق زمجرة منخفضة حذرة جعلت الرجل الرمادي يتراجع خطوة إلى الوراء وينكس رأسه طاعة. "إنه ليس شأنك يا غابرييل"، قال ألكسندر بنبرة حادة كالشفرة. "إنها رفيقتي. ومن يجرؤ على النظر إليها بنظرة لا تعجبني، سأقتلع عينيه بيدّي هاتين."

​ساد صمت مطبق، وتراجعت الأجساد المحيطة بهما لتفسح له الطريق. دخل ألكسندر القلعة، وصعد درجًا حجريًا لولبيًا طويلًا، حتى وصل إلى جناح معزول في أعلى البرج الشمالي. فتح بابًا خشبيًا ضخمًا مدعمًا بالحديد، ودخل ثم وضع إيفا برفق صادم على سرير ضخم وثير مغطى بجلود الحيوانات والفراء الدافئ.

​بمجرد أن تحررت من قبضته، تراجعت إيفا إلى زاوية السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، تنظر إليه بعينين متسعتين من الذعر والغضب. كان جسدها يرتجف، ليس من البرد هذه المرة، بل من الإهانة والعجز.

​"لماذا أحضرتني إلى هنا؟" صرخت بصوت متهدج، والدموع تحرق جفنيها. "أنا لا أنتمي إلى عالمكم المتوحش! أنا بشرية.. عندي حياة، عندي عائلة! والدي مفقود ويجب أن أبحث عنه! دعني أرحل، أرجوك!"

​وقف ألكسندر بكامل طوله الفاره أمام السرير، يراقب ثورانها ببرود مخيف. تلاشت ملامح الوحش تمامًا من وجهه، وحلّ محلها جمود أرستقراطي قاسي. امتدت يده ليمسح خصلة شعر سوداء سقطت على جبهته، ثم شبك يديه خلف ظهره.

​"والدكِ؟" نطق الكلمة بنبرة حملت غبشًا من الغموض. "والدكِ كان يعلم أين يرسلكِ يا إيفا. الكوخ الذي كنتِ تقصدينه يقع داخل حدودي. هو لم يرسلكِ لتختبئي من البشر، بل أرسلكِ إليّ."

​عقدت إيفا حاجبيها بصدمة، ونفت برأسها بإنكار حاد. "كاذب! أنت تكذب! والدي خاف عليّ، ولم يكن ليرميني في وكر للوحوش!"

​اقترب ألكسندر ببطء، وجلس على حافة السرير. انخفاض السرير تحت وزنه جعل إيفا تشعر وكأنها محاصرة مجددًا. انحنى نحوها حتى تفصل بين وجهيهما إنشات قليلة، وشعرت برائحة الصنوبر والمطر المحيطة به تلفح حواسها مجددًا، وهي رائحة، لسبب لم تفهمه، بدأت تهدئ روع قلبا المستثار رغماً عنها.

​"الوحوش تحميكِ يا إيفا، بينما البشر يبيعونكِ"، قال بصوت رخيم وهادئ، لكنه يحمل نبرة السيطرة المطلقة. "أنتِ رفيقتي المقدرة. هذا ليس خياري، وليس خياركِ. إنه قانون الطبيعة والدم. عندما يجد الألفا رفيقته، فإن العالم بأكمله يتوقف عن الدوران حتى يضمن سلامتها. لن تغادري هذه القلعة، ولن تخرجي من تحت ظلي."

​"هذا ليس حباً، هذا هوس! هذا سجن!" هتفت بعناد، وعيناها تتحديان نظراته اليمية الذهبيه.

​لمعت عيناه ببريق ذئبي مفاجئ، واقتربت يده لتتحسس عنقها برفق شديد، متجنبًا الضغط، لكن أصابعه الحادة كانت تلمس بشرتها الناعمة بنوع من التملك المخيف. "سمّيه ما شئتِ.. سجناً، هوساً، لعنة. لكنكِ هنا، ومعي. غداً ستبدأ طقوس قمر تشرين، والقطيع يجب أن يراكِ، يجب أن يعلموا أن للألفا ملكة."

​"لن أكون ملكة لوحوش!" بزقت الكلمات بمرارة.

​ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، مليئة بالخطورة. "سنرى يا إيفا.. سنرى."

​نهض ألكسندر ببطء، وتوجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، التفت إليها قائلاً: "سيرسل لكِ الخدم ثياباً وطعاماً. لا تحاولي لمس المقابض، ولا تحاولي الهرب، فالذئاب بالخارج لن تكون برفق الألفا."

​خرج وأغلق الباب الحديدي خلفه، لتسمع إيفا صوت القفل وهو يُغلق بصرير حاد ومؤلم. انهرت في مكانها، ودفنت وجهها بين يديها، وبكت بحرقة. كانت تشعر بأنها دمية في لعبة لا تفهم قواعدها.

​مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور. غابت الشمس تمامًا خلف الجبال، ودخلت الغرفة فتاة شابة ذات ملامح حادة ترتدي ثياباً بسيطة، وضعت صينية طعام وثياباً قطنية دافئة، ونظرت إلى إيفا بنظرة تجمع بين الفضول والحذر الشديد، ثم غادرت دون أن تنطق بكلمة واحدة.

​لم تلمس إيفا الطعام، بل نهضت وتوجهت نحو النافذة الكبيرة المقوسة. كانت النافذة تطل على الفناء السفلي وعلى الغابة الممتدة بلا نهاية. نظرت إلى القمر الذي كان يقترب من الاكتمال، وشعرت بوخز غريب في أعماق صدرها.. وخز لم تشعر به من قبل، كأن نبضات قلبها بدأت تتناغم مع ضوء القمر.

​وفي تلك اللحظة، رأت شيئاً غريباً في الفناء السفلي.

​كان ألكسندر يقف وحيداً وسط الصقيع، ينظر إلى الأعلى.. نحو نافذتها مباشرة. كانت عيناه الذهبيهما تلمعان في الظلام كشعلتين من نار. وفي الغرفة المظلمة، لمحت إيفا انعكاس وجهها في زجاج النافذة تحت ضوء القمر.. ولثانية واحدة، بدا لها أن عينيها البنيتين قد لمعتا بوميض فضي غريب ومباغت، قبل أن يختفي سريعًا.

​تراجعت خطوتين للوراء، وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بعنف، وسألت نفسها برعب: "ما الذي يحدث لي؟ وما الذي يخفيه هذا الألفا عني؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   تمرد الأحاسيس و أسرار الماضي المدفون

    ​الجزء التاسع: تَمَرُّدُ الأَحَاسِيسِ وَأَسْرَارُ المَاضِي المَدْفُونِ​لم يكن الهتاف الذي ارتفع من الفناء السفلي لقلعة "الهلال الأسود" مجرد صيحات نصر عابرة؛ بل كان اعترافاً جماعياً من مئات الذئاب بالملكة الجديدة التي انحنت لها الرؤوس طاعة رغماً عن شكوكها السابقة. لكن بالنسبة لـ "إيفا"، كان العبء الحقيقي قد بدأ للتو.​بعد انتهاء مراسم الإعلان السامي، عاد بها ألكسندر إلى الجناح الملكي، ولم تكن يد العنان قد أفلتت أصابعها الرقيقة للحظة واحدة. أغلق الباب الخشبي الضخم، وضاع صخب المعقل بالخارج ليحل محله ذلك الضجيج الداخلي العنيف.. ضجيج أنفاسهما المشتركة.​التفتت إيفا ببطء، وكان ثوبها المخملي الدموي ممزقاً عند الكتف بفعل الوسم ومعركة الساحر، يظهر من تحته اللحم البارز الذي بدأ يتخذ شكلاً قرمزيًا مثيراً وخطيرًا. نظرت إلى ألكسندر الذي كان يقف خلفها مباشرة كطيف لا يزول؛ كانت عيناه الذهبيهما تعكسان ضوء القمر الذي عاد ليتألق بنقاء مريب عبر النافذة المحطمة.​"لقد انتهت المعركة بالخارج..." همست إيفا بصوت متهدج، وهي تشعر بوخز متجدد يسري في أحشائها كلما اقترب منها. "لكن المعركة بداخلي لا تهدأ يا ألكسن

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   لهيب العشق و معركة المصير

    ​الجزء الثامن: لَهِيبُ العِشْقِ وَمَعْرَكَةُ المَصِيرِ​تحطم الباب الحديدي الضخم كأنه زجاج واهن تحت وطأة غضب ألكسندر. انقشع غبار الركام وحجارة الجدار المتناثرة ليظهر الألفا واقفا في المدخل وهيئته تقترب من التوحش الكامل؛ عضلات جسده الفاره كانت متضخمة، عروقه ناترة وسوداء بفعل تدفق دماء الهجين، وعيناه الذهبيهما لم تعد تحويان أي بريق بشري، بل صارتا كشعلتين من نار جهنم المحرقة. كان جسده منقوشًا بدماء الأعداء التي تقطر من كفيه، وأنفاسه تخرج كالعاصفة لتذيب الضباب الأسود المحيط بالساحر.​التفت الساحر المرتد بسرعة، وعيناه الفضيتان تتسعان بصدمة لم يتوقعها. "مستحيل..." زمجر الساحر بصوت حاد، "لقد حاصرك مئات المسوخ في الفناء! كيف وصلت إلى هنا بهذه السرعة؟"​لم يجبه ألكسندر بكلمات؛ بل أطلق زئيرًا وحشيًا زلزل جدران البرج بالكامل، واندفع نحو الساحر بسرعة البرق التي لا يمكن لعين بشرية متابعتها. استل سيفه الضخم بضربة خاطفة، شاقًا الهواء الساخن. رفع الساحر يده على عجل، مطلقاً موجة من السحر الأسود الفاحم لتصنع درعاً واقياً، لكن سيف الألفا المدعم بقوة الغضب وهوس حماية رفيقته اخترق الدرع كأنه ورق جاف.​ترا

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   ترانيم الجسد و أسرار الرماد

    الجزء السابع: تَرَانِيمُ الجَسَدِ وَأَسْرَارُ الرَّمَادِ​انسحب البيتا غابرييل والعرافة إيلكا من الجناح الملكي، تاركين خلفهما صدى كلمات العرافة يدور في زوايا الغرفة كأرواح هائمة. أغلق الباب الحديدي الثقيل بصرير مكتوم، وعاد الصمت ليفرض سيادته، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً؛ بل كان مشحوناً بتلك الجاذبية المغناطيسية الخطيرة التي ولدت بين ألكسندر وإيفا منذ لحظة الوسم.​بقيت إيفا جالسة على حافة السرير الوثير، تنظر إلى كفها التي ما زالت تحتفظ بدفء قبضة ألكسندر الضخمة. كان جسدها يمر بتغيرات مرعبة؛ تلك اللسعة الباردة للسحر الفضي في عروقها بدأت تصطدم بغليان دم الألفا الحار الذي يسري فيها الآن عبر الرابط. شعرت وكأن جسدها أصبح ساحة معركة لنوعين من القوى المتضادة.​تقدم ألكسندر نحوها بخطوات بطيئة، وعيناه الذهبيهما لم تفارقا وجهها الشاحب والمضطرب. لم يعد يظهر عليه ذلك البرود الجاف؛ فالوسم قد نزع قناعه، وجعل مشاعره وهوسه بها مكشوفين بالكامل أمامها عبر الرابط النفسي. كانت تشعر بجوعه الطاغي لامتلاكها، وقلقه المرعب من أن يمسها سوء، ورغبته الجارفة في أن تتقبله ليس كسجان، بل كرفيق مقدر.​جثا ألكسندر على ركبة

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   دماء محرمة و أنفاس مشتعلة

    ​الجزء السادس: دِمَاءٌ مُحَرَّمَةٌ وَأَنْفَاسٌ مُشْتَعِلَةٌ​كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل لولا صوت أنفاس ألكسندر المتلاحقة.​استيقظت إيفا ببطء، وكأنها تُسحب من بئر عميقة من الهذيان والظلام الفضي. أول ما شعرت به لم يكن الألم، بل كان تلك الحرارة الحارقة الشبيهة بالحمى التي تسري في عروقها، نبضٌ جديد تماماً لم تألفه من قبل، نبضٌ غريب يتحرك بالتناغم التام مع دقات قلب أخرى قريبة منها.​فتحت عينيها لتجد نفسها مستلقية على السرير الملكي الضخم، لكنها لم تكن بمفردها. كان ألكسندر يجلس بجانبها، عاري الصدر كما اعتاد، وجرح صدره الذي تسببت به قواها الفضية قد التأم تاركاً ندبة حمراء جديدة تُضاف إلى تاريخ معاركه. كان يتكأ بظهره على حافة السرير، وعيناه الذهبيهما معلقتان بوجهها بنظرة امتزج فيها الجوع الشديد، التملك، والتعب الحاد.​حاولت إيفا التحرك، لكن شهقة ألم خفيفة أفلتت من شفتيها عندما تحرك كتفها الأيسر. تذكرت كل شيء في ثانية واحدة؛ الغابة، المرتدين، استيقاظ قوتها، وتلك اللحظة المرعبة والمثيرة عندما غرز ألكسندر أنيابه في لحمها.​وضعت يدها المرتجفة على كتفها فوق الثوب القطني الخفيف الذي أُلبس لها وه

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   كسوف الفضة و ثورة الألفا

    ​الفصل الخامس: كُسُوفُ الفِضَّةِ وَثَوْرَةُ الأَلْفَا​كان الضوء الفضي المنبعث من عيني "إيفا" كافياً لإغراق الشرفة الكبرى لقلعة "الهلال الأسود" في طقس من الصقيع الميتافيزيقي. لم تكن تلك الحرارة التي شعرت بها سابقاً سوى الغطاء الذي يغلي فوق بركان خامد، والآن، انكسر الغطاء. ساد الفناء السفلي صمتٌ مرعب، صمتٌ امتزج فيه عواء الذئاب بنحيب الأرواح التي بدت وكأنها تستجيب لنداء عينيها الفضيتين.​ترنح البيتا "غابرييل" وهو يحاول النهوض، يمسح الغبار عن درعه، وعيناه الرماديتان تتسعان برعب حقيقي لم يعرفه طوال سنوات قتاله بجانب الألفا. "سيدي..." هتف غابرييل بصوت متحشرج وهو يشير بسيفه نحو إيفا، "إنها ليست بشرية! إنها اللعنة التي أبادت أجدادنا! يجب أن نقضي عليها قبل أن تحرق المعقل بالكامل!"​تحركت الذئاب في الأسفل، وبدأت الزمجرات ترتفع، والعيون الحمراء والصفراء تلمع في الظلام، مستعدة للانقضاض على الجسد الضئيل الذي تحول فجأة إلى مصدر تهديد لكيان القطيع بأكمله.​لكن قبل أن يخطو أي ذئب خطوة واحدة نحو الشرفة، تحرك ألكسندر.​لم يتراجع، ولم يرفع سيفه في وجهها. بل اندفع بجسده الفاره ليقف حائلاً بين إيفا والق

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   جدران الصمت و أنفاس النهاية

    ​الجزء الرابع: جُدْرَانُ الصَّمْتِ وَأَنْفَاسُ النِّهَايَةِ​لم يكن الاستيقاظ هذه المرة يشبه أي مرة مضت. لم تفتح إيفا عينيها على النور الرمادي الباهت لغابة "بريسيد"، بل استفاقت وسط ظلمة دامسة، لا يكسر عتمتها سوى لهيب شمعة قاصية وُضعت خلف قضبان حديدية سميكة.​حاولت تحريك يدها، فسمعت صريرًا معدنيًا حادًا تردد صداه في أرجاء المكان. نظرت إلى معصميها برعب؛ لقد كُبلت بسلاسل حديدية ثقيلة متصلة بالجدار الحجري البارد. لم تعد في الجناح الملكي المريح، بل نُقلت إلى أعماق قلعة "الهلال الأسود"، حيث تُقفل السراديب السفلى على الأسرار والموتى.​كان جسدها ما يزال يرتجف إثر حمام الدم الذي شهدته في الغابة، ورائحة دماء المرتدين النحاسية بدا وكأنها علقت بأنفاسها وثوب المخمل الدموي الممزق. لكن الأغرب من السلاسل، كان ذلك الشعور الداخلي؛ تلك الحرارة التي سرت في عروقها بالأمس لم تنطفئ، بل تحولت إلى جذوة كامنة تحت جلدها، كأن دماءها ترفض الاستسلام لهذا القيد.​"لقد استيقظتِ أخيرًا..."​جاء الصوت من زاوية الظل، عميقًا، رخيمًا، ومليئًا ببرود مرعب جمد الدماء في عروقها. تحرك الظل ليظهر ألكسندر. لم يكن يرتدي عباءته ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status