Home / الرومانسية / لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر) / تراتيل قمر تشرين و الخطيئة الأولى

Share

تراتيل قمر تشرين و الخطيئة الأولى

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-18 18:11:36

الجزء الثالث: تَرَاتِيلُ قَمَرِ تِشْرِينَ وَالخَطِيئَةُ الأُولَى

​لم تكن تلك اللمعة الفضية في زجاج النافذة مجرد وهمٍ عابر وُلِد من رحم التعب والخوف؛ بل كانت أشبه بشرارة باردة نفذت إلى أعماق روح "إيفا"، تاركة خلفها قشعريرة لم تفلح جلود الحيوانات الوثيرة في إطفاء لهيبها. بقيت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بذاك السواد القابع في الفناء السفلي. كان ألكسندر ما يزال هناك، كصنم من الغرانيت الأسود، لا يتحرك، ولا يرمش، كأن وجوده ذاته مُكرّس لحراسة أنفاسها.

​تحركت إيفا مبتعدة عن النافذة بخطوات وئيدة، تكاد لا تلمس السجاد الصوفي السميك. الغرفة كانت شاسعة، جدرانها الحجرية العارية تهمس بقصص قديمة لم تُكتب في كتب البشر. اقتربت من المرآة البرونزية العتيقة المعلقة في زاوية الغرفة؛ مرآة أصابها الكلف والصدأ، تعكس الضوء المهتز للشمعة الوحيدة التي تركتها الخادمة. نظرت إلى عينيها البنيتين مجدداً. كانت عادية.. عادية جداً كأيام حياتها السابقة في القرية، لكن شيئاً ما في النظرة نفسها قد تغير؛ لقد ماتت تلك الفتاة المستسلمة، ووُلدت مكانها سجينَة تبحث عن ثغرة في جدار السجّان.

​"من أنتِ بحق الجحيم يا إيفا؟" همست لنفسها، وهي تلمس المفتاح الحديدي في جيبها. لم يكن مجرد مفتاح لكوخ؛ كان الخيط الوحيد المتبقي لها من عالم والدها.

​مع بزوغ الفجر الأول، لم تشرق الشمس بضوئها الدافئ، بل انبعث نور رمادي باهت كأنه غبار متناثر. استيقظت القلعة على أصوات غريبة لم تألفها إيفا؛ أصوات طبول خشبية ضخمة تُدق بإيقاع بطيئ ومنتظم، يشبه دقات قلب عملاق يحتضر. كان اليوم هو يوم طقوس "قمر تشرين"، الليلة التي يكتمل فيها القمر ليصبح بدراً ساحراً، الليلة التي تجدد فيها الذئاب بيعتها للألفا.

​انفتح الباب الحديدي فجأة بصرير حاد. لم يكن ألكسندر هذه المرة، بل كانت امرأة عجوز، يكسو وجهها خطوط عميقة كأخاديد الأرض الجافة، شعرها أبيض كالثلج، وعيناها كانت رماديتين بالكامل، كأنها مصابة بالعمى، لكن نظرتها كانت نافذة تشق الصدر. كانت هذه هي "إيلكا"، عرافة العشيرة وكاتبة تاريخها المكتوم.

​دخلت إيلكا وهي تحمل ثوباً طويلاً من المخمل القاتم المائل للون الدم الجاف، مطرزاً بخيوط فضية عند الصدر والملامح. خلفها دخلت فتانين يحملان أواني من الماء الدافئ والزيوت العطرية.

​"انهضي يا ملكة الظل"، نطقت العجوز بصوت متهدج، يشبه حفيف الأوراق الجافة في الخريف.

​تراجعت إيفا غريزياً، وعقدت حاجبها بوجل. "أنا لست ملكة لأحد. أخبرت سيدكِ الألفا بهذا، وأخبركِ أنتِ أيضاً."

​ارتسمت على شفتي العجوز ابتسامة غامضة، خالية من الأسنان، لكنها مليئة بالمعاني المكتومة. اقتربت بخطوات بطيئة، وعصاها الخشبية تنقر الأرض الحجرية بنغمات رتيبة. توقفت أمام إيفا مباشرة، وفجأة، رفعت يدها النحيلة الهزيلة وقبضت على معصم إيفا بقوة لم تكن تتخيل أن عجوزاً تمتلكها.

​شهقت إيفا وحاولت سحب يدها، لكن العجوز قربت معصمها من أنفها واستنشقت الرائحة بعمق. في تلك اللحظة، حدث شيء مرعب؛ اتسعت عينا العجوز الرماديتين، وارتجف جسدها بالكامل، وتساقطت عصاها على الأرض برنين مكتوم.

​"الدم..." تمتمت العجوز بنبرة ملؤها الرعب والصدمة، وهي تتراجع خطوتين إلى الوراء وتنظر لإيفا كأنها ترى شبحاً من الماضي. "الرماد الفضي لم يمت.. إنه ينبض.. ينبض في عروق بشرية!"

​"عن ماذا تتحدثين؟ أي رماد؟" هتفت إيفا، والفضول والخوف يمزقان صدرها. "أخبريني! ماذا تعرفين عني وعن والدي؟"

​لكن العجوز استعادت قناع الجمود سريعاً. أشارت للفتاتين بحدة: "جهزاها. الألفا ينتظر في قاعة العرش، والقطيع جائع للرؤية. لا وقت للحديث مع الموتى."

​رفضت إيفا في البداية ارتداء الثوب، لكنها أدركت أن عنادها هنا بلا جدوى؛ فهي تحتاج للخروج من هذه الغرفة، تحتاج لرؤية ممرات القلعة لعلها تجد مخرجاً. ارتدت الثوب الدموي، وكان غريباً كيف انزلق على جسدها وكأنه صُنع لها خصيصاً، والخيوط الفضية عند صدرها بدأت تمنحها شعوراً دافئاً، دافئاً بشكل مريب.

​قادتها الفتاتان عبر الممرات المظلمة، نزولاً إلى قاعة العرش الكبرى. كانت القاعة عبارة عن كهف حجرى هائل، تتوسطه مشاعل من النار الأزرق والأحمر، وتغص بمئات المستذئبين من الرجال والنساء. في نهاية القاعة، فوق عرش نُحت من عظام حيوانات قديمة وجذوع شجر، كان يجلس ألكسندر.

​كان يرتدي عباءة سوداء ثقيلة تظهر كتفيه العريضين، وعيناه الذهبيهما كانتا تتألقان تحت ضوء المشاعل. بمجرد دخول إيفا، انشقت الجموع إلى نصفين، وحلّ صمت مهيب كأن الموت قد دخل القاعة. كل العيون صُوّبت نحوها؛ نظرات تملؤها الريبة، الكراهية، وبعضها يملؤه الجوع والشهوة لافتراس هذه البشرية الضعيفة التي تجرأت على دخول وكرهم.

​تقدمت إيفا بخطوات ثابتة رغم الرعب الكامن في أحشائها. عندما وصلت إلى أسفل العرش، نهض ألكسندر بكامل طوله الفاره. نزل الدرجات ببطء، ومد يده الضخمة نحوها. لم تمد يدها، فابتسم بسخرية وأمسك بمعصمها بقوة ممتلكة، ثم التفت إلى القطيع.

​"هذه هي إيفا"، صرخ بصوت جهوري زلزل أركان القاعة، وتردد صداه في الممرات. "إنها رفيقتي المقدرة، وملكة قطيع الهلال الأسود. من يرفع عينه في وجهها، يرفع عينه في وجه الألفا. ومن يجرؤ على لمس شعرة منها، سيكون موته على يدي قطرة قطرة."

​بدلاً من الهتاف، ساد صمت ثقيل. تقدم غابرييل، البيتا ذو الشعر الرمادي، وقال بنبرة مسموعة للجميع: "ألفا.. نحن نحترم غريزتك، لكن القمر يكتمل الليلة، والمرتدون (Rogues) يهاجمون حدودنا الشرقية. كيف نأمن لبشرية لا تملك مخالب ولا أنياب لتدافع عن نفسها؟ إنها نقطة ضعفنا!"

​اشتدت قبضة ألكسندر على يد إيفا، ولمعت عيناه بغضب وحشي، وأطلق زمجرة هزت المشاعل. "أنا مخالبها وأنا أنيابها يا غابرييل! وهل تشكك في قدرة الألفا على حماية ما يملك؟"

​استغلت إيفا اللحظة، والتفتت إلى ألكسندر، وقالت بصوت مسموع وواضح أدهش الحاضرين بعنادها: "أنا لست نقطة ضعف أحد، لأنني ببساطة لست تابعة لك! أنا لست ملكتك، ولن أكون!"

​تعالت الهمسات الغاضبة في القاعة، وكادت الذئاب تثور، لكن ألكسندر لم يغضب؛ بل نظر إليها بنظرة امتزج فيها الهوس بالإعجاب القاتل. اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الحارة، وهمس في أذنها: "هذا العناد هو ما يجعل دمي يغلي يا رفيقتي.. لكن الليلة، سأريكِ لماذا أنا الألفا."

​انتهى الاجتماع، وأُعيدت إيفا إلى غرفتها تحت حراسة مشددة. بدا أن الليل قد حان سريعاً، ومع هبوط الظلام، بدأ ضوء القمر المكتمل يتسلل عبر النافذة الكبيرة، صابغاً الغرفة بلون فضي غريب.

​كانت الطبول بالخارج تزداد تسارعاً، وأصوات العواء بدأت تتعالى من الغابة. شعر أفراد القطيع بالتحول، وبدأت طقوس الصيد. تملك إيفا شعور حاد بالاضطراب؛ لم يكن خوفاً، بل كان شعوراً غريباً في دماءها، كأن شيئاً ما داخل عروقها يطالب بالخروج، نبضات قلبها تسارعت بشكل جنوني، وجسدها بدأ يفرز حرارة تفوق الطبيعي.

​"يجب أن أهرب.. الليلة هي فرصتي الوحيدة"، همست لنفسها وهي تتنفس بصعوبة.

​تذكرت المفتاح في جيبها. اقتربت من الباب الحديدي، ولدهشتها، وجدت أن الحارسين بالخارج قد غادرا مكانهما، ربما للانضمام إلى طقوس الصيد أو لتلبية نداء الألفا بسبب هجوم المرتدين. وضعت يدها على مقبض الباب، وكان القفل مغلقاً من الخارج.

​أخرجت المفتاح الحديدي القديم. لم تكن هناك فتحة قفل تناسبه في الباب من الداخل، لكن غريزة مجهولة دفعتها لضغط النقوش البارزة على المفتاح وضعه على السطح الحديدي للباب.

​ما حدث بعد ذلك صدمها؛ بمجرد ملامسة المفتاح للحديد، لمحت عيناها خطوطاً من الضوء الفضي الشاحب تسري في الباب كالشرايين، وسُمع صوت "تكة" خافتة.. انفتح القفل تلقائياً!

​لم تضع الوقت في التفكير. فتحت الباب وخرجت تسير في الممرات المظلمة بخطوات قطة. كانت القلعة شبه فارغة؛ فالجميع في الفناء السفلي أو في الغابة. نزلت الدرج اللولبي، وخرجت من باب جانبي صغير يؤدي إلى الأسوار الخلفية المطلة على الغابة مباشرة. كان هناك ممر سري قديم بين الصخور، يبدو أن والدها كان يعلمه جيداً وشرحه لها في إحدى رسائله القديمة.

​تسلقت الصخور، وألقت بنفسها في أحضان الغابة الضبابية مجدداً. كان البرد قارساً، لكن جسدها كان مشتعلاً بالحرارة. كانت تركض وتركض، والطبول تبتعد خلفها. شعرت بالحرية لأول مرة منذ أيام، لكن الحرية في غابة "بريسيد" لها ثمن باهظ.

​فجأة، انقطع صوت الطبول تماماً، وحلّ سكون الموت.

​توقفت إيفا، ويلهث صدرها. التفتت حولها، لتجد أن الضباب الرمادي قد أصبح كثيفاً لدرجة أنها لم تعد ترى كفيها. ومن بين الضباب، بدأت تظهر ظلال متحركة.. ظلال ليست لألكسندر أو رجاله.

​خرج ثلاثة مستذئبين بهيئاتهم الوحشية. كانوا مشوهين، فراؤهم ممزق، وعيونهم حمراء تطفح بالجنون والجوع الدموي. هؤلاء هم "المرتدون".. الذئاب المنفية التي فقدت عقولها وإنسانيتها وتحولت إلى وحوش كاسرة.

​"انظروا ماذا لدينا هنا..." نطق أحدهم بصوت أشبه بفحيح الأفاعي المتنكرة في هيئة بشرية، يسيل لعابه اللزج على الأرض. "بشرية حلوة.. ورائحتها.. رائحتها غريبة.. لذيذة جداً!"

​تراجعت إيفا حتى اصطدم ظهرها بجذع شجرة ضخم. صرخت مستنجدة، لكن صوتها ضاع في الضباب. تقدم الذئب الأضخم نحوها، ورفع مخلبه الحاد ليمزق ثوبها المخملي ويغرز أظافره في لحمها. أغلق عينيها مستسلمة، وشعرت ببرودة المخلب تلامس عنقها.

​لكن المخلب لم يقطع.

​بدلاً من ذلك، انفجر الليل عن زمجرة لم تسمع إيفا مثلها قط.. زمجرة حملت من الغضب والجنون ما كفى لاهتزاز الأشجار وسقوط الثلوج من الأعالي. لم يكن عواءً، بل كان زلزالاً.

​انقشع الضباب في ثانية واحدة بفعل طاقة مرعبة، واندفع جسد هائل كالحلكة.. ألكسندر بهيئته الذئبية العملاقة، وعيناه الذهبيهما تشتعلان بنار جهنم. لم يعطِ المرتدين فرصة للتفكير؛ في لمح البصر، انقض على الذئب الأول وبضربة واحدة من مخلبه، قطع رأسه ليتطاير الدم الساخن في الهواء ويصبغ الثلج والضباب باللون الأحمر القاني.

​صرخ المرتدان الآخران وحاولا الهرب، لكن ألكسندر كان أسرع من البرق. غرز أنيابه الضخمة في عنق الثاني ومزقه إرباً، بينما قفز فوق الثالث وهشم جمجمته تحت ثقل كفه العملاق.

​كان المشهد حمام دم مرعب ومقزز. سقطت إيفا على ركبتيها، تغطي وجهها بيديها وهي تبكي وتصرخ من هول ما رأت.

​تحول ألكسندر إلى هيئته البشرية في ثوانٍ. كان جسده عارياً، مغطى بالكامل بدماء الأعداء الحارة، وأنفاسه تخرج كالعاصفة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة، وكل خطوة كانت تجعل الأرض ترتجف. جثا أمامها، ورفع وجهها بيديه الملطختين بالدماء، لتجبر على النظر في عينيه الذهبيتين اللتين لم تكن تحملا أي رحمة، بل هوساً خالصاً كاد يحرقها.

​"لقد حذرتكِ..." نطق بصوت منخفض، كفحيح الأفعى، وجسده ينبض بحرارة وحشية. "حذرتكِ من أن هذا العالم سيمزقكِ إن تركتِ ظلي. هروبكِ انتهى يا إيفا. ومن الآن فصاعداً.. قيدكِ سيكون أثقل، ولن تري ضوء الشمس إلا من خلال عينيّ!"

​حملها بين ذراعيه بعنف هذه المرة، والتفت عائداً إلى القلعة، بينما بدأت إيفا تشعر بدوار شديد، ورأسها يستند إلى صدره الملطخ بالدم.. ولأول مرة، قبل أن تغيب عن الوعي، سمعت هتافاً غريباً في عقلها، صوتاً لم يكن صوتها، يهمس: «الدم يطلب الدم.. والفضة ستكسر الذهب قريباً».

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   انكسار العرش الفولاذي و رايات العشق الأبدي

    الجزء الحادي والأربعون: انْكِسَارُ العَرْشِ الفُولاَذِيِّ وَرَايَاتُ العِشْقِ الأَبَدِيِّتحولت بوابات "الحصن المقطوع" الشاهقة إلى شظايا نحاسية متطايرة تحت صدمات المدافع الفضية وزئير فرسان الذئاب الرمادية. كان عبق البارود الممتزج برائحة الكبريت ورذاذ البحر المسموم يملأ أزقة الحصن الداخلية، بينما كانت الأعلام النحاسية التابعة للملك "ألبرت الفولاذي" تتهاوى واحدة تلو الأخرى تحت أقدام فرسان إمبراطورية الهلال المشع. لم تكن المعركة داخل البلاط الملكي للحصن سوى مذبحة خاطفة؛ فقد أدرك حراس النخبة الغربيون أن المقاومة أمام قوة مستذئبي الشمال وسحر دماء الفضة ليست سوى انتحار مبين.تداعت الجدران الغرانيتية لقاعة العرش العتيقة، واقتحمت كتائب النخبة بقيادة البيتا غابرييل أرجاء المكان، مفسحة الطريق للموكب الإمبراطوري الأسطوري ليدخل بخطوات تثبت السيادة المطلقة.كانت إيفا تخطو فوق الرخام المحطم بكل هيبة وأناقة ساحرة، ترتدي رداءها الفضي المزين بالحرير الأسود، وشعرها الثقيل يتطاير حول كتفيها كأنه راية النصر. كان الوسم الملكي على ترقوتها ينبض بنور فضي قاطع ودافئ، يحيط بها وبطفلها الصغير أريان بدروع روحية

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   مراسي الحمم المطفأة و غليان الأنفاس المملوكة

    ​الجزء الأربعون: مَرَاسِي الحِمَمِ المُطْفَأَةِ وَغَلَيَانُ الأَنْفَاسِ المَمْلُوكَةِ ​رست الأساطيل الحربية لـ "إمبراطورية الهلال المشع" أخيراً على الشواطئ الصخرية الداكنة لقارة الفناء الأسود. لم تكن الرمال هنا ذهبية أو بيضاء، بل كانت عبارة عن مسحوق من البازلت الأسود الناعم الممزوج ببقايا الرماد البركاني القديم. المياه القريبة من الشاطئ كانت تطلق بخاراً خفيفاً دافئاً بفعل العروق البركانية الحرارية التي تجري تحت قشرة الأرض، مما خلق تبايناً صارخاً مع برودة بحر الهلاك المتجمد الذي عبروه للتو. الأفق كان مرعباً ومذهلاً في آن واحد؛ جبال شاهقة مسننة كأنياب مستذئب ثائر، تتصاعد من قمم بعضها خيوط رفيعة من الدخان الأحمر القاني، بينما نُحتت على سفوحها قلاع وقصور ضخمة مبنية من صخور الحمم السوداء وعظام التنانين العتيقة. ​بدأ آلاف المحاربين من النخبة والذئاب الرمادية الهبوط إلى البر، مشكلين مربعات عسكرية صارمة بحسب توجيهات البيتا غابرييل. كانت حواسهم مستنفرة، ومخالبهم تكاد تبرز من فرط الترقب، فـ الهواء هنا كان ثقيلاً برائحة الكبريت والسحر القديم المحرم الذي يميّز هذه القارة المعزولة. ​ورغم ضجيج

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   عبور جبال الضباب و صحوة العروش العتيقة

    الجزء التاسع والثلاثون: عَبُورُ جِبَالِ الضَّبَابِ وَصَحْوَةُ العُرُوشِ العَتِيقَةِكانت الفجر يُشرق على الإقليم الشمالي بلون أرجواني غريب، لم تعتده أعيُن الفرسان ولا سكان الشواطئ. لم تكن الغيوم المحلقة فوق قمم جبال الضباب الشمالية سوى كتل كثيفة من الرذاذ السحري المشحون بـ"سحر الممالك القديمة"، وهو السحر الذي ظل خامداً لقرون خلف التخوم الغربية. كانت أساطيل إمبراطورية الهلال المشع ترسو في الميناء الكبير كـ جبال صخرية طافية، أشرعتها السوداء مطرزة بختم الهلال الفضي والمذهب، والمدافع السحرية المصنوعة من معدن البازلت والفضة مصفوفة على المتون، جاهزة للانطلاق نحو التخوم التي لم تطأها قدم ألفا من قبل.كان التحرك الإمبراطوري هذه المرة يختلف عن كل الحروب السابقة؛ لم يكن مجرد حملة لتأديب متمردين أو إخماد بركان، بل كان "السير العظيم"—عرضاً مهيباً للقوة والسيادة المطلقة، يعبر فيه الألفا الأسمى ألكسندر برفقة ملكته الموسومة إيفا ووريث العرش الصغير أريان، لفرض النظام الأبدي على الممالك الغربية الغارقة في الفوضى والمؤامرات.داخل المقصورة الملكية الكبرى للسفينة الإمبراطورية القائدة "القاهر الأرجواني"،

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   ظلال الشموس الأولية و مقدمات السير العظيم

    الجزء الثامن والثلاثون: ظِلاَلُ الشُّمُوسِ الأَوَّلِيَّةِ وَمُقَدَّمَاتُ السَّيْرِ العَظِيمِمرت ثلاثة أعوام على تلك الليلة المشهودة التي تطهرت فيها جذور القصر الإمبراطوري من بقايا "نقابة الظلال المتفحمة". ثلاثة أعوام كانت كفيلة بأن تحول اسم "إمبراطورية الهلال المشع" إلى أسطورة حية تتردد صداها في أطراف الأرض، من جبال الشمال المتجمدة إلى القفار البازلتية لقارة الفناء الأسود التي أصبحت مقاطعة خضراء مزدهرة، تخترقها القوافل التجارية وتجلس على أطرافها حراس الذئاب الرمادية لحماية الأمن والسلام الإمبراطوري.لم تعد المعارك تُسمع لها طلقات أو زئير في القفار، بل حلت محلها صرامة التنظيم العسكري، وازدهار الزراعة السحرية، وتدفق دماء السلالة الفضية والذهبية الموحدة في عروق الجيل الجديد. ورغم حالة الرخاء الشاملة التي خيمت على الأقاليم السبعة، كان الجناح الملكي الخاص يظل القلعة المعزولة التي تدور داخلها أعمق مشاعر التملك، والحنان الغاشم، والاستعداد لمستقبل أسطوري جديد يقوده الأمير الصغير "أريان".في الشرفة الإمبراطورية العريضة المطلة على حدائق اللوتس الملكية والميناء الشمالي الشاسع، كانت أشعة الشمس ا

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   الظلال الخفية خلف مهد الملك و خيانة الرماد الأخيرة

    الجزء السابع والثلاثون: الظِّلاَلُ الخَفِيَّةُ خَلْفَ مَهْدِ المَلِكِ وَخِيَانَةُ الرمَادِ الأَخِيرَةِ لم تكن نشوة النصر ولا صخب الاحتفالات التي أضاءت القصر الإمبراطوري في الإقليم الشمالي لتمحو بذور الشك التي زرعها سقوط قارة الفناء الأسود. فالعروش المبنية على الدم والحديد، مهما بلغت مناعتها، تظل مغناطيساً لجذوات الغدر الخفية التي تنمو في العتمة. وفي الوقت الذي كانت فيه الأبواق النحاسية تعزف ألحان السيادة المطلقة، وكانت الركاب تجثو في القاعة الكبرى أمام الألفا ألكسندر وملكتهم الموسومة إيفا، كانت ثمة ظلال مسمومة تتسلل عبر الممرات الخلفية الغرانيتية المشيدة تحت الأرض، ممرات لا تطالها قناديل الفضة ولا تحرسها ذئاب النخبة. كانت "نقابة الظلال المتفحمة"—وهم بقايا السحرة والكهنة السريين لعرش الرماد الذين فروا أثناء تدمير القصر البركاني—قد غرسوا خناجرهم في قلب العاصمة الشمالية قبل أسبوع من وصول الأسطول الملكي. لم يكن هدفهم مواجهة الألفا الأسمى في معركة مكشوفة؛ فقد علموا يقالاً أن نيران سيفه الأرجواني وسحر الفضة الموحد يمحوان الجيوش في ثوانٍ. بل كان مخططهم المظلم يتجه نحو الثغرة الوحيدة التي

  • لعنة الألفا(عشق تحت ضوء القمر)   طقوس التتويج الإمبراطوري و عرش الأبدية الممزق

    الجزء السادس والثلاثون: طُقُوسُ التَّتْوِيجِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ وَعَرْشُ الأَبَدِيَّةِ المُمَزَّقِ لم تكن شمس الفجر التي أشرقت على القصر الإمبراطوري في الإقليم الشمالي شتائية خافتة كما اعتاد سكان الجبال، بل كانت دافئة وساطعة تتلألأ فوق السطوح الرخامية والمنازل الغرانيتية المعلقة. أعلنت الأبواق النحاسية الضخمة المصنوعة من معدن الفضة الخالص استنفار الأقاليم السبعة كاطبة. الطبول الحربية لم تعد تدق لإعلان الحروب أو الحصار، بل كانت تقرع بإيقاع ملكي مهيب يهز القلوب، ينبئ بدخول العالم عصراً أسطورياً جديداً أُطلق عليه "عصر الدم الموحد". الشوارع العريضة المؤدية إلى البلاط الإمبراطوري كانت مزدحمة بالآلاف من أبناء القطيع، والفرسان الموشحين بالدروع الفضية، ورؤساء القبائل الذين جاءوا من أقاصي القارة الشرقية والشمالية، يحملون الهدايا المصنوعة من عظام التنانين والنبيذ المعتق وحجارة الزمرد النادرة، لتقديم فروض الطاعة والولاء المطلق. ولكن، خلف الأبواب العاجية الشاهقة للجناح الإمبراطوري الخاص، كان ثمة عالم آخر من الفخامة، والسكون المشحون بالشغف، والتملك الغاشم الذي يفرضه الألفا ألكسندر على رفيقته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status