الجزء الأول: أَنْيَابٌ فِي الضَّبَابِالفصل الأول: ترانيم الدم والرمادكانت غابة "بريسيد" لا تنام، بل كانت تُنصت وتتربص.لم تكن الأشجار هناك مجرد جذوع خشبية نبتت من طين الأرض، بل بدت لـ "إيفا" كأطراف عملاقة لمسوخ متحجرة منذ أزل سحيق، تتشابك أغصانها المدببة في الأعالي لتصنع سقفًا قاتمًا يحجب السماء، ويمنع حتى ضوء النجوم من التسلل. كان الضباب الرمادي الكثيف يزحف فوق الأعشاب الميتة كأنفاس باردة لحيوان يحتضر، يلتف حول ساقيها العاريتين إلا من طين لزج صبغ حذاءها الجلدي المهترئ.توقفت إيفا لثوانٍ، واستندت بظهرها إلى جذع شجرة بلوط هرمة. كانت أنفاسها المتلاحقة تخرج من فمها على هيئة بخار أبيض كثيف في هذا الصقيع القاتل، وصدرها يعلو ويهبط كطائر حُبس في قفص ضيق. لم يكن معطفها الصوفي الخفيف كافيًا لصد زمهرير تشرين، وقد تمزق عند الكتف بفعل الشجيرات الشائكة التي كانت تخترق طريقها بلا رحمة.أخرجت يدها المرتجفة من جيبها وتلمست ذلك المفتاح الحديدي القديم ذو النقوش الغريبة. تذكرت وصية والدها الراحل، تلك الكلمات التي همس بها بنبرة ملؤها الرعب قبل أن يختفي في ظروف غامضة منذ أسبوعين: «إيفا، يا حبيبتي.
Last Updated : 2026-06-18 Read more