LOGIN"في عتمة غابة 'بريسيد'، ليس كل ما يلمع فضة.. بعضه أنيابٌ تتوق للدم." تجد إيفا، الفتاة البشرية الهادئة، نفسها مجبرة على الفرار نحو كوخ مهجور وسط غابة معزولة وضبابية، تنفيذاً لوصية والدها الغامضة قبل اختفائه. لم تكن تعلم أن خطوتها الأولى داخل هذه الأحراش هي بمثابة إعلان دخولها إلى أرض محرمة يحكمها قانون القطيع والدم. هناك، تلتقي بـ ألكسندر؛ الألفا المهيب والقاسي لقطيع "الهلال الأسود". في عالم المستذئبين، الغريزة لا تخطئ، وألكسندر يرى في إيفا شيئاً واحداً فقط: رفيقته المقدرة (Mate) التي انتظرها طويلاً. ينشأ بينهما صراع إرادات حاد؛ هي ترفض عالمه المتوحش وقيد السيطرة الذي فرضه عليها، وهو يعاملها بهوس مميت محاولاً إخضاعها لحمايتها من أعداء يتربصون بها في الظلام.
View Moreالجزء الأول: أَنْيَابٌ فِي الضَّبَابِ
الفصل الأول: ترانيم الدم والرماد كانت غابة "بريسيد" لا تنام، بل كانت تُنصت وتتربص. لم تكن الأشجار هناك مجرد جذوع خشبية نبتت من طين الأرض، بل بدت لـ "إيفا" كأطراف عملاقة لمسوخ متحجرة منذ أزل سحيق، تتشابك أغصانها المدببة في الأعالي لتصنع سقفًا قاتمًا يحجب السماء، ويمنع حتى ضوء النجوم من التسلل. كان الضباب الرمادي الكثيف يزحف فوق الأعشاب الميتة كأنفاس باردة لحيوان يحتضر، يلتف حول ساقيها العاريتين إلا من طين لزج صبغ حذاءها الجلدي المهترئ. توقفت إيفا لثوانٍ، واستندت بظهرها إلى جذع شجرة بلوط هرمة. كانت أنفاسها المتلاحقة تخرج من فمها على هيئة بخار أبيض كثيف في هذا الصقيع القاتل، وصدرها يعلو ويهبط كطائر حُبس في قفص ضيق. لم يكن معطفها الصوفي الخفيف كافيًا لصد زمهرير تشرين، وقد تمزق عند الكتف بفعل الشجيرات الشائكة التي كانت تخترق طريقها بلا رحمة. أخرجت يدها المرتجفة من جيبها وتلمست ذلك المفتاح الحديدي القديم ذو النقوش الغريبة. تذكرت وصية والدها الراحل، تلك الكلمات التي همس بها بنبرة ملؤها الرعب قبل أن يختفي في ظروف غامضة منذ أسبوعين: «إيفا، يا حبيبتي.. إذا انقضى الخريف ولم أعُد، لا تبحثي عني. خذي هذا المفتاح واذهبي إلى الكوخ المهجور في أعماق غابة بريسيد. املئي قلبكِ بالشجاعة، واعلمي أنكِ هناك ستكونين آمنة.. فقط لا تنظري خلفكِ أبدًا». لكنه لم يقل لها إن الغابة محرمة. لم يقل لها إن سكان القرى المجاورة يقطعون صلواتهم ويبصقون على الأرض تعوّذًا إذا ذُكر اسم "بريسيد". لم يخبرها أن خلف هذا السكون المريب تراتيل تُغنى بالدم، وأنها بعبورها الخط الفاصل بين عالم البشر الفانين وهذه الأحراش، قد ألقت بنفسها في الجحيم. مسحت قطرات المطر المختلطة بعرقها البارد عن جبينها، وقررت مواصلة السير. لكن، قبل أن تخطو خطوة واحدة، شعرت ببرودة مفاجئة تسري في عمودها الفقري. سكون الغابة لم يعد سكونًا عاديًا؛ لقد تلاشت أصوات صراصير الليل تمامًا، وانقطع حفيف أوراق الشجر. كأن الغابة بأسرها كتمت أنفاسها. ثم سمعت الصوت لأول مرة. لم يكن عواءً عاديًا لكائن بري، بل كانت نبرة جهورية، عميقة، ومشبعة بطاقة مرعبة هزت جذوع الأشجار المحيطة بها. تردد صدى الصوت في تجويف صدر إيفا، شعرت به يضرب عظامها قبل أن تسمعه أذناها. كان صوتًا يحمل في طياته سلطة مطلقة، وجوعًا قديمًا يعود لآلاف السنين، وتهديدًا صريحًا لكل من يجرؤ على تدنيس هذه الأرض. تجمّد الدم في عروقها، وشلّ الرعب أطرافها. التفتت ببطء شديد، وحولها تحول الضباب إلى ذرات متحركة كأنها تعيد تشكيل نفسها. بين شجرتين عملاقتين مغطيتين بالطحالب، انقشع السواد ليظهر جسد هائل. لم يكن ذئبًا، ولم يكن بشرًا. كان مسخًا مستذئبًا يقف على قدمين خلفيتين، يرتفع في الهواء لأكثر من ثمانية أقدام. كان يكسو جسده الفاره فراء أسود كالحلكة، تبرز من تحته عضلات ضخمة مشدودة كالأوتار. ذراعاها الطويلتان تنتهيان بمخالب حادة كالشفرات، يقطر منها طين الغابة. لكن ما جعل أنفاس إيفا تتوقف تمامًا، هما عيناه. عينان توهجتا بلون الذهب المصهور، تشعان بضوء ذاتي وسط الظلام الدامس. كانت تلك الأعين مثبتة عليها، ليس بنظرة حيوان مفترس يرى فريسة عابرة ليشبع جوعه، بل بنظرة مالكٍ عثر أخيرًا على أثمن ممتلكاته المفقودة. نظرة امتلاك، وشهوة، وهوس خالص. صرخت إيفا، لكن الصرخة ماتت في حنجرتها ولم تخرج إلا على شكل شهقة مخنوقة. تراجعت خطوة إلى الوراء بحركة غريزية، لكن قدمها تعثرت بجذر شجرة ناتئ، لتسقط بقسوة على الأرض الرطبة. انتشر الألم في أسفل ظهرها، لكنها لم تأبه له؛ كانت عيناها متسعتين من الرعب وهي تراقب الكيان يتحرك. في لمح البصر، وبسرعة خارقة لا يمكن لعقل بشري استيعابها، اندفع الوحش نحوها. لم تركض غريزتها بل شلتها الصدمة. رأته يقطع المسافة بينهما كأنه طيف من الظلام يمزق الضباب الرمادي. وقبل أن تتمكن من محاولة النهوض أو الزحف، كان الكيان قد أصبح فوقها تماماً، يحجب عنها ما تبقى من ضوء قمر تشرين الضعيف، ملقيًا بظله العملاق على جسدها الضئيل. أغمضت إيفا عينيها بشدة، وضمت ذراعيها إلى صدرها مستسلمة للموت المحتوم. كانت تنتظر تلك اللحظة التي ستمزق فيها الأنياب الحادة عنقها، وتنهي حياتها وسط هذا القفر. لكن الموت لم يأتِ. بدلاً من ذلك، شعرت بنسمة هواء حارة ومفاجئة تلفح وجهها ورقبتها. واشتدت في أنفها رائحة غريبة ومركبة؛ كانت رائحة المطر النقي المخلوط بالصنوبر البري، وتلك الرائحة النحاسية الحادة.. رائحة الدم. فتحت عينيها ببطء شديد، وجسدها يرتجف بعنف، لتجد أن المسخ المرعب قد اختفى. وحجّم مكانه رجل. كان يقف عاري الصدر تمامًا رغم الصقيع الذي يجمّد الأطراف. كان جسده فاره الطول، منقوشًا بآثار ندوب قديمة وعميقة تحكي قصص معارك دموية لا تنتهي. كان شعره الأسود الطويل ينسدل بتمرد على كتفيه العريضين، لكن ملامح وجهه كانت حادة كأنها نُحتت من صخر الغابة؛ فك عريض قاسي، وأنف حاد، وعينان ذهبيتان.. ذات العينين الذئبيتين اللتين رأتهما منذ قليل، لم تتغيرا، بل ازدادتا بريقًا وهوسًا. جثا على ركبتيه أمامها على الأرض الطينية دون أن يهتم باتساخ جسده. ضغط بيديه الضخمتين على الأرض المحيطة برأسها وجسدها، محاصرًا إياها بالكامل تحت جبل عضلاته. انحنى برأسه ببطء حتى أصبح أنفه محاذيًا لعنقها، وتحديدًا فوق شريانها النابض. استنشق الهواء بعمق، وأغلق عينيه كمن يتجرع إكسير الحياة، ثم أطلق زمجرة منخفضة، اهتزت لها الأرض تحت إيفا، وجعلت كل أنشاط جسدها ينتفض. "لقد طال انتظاري..." نطق بصوت رخيم، عميق، فيه بحّة متوحشة تكاد تقطع الأنفاس من فرط هيبتها. "أنتِ لي. لقد جئتِ إلى مملكتي بقدميكِ، يا رفيقتي المقدرة." تراجعت إيفا برأسها إلى الخلف قدر المستطاع، محاولة الابتعاد عن أنفاسه الحارقة التي كانت تلامس بشرتها، وقالت بصوت متقطع يرتجف: "من.. من أنت؟ ابتعد عني! أنا لا أعرفك.. دعني أرحل!". ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، مظلمة، تفتقر إلى أي رحمة أو عاطفة بشرية مألوفة. امتدت أصابعه الطويلة، ذات الأظافر القوية الحادة، لتمسح برفق غريب وصادم قطرة مطر سقطت على وجنتها. لكن هذا الرفق لم يدم؛ إذ فجأة اشتدت قبصته الضخمة على فكها، ليرفع وجهها إليه رغماً عنها، ويجبرها على النظر في عينيها المشتعلتين بالذهب. "أنا (ألكسندر).. الألفا لقطيع الهلال الأسود"، قال وعيناه تتفحصان تفاصيل وجهها بذعر وهوس مكتومين. "وهذا العالم الذي وطئتِ قدمكِ فيه لا يحكمه قانون البشر الضعفاء. من الآن فصاعدًا، هروبكِ انتهى. رفضكِ لي لا يعنيني، وعنادكِ سأكسره لعينيكِ. خوفكِ مني هو ما سيبقيكِ حية في هذه الغابة." تأملت إيفا وجهه وعينيها تملؤهما دموع العجز، بينما تابع هو بنبرة أكثر انخفاضًا وفحيحًا: "أنتِ ملكي، حتى لو كان عليّ حبسكِ في قفص من ذهب ودم لحمايتكِ من الأعداء.. وحمايتكِ من نفسي". حاولت إيفا دفع صدره العريض بكل ما أوتيت من قوة مستجمعة بقايا شجاعتها، لكنها كانت كمن يدفع جدارًا من الجرانيت الصمّاء. ضحك ألكسندر بنبرة خافتة مرعبة هزت كيانها، وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، امتدت ذراعاه القويتان لتحيطا بجسدها. رفعها عن الأرض بسهولة فائقة كأنها ريشة لا وزن لها، وضمها إلى صدره العاري الحارق الذي كان ينبض بقوة وحشية. التفت ألكسندر وعاد بخطوات واسعة وثابتة إلى عمق الغابة، مخترقًا الضباب الكثيف الذي بدا وكأنه يفتح له طريقًا طاعة لأوامره. صرخت إيفا وحاولت التملص، لكن قبضته كانت كالقيد الحديدي. ومع كل خطوة كان يخطوها نحو معقله، كانت إيفا تشعر أن عالمها البشري يتلاشى، وأنها تُساق نحو مصير مظلم، حيث لا أمل في النجاة، وحيث بدأت لعنتها الأبدية تحت ضوء القمر.الجزء التاسع: تَمَرُّدُ الأَحَاسِيسِ وَأَسْرَارُ المَاضِي المَدْفُونِلم يكن الهتاف الذي ارتفع من الفناء السفلي لقلعة "الهلال الأسود" مجرد صيحات نصر عابرة؛ بل كان اعترافاً جماعياً من مئات الذئاب بالملكة الجديدة التي انحنت لها الرؤوس طاعة رغماً عن شكوكها السابقة. لكن بالنسبة لـ "إيفا"، كان العبء الحقيقي قد بدأ للتو.بعد انتهاء مراسم الإعلان السامي، عاد بها ألكسندر إلى الجناح الملكي، ولم تكن يد العنان قد أفلتت أصابعها الرقيقة للحظة واحدة. أغلق الباب الخشبي الضخم، وضاع صخب المعقل بالخارج ليحل محله ذلك الضجيج الداخلي العنيف.. ضجيج أنفاسهما المشتركة.التفتت إيفا ببطء، وكان ثوبها المخملي الدموي ممزقاً عند الكتف بفعل الوسم ومعركة الساحر، يظهر من تحته اللحم البارز الذي بدأ يتخذ شكلاً قرمزيًا مثيراً وخطيرًا. نظرت إلى ألكسندر الذي كان يقف خلفها مباشرة كطيف لا يزول؛ كانت عيناه الذهبيهما تعكسان ضوء القمر الذي عاد ليتألق بنقاء مريب عبر النافذة المحطمة."لقد انتهت المعركة بالخارج..." همست إيفا بصوت متهدج، وهي تشعر بوخز متجدد يسري في أحشائها كلما اقترب منها. "لكن المعركة بداخلي لا تهدأ يا ألكسن
الجزء الثامن: لَهِيبُ العِشْقِ وَمَعْرَكَةُ المَصِيرِتحطم الباب الحديدي الضخم كأنه زجاج واهن تحت وطأة غضب ألكسندر. انقشع غبار الركام وحجارة الجدار المتناثرة ليظهر الألفا واقفا في المدخل وهيئته تقترب من التوحش الكامل؛ عضلات جسده الفاره كانت متضخمة، عروقه ناترة وسوداء بفعل تدفق دماء الهجين، وعيناه الذهبيهما لم تعد تحويان أي بريق بشري، بل صارتا كشعلتين من نار جهنم المحرقة. كان جسده منقوشًا بدماء الأعداء التي تقطر من كفيه، وأنفاسه تخرج كالعاصفة لتذيب الضباب الأسود المحيط بالساحر.التفت الساحر المرتد بسرعة، وعيناه الفضيتان تتسعان بصدمة لم يتوقعها. "مستحيل..." زمجر الساحر بصوت حاد، "لقد حاصرك مئات المسوخ في الفناء! كيف وصلت إلى هنا بهذه السرعة؟"لم يجبه ألكسندر بكلمات؛ بل أطلق زئيرًا وحشيًا زلزل جدران البرج بالكامل، واندفع نحو الساحر بسرعة البرق التي لا يمكن لعين بشرية متابعتها. استل سيفه الضخم بضربة خاطفة، شاقًا الهواء الساخن. رفع الساحر يده على عجل، مطلقاً موجة من السحر الأسود الفاحم لتصنع درعاً واقياً، لكن سيف الألفا المدعم بقوة الغضب وهوس حماية رفيقته اخترق الدرع كأنه ورق جاف.ترا
الجزء السابع: تَرَانِيمُ الجَسَدِ وَأَسْرَارُ الرَّمَادِانسحب البيتا غابرييل والعرافة إيلكا من الجناح الملكي، تاركين خلفهما صدى كلمات العرافة يدور في زوايا الغرفة كأرواح هائمة. أغلق الباب الحديدي الثقيل بصرير مكتوم، وعاد الصمت ليفرض سيادته، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً؛ بل كان مشحوناً بتلك الجاذبية المغناطيسية الخطيرة التي ولدت بين ألكسندر وإيفا منذ لحظة الوسم.بقيت إيفا جالسة على حافة السرير الوثير، تنظر إلى كفها التي ما زالت تحتفظ بدفء قبضة ألكسندر الضخمة. كان جسدها يمر بتغيرات مرعبة؛ تلك اللسعة الباردة للسحر الفضي في عروقها بدأت تصطدم بغليان دم الألفا الحار الذي يسري فيها الآن عبر الرابط. شعرت وكأن جسدها أصبح ساحة معركة لنوعين من القوى المتضادة.تقدم ألكسندر نحوها بخطوات بطيئة، وعيناه الذهبيهما لم تفارقا وجهها الشاحب والمضطرب. لم يعد يظهر عليه ذلك البرود الجاف؛ فالوسم قد نزع قناعه، وجعل مشاعره وهوسه بها مكشوفين بالكامل أمامها عبر الرابط النفسي. كانت تشعر بجوعه الطاغي لامتلاكها، وقلقه المرعب من أن يمسها سوء، ورغبته الجارفة في أن تتقبله ليس كسجان، بل كرفيق مقدر.جثا ألكسندر على ركبة
الجزء السادس: دِمَاءٌ مُحَرَّمَةٌ وَأَنْفَاسٌ مُشْتَعِلَةٌكانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل لولا صوت أنفاس ألكسندر المتلاحقة.استيقظت إيفا ببطء، وكأنها تُسحب من بئر عميقة من الهذيان والظلام الفضي. أول ما شعرت به لم يكن الألم، بل كان تلك الحرارة الحارقة الشبيهة بالحمى التي تسري في عروقها، نبضٌ جديد تماماً لم تألفه من قبل، نبضٌ غريب يتحرك بالتناغم التام مع دقات قلب أخرى قريبة منها.فتحت عينيها لتجد نفسها مستلقية على السرير الملكي الضخم، لكنها لم تكن بمفردها. كان ألكسندر يجلس بجانبها، عاري الصدر كما اعتاد، وجرح صدره الذي تسببت به قواها الفضية قد التأم تاركاً ندبة حمراء جديدة تُضاف إلى تاريخ معاركه. كان يتكأ بظهره على حافة السرير، وعيناه الذهبيهما معلقتان بوجهها بنظرة امتزج فيها الجوع الشديد، التملك، والتعب الحاد.حاولت إيفا التحرك، لكن شهقة ألم خفيفة أفلتت من شفتيها عندما تحرك كتفها الأيسر. تذكرت كل شيء في ثانية واحدة؛ الغابة، المرتدين، استيقاظ قوتها، وتلك اللحظة المرعبة والمثيرة عندما غرز ألكسندر أنيابه في لحمها.وضعت يدها المرتجفة على كتفها فوق الثوب القطني الخفيف الذي أُلبس لها وه