LOGINالـفـصـل الـثـالـث
**البند 4، اليوم 1 من 365** في التاسعة إلا دقيقتين، وصل الرجلان بالسلّم المتحرك إلى واجهة الطابق الثاني والعشرين. وقفت سيلا خلف الزجاج تراقبهما. معهما أمر الحجز وأدوات الخلع، وخلفهما موظف البنك بوجه من اعتاد أن ينتزع الأسماء عن الجدران. تحت قدميها كان قلبها يخفق كأنه يريد أن يسبقهما إلى السقوط. ثم رنّ هاتف الموظف. أصغى. تغيّر وجهه. قال: «نعم... نعم... أفهم.» وأغلق الخط بيد غير ثابتة. نظر إلى الأوراق، ثم رفع رأسه نحو النافذة التي تقف خلفها، وانحنى انحناءة صغيرة محرجة. بعد دقيقة كان السلّم يهبط، واللافتة في مكانها. وعلى مكتبها، ورقة مختومة بالأحمر: «تم سداد كامل المديونية.» وفي الأسفل اسم واحد، يبدو لها الآن كأنه ختم على جلدها: أمير كرم. لم تشعر بالانتصار. شعرت بأن أحداً سلّمها قطعة أرض وهي لا تعرف أن تحتها بئراً. جلست على حافة مكتبها وأعادت قراءة الاسم المطبوع أسفل الختم. أمير كرم. اسمان بلا تاريخ. كان في وسعها أن تبحث عن رجل بهذه المواصفات في كل سجلات المدينة ولن تجد أكثر مما وجدت: ثروة تبدأ منذ تسع سنوات فقط، كأن الرجل وُلد قبل تسع سنوات رجلاً كاملاً بحقيبة جلدية وعينين رماديتين. في العاشرة والنصف كانت في سيارة سوداء مصفحة، وبجانبها رجل يكاد لا يتنفس. لم ينظر إليها منذ ركبا. كان يراقب المرآة الجانبية كل نصف دقيقة، وسيارة سوداء أخرى تتبعهما على مسافة ثابتة. وحين مرّا بشارع مزدحم، سحب الستارة الصغيرة على نافذته، دون أن يلتفت. «هل تخاف من الضوء؟» سألته. «أخاف من العدسات.» «هذه نصف إجابة.» «وهي النصف الذي أملكه.» شعرت بأن الصمت في السيارة ليس صمت رجل بارد، بل صمت رجل يحرس شيئاً. كان يضع يده اليمنى طوال الوقت على ركبته كأنه يمنعها من الارتجاف، ومن حين لآخر يلتفت إلى سيارة الحراسة خلفهما، ثم إلى الطريق، ثم إلى لا شيء. تذكرت أباها وهو ينتظر نتيجة مناقصة: الوجه نفسه، والصمت نفسه. كانت قاعة الزواج صغيرة، جدرانها بلون الرمل، بلا ورد ولا زينة. على الطاولة كتاب سجل سميك، وخلفها قاضٍ مسنّ يحمل نظارة ثقيلة. شاهدان فقط: رجل ستيني بوجه وقور ويدين مرتبتين، قدّمه أمير بكلمة واحدة: «ناصر.» وعلى الجانب الآخر، العم سالم، الذي أصرّ على أن يكون شاهدها. في القاعة طاولة خشبية قديمة، وخلفها علم باهت، وعلى الحائط ساعة تدقّ ببطء كأنها تسخر من الجميع. وقفت سيلا عند الطاولة وفكرت أن هذه هي القاعة التي تزوّج فيها الناس منذ مئة عام: العرسان الذين يحبون، والذين يخافون، والذين لا يعرفون ما يفعلون. وأنها الآن واحدة من الأخيرين. «يا ابنتي.» قبّل جبينها بحنان أبوي. «أنا هنا.» لاحظت أن أمير تجمّد. لم يكن تغيراً كبيراً. كان فكه فقط، حين مرّ سالم بقربه وملأت أنفه رائحة السيجار. أمسك أمير بحافة الطاولة لحظة قصيرة، ثم عادت ملامحه إلى الجليد. حسبتها كراهية عابرة لرائحة التبغ، ولم تضعها في دفترها بعد. «نبدأ.» قال القاضي. تلاوة قصيرة، وأسئلة تقليدية. أجابت سيلا بصوت ثابت: «نعم.» وأجاب أمير بصوت أخفض: «نعم.» ثم وُضع الدفتر أمام الاثنين. «الاسم الكامل للعريس، كما في الهوية.» مسك أمير القلم. رأت سيلا يده وهي تتحرك. كتب «أ»، ثم «م»، ثم «ي»، ثم «ر». ثم، حين وصل إلى اللقب، توقف لجزء من الثانية. بدأ يرسم حرفاً، خطّاً مائلاً طويلاً يشبه بداية «د»، ثم رفع قلمه وشطبه بضربة واحدة وكتب مكانه «ك». لم ينتبه أحد. لا القاضي ولا سالم ولا ناصر، الذي أطرق رأسه فجأة كأنه لا يريد أن يرى. أما سيلا فرأت. «كرم.» أنهى الكلمة. وأمام اسمه الآن بقعة حبر صغيرة حيث شطب الحرف الأول. ثم جاء دورها. وقّعت بسطر واحد حاد ثابت: «سيلا عادل المنصوري». حين انحنت لتوقّع شعرت أنها ترى توقيعها لأول مرة: كل حرف كأنه يقول اسماً لا يخصها. سيلا عادل المنصوري. الاسم الذي حمله أبوها على لافتة ثلاثين عاماً، ثم أُنزل عنها، ثم عاد في هذه اللحظة موقّعاً على ورقة تنقذه من السقوط. ثبتت يدها على الورق، أما قلبها فلم يثبت. «بارك الله لكما.» قال القاضي. «يمكنكما تبادل الخاتمين.» لم يكن عندها خاتم. لكن أمير أخرج من جيبه علبة بسيطة، وفيها خاتم ذهبي رقيق بلا حجر. مدّ يده إليها، وانتظر. أعطته أصابعها المرتجفة، فدفع الحلقة في إصبعها بحركة بطيئة كأنه يخاف أن يكسرها. كانت على مقاسها تماماً. لم تُعلّق. لكن خطاً صغيراً آخر ارتسم في ذهنها بجانب الخدش. وبينما كان الجميع يتبادل التهنئة بالنظرات، أدارت الخاتم في إصبعها ببطء. ذهب رقيق بلا حجر، كأن صانعه عمل عليه بحب لا بعجلة. وفي باطن الحلقة شيء محفور بأحرف صغيرة جداً لم تستطع قراءته. لم يكن خاتماً اشتُري في يوم واحد. خرجا إلى الدرج الخارجي للمبنى. كان الهواء بارداً، والسماء رمادية. في أسفل الدرج، وقف شاب بمعطف أسود، وفي يده كاميرا صغيرة، ومجموعة من الناس يتابعون. «مبروك سيد أمير!» صاح. «صورة واحدة لجريدة الصباح!» لم تسمع سيلا لحظتها ما جرى. كل ما شعرت به أن ذراعاً قوية لفّت خصرها وأدارتها في جزء من الثانية، حتى صار وجهها في صدره، وظهره للعدسة. أومضت الكاميرا مرة، ثم مرة. «لا صور.» همس فوق شعرها بنبرة لم تسمعها منه من قبل، مشدودة، تكاد تكون خائفة. «لا الآن، ولا أبداً.» «أمير...» «ناصر.» كان ناصر قد وصل إلى الشاب في خطوتين. وبكلمة قصيرة وعدة أوراق مالية وابتسامة مهذبة، اختفت الكاميرا من يده. لم يتركها أمير فوراً. بقيت ذراعه حولها ثانيتين، ثم سحبها كأنه استيقظ. «السيارة.» وعلى بعد خطوات، عند رأس الدرج، كان العم سالم يقف مبتسماً، وهو يتأمل المشهد كله بعينين لا ترمشان. --- **من دفتر سيلا:** *أولاً: لماذا شطب الحرف الأول من لقبه؟ كان قد بدأ يكتب حرفاً آخر.* *ثانياً: لماذا ارتبك حين اقترب العم سالم؟* *ثالثاً: الخاتم على مقاسي تماماً. كيف؟*الـفـصـل الـثـامـن**البند 4: أمام الناس، الزواج حقيقي، اليوم 4 من 365**مرّ اليوم الثالث بلا أحداث: صمت على المائدة، وقفل جديد على نافذة، وأمير الذي يختفي كل صباح قبل أن تستيقظ. ثم جاء اليوم الرابع بدعوة لم تستطع أن ترفضها.«ستمسكين بيدي حين ندخل. وستبتسمين.»«وإن لم أفعل؟»«سيُصدّق الناس أن الزواج كذبة. وهذا ما يريده نصف من في القاعة.»لم تجادل. وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه أصابعها، شعرت بحرارة غريبة تسري في ذراعها، فتمنّت لو أن البند الرابع كُتب بلغة أخرى.دخلا من باب الخدمة. لم يمرّا من تحت الأضواء ولا من أمام الصحافة، وكأن أمير يعرف كل ممر خفي في فندق «الجوهرة» كما يعرف الخرائط. وحين انفتح الباب الأخير على قاعة الغداء الواسعة، رفعت مئتا عين رؤوسها دفعة واحدة، ثم ساد همس كهمس البحر.كان الفندق من النوع الذي يعرف كيف يخفي أسراره: ممرات خدمة مبطنة بالسجاد، وأبواب رمادية بلا أرقام، وعمال يقفون إلى الجدار حين يمر أمير، كأنهم ورثوا الجملة عن أجدادهم: لا تنظر إليه.«هذه هي؟» «تزوجها فجأة.» «قيل إنه لا يتزوج.» «قيل إن شركتها كانت ستُحجز أمس.»ابتسمت. كما أُمرت. لكن ابتسامتها كانت م
الـفـصـل الـسـابـع**بند غير مكتوب: ما لا يُقال، اليوم 2 من 365**«سُجّل دخول إلى الأرشيف عند الثانية والربع فجراً.»قالتها ميرنا بصوت منخفض وهي تسحب سيلا من المصعد إلى ركن الممر، وعيناها تدوران خلفها كأن الجدران تصغي. «بمفتاح رئيسي. لا اسم، لا بصمة. لم يدخل الأرشيف أحد منذ ثلاثة أشهر.»«ربما موظف نسي شيئاً.»«في الثانية فجراً؟» رفعت ميرنا حاجبها. «وكاميرا المدخل مطفأة منذ العاشرة مساءً. قال الفني إنه عطل عادي.»لم تعلّق سيلا. نظرت إلى حارسيها الواقفين عند المصعد بوجهين محايدين، ثم إلى الممر الذي تعرفه منذ طفولتها. هنا تعلمت المشي بين المكاتب على كتف أبيها. وهنا، للمرة الأولى منذ أشهر، شعرت أن المكان ليس آمناً.كانت الطوابق العليا هادئة على غير عادتها: ممرات طويلة بأضواء بيضاء، وأبواب مغلقة، وموظفون يتبادلون النظرات حين تمر بهم كأنها نصب تذكاري. لم تعد تسمع ضحكات المطبخ الصغير، ولا طرقات الطابعات، ولا صوت أبيها يصيح من آخر الممر: «من أخذ قلمي الأزرق؟»«سأنزل.»«سيلا...»«وحدي. ثلاث دقائق.»كان الأرشيف في الطابق السفلي الثاني: ممر ضيق طويل تصطف على جانبيه رفوف حديدية، والأضواء كلها بل
الـفـصـل الـسـادس**الشرط الإضافي: لا تكذب عليّ، اليوم 2 من 365**استيقظت سيلا على صمت مختلف: صمت قصرٍ لا أحد فيه.«السيد خرج قبل الفجر، سيدتي.» قال ناصر وهو يضع فنجان القهوة أمامها، قهوة هذه المرة، دون قرفة. «يعود مساءً. وطلب أن أخبركِ أن القصر كله تحت تصرفكِ، ما عدا...»«الممر الشرقي. أعرف.»ابتسم ناصر ابتسامة خفيفة لم تكن موافقة ولا رفضاً. وحين انصرف، أخرجت سيلا من حقيبتها دفتراً صغيراً وورقة شفافة ومسطرة وقلم رصاص، وفعلت ما تفعله منذ كانت في العاشرة: بدأت تقيس.ثم أضاف وهو يهمّ بالخروج: «السيدة ستجد في المكتبة كل ما تريد.» وكان في كلمته نبرة من يعرف أن أحداً سيبحث عن شيء بعينه.كانت تعرف أن الأبنية تكذب. الجدران تخفي، والأبواب تبتلع، لكن الأبعاد لا تكذب أبداً. تحتاج فقط إلى من يصبر على عدّ الخطوات.كان أبوها يقول إن المبنى جسد، والمهندس طبيب يقرأ نبضه بالمسطرة والعين. وقد علّمها أن تبدأ من الأطراف: من الجدران الخارجية قبل الداخلية، ومن الأبواب قبل الغرف، ومن الصمت قبل الكلام.مشت في الممر الشرقي من بدايته. خطوتها عندها خمسة وسبعون سنتيمتراً بالتمام، كما قاسها أبوها يوماً بشريط معد
الـفـصـل الـخـامـس**البند 3، اليوم 1 من 365**كانت مائدة العشاء تتسع لعشرين شخصاً، وجلس عليها اثنان.وضع ناصر الأطباق ثم انسحب بخطوات خافتة، فبقيت سيلا وأمير يفصلهما ثلاثة أمتار من الخشب المصقول وشمعدانان فضيان. لم يتكلم أحد. كان صوت الشوكة على الصحن أعلى صوت في القصر.كانت الشمعدانات الفضية تُلقي ضوءاً مرتجفاً على وجهه، فتبدو ملامحه كأنها منحوتة في حجر بارد. لاحظت أنه يأكل ببطء شديد، كمن يتذوق الطعام لأول مرة منذ سنين، أو كمن يخاف أن يكتشف أنه جائع.«هل تتناول كل وجباتك هكذا؟» قالت أخيراً.«نعم.»«وحدك؟»«نعم.»«ما أجمل الحياة.»كانت تعرف هذا الصمت. هو صمت أبيها حين يفكر في صفقة، وصمت من يحمل شيئاً أكبر من الحديث وأقل من البكاء.لم يضحك، لكنها رأت زاوية فمه تهتز اهتزازة لا تكاد تُرى. ثم أدار رأسه نحو الباب. «ناصر.»ظهر ناصر فوراً، يحمل إبريقاً من الفضة وفنجانين. صبّ الشاي وانصرف. تصاعد البخار برائحة دافئة مألوفة، فرفعت سيلا الفنجان إلى أنفها وتجمدت.قرفة.«شاي بالقرفة؟»«ظننتُ أنكِ...» توقف فجأة، وشيء مرّ في عينيه، كأنه أخطأ في خطوة على درج مظلم. «إن لم يعجبكِ، أخبري ناصر.»«كنتُ أ
الـفـصـل الـرابـع . **البند 2، اليوم 1 من 365** لم يكن القصر كما تخيّلته. كانت تنتظر كابوساً من الرخام، فوجدت بيتاً صامتاً. استغرقت الرحلة ساعة بين الطرق الجبلية والغابة، ثم ظهرت البوابة الحديدية بين الأشجار، وانفتحت ببطء كأنها تتنفس. خلفها ممرّ طويل مرصوف بالحصى، وعلى جانبيه رجال بملابس داكنة لا يتحركون، وفي آخره بناء حجري رمادي بنوافذ طويلة ضيقة. أوقف السائق السيارة عند الدرج، وفتح لها الباب شاب نحيل بملابس الحرس السوداء، بعينين سوداوين لامعتين وابتسامة خجولة. حمل حقيبتها الصغيرة قبل أن تطلب، وقال بصوت مهذب: «أهلاً بالسيدة. اسمي فارس.» ثم، حين لاحظ نظرتها إلى المسدس على حزامه، أضاف كمن يعتذر: «لا نستخدمه يا سيدتي. هو للزينة غالباً.» «أهلاً بالسيدة.» كان ناصر ينتظر عند الدرج، وللمرة الأولى رأته في ضوء النهار: رجل في الستين، شعره فضي مرتب، عيناه هادئتان كمن رأى كثيراً ولم يقل. انحنى لها انحناءة صغيرة محترمة، وقد خلعت عنه القاعة الرسمية قناعها. «أنا ناصر، سيدتي. أي شيء تحتاجينه، أي شيء، فقط قولي.» «أنا في هذا البيت منذ قبل أن يسكنه السيد.» أضاف وهو يرى نظرتها تجول في ا
الـفـصـل الـثـالـث **البند 4، اليوم 1 من 365** في التاسعة إلا دقيقتين، وصل الرجلان بالسلّم المتحرك إلى واجهة الطابق الثاني والعشرين. وقفت سيلا خلف الزجاج تراقبهما. معهما أمر الحجز وأدوات الخلع، وخلفهما موظف البنك بوجه من اعتاد أن ينتزع الأسماء عن الجدران. تحت قدميها كان قلبها يخفق كأنه يريد أن يسبقهما إلى السقوط. ثم رنّ هاتف الموظف. أصغى. تغيّر وجهه. قال: «نعم... نعم... أفهم.» وأغلق الخط بيد غير ثابتة. نظر إلى الأوراق، ثم رفع رأسه نحو النافذة التي تقف خلفها، وانحنى انحناءة صغيرة محرجة. بعد دقيقة كان السلّم يهبط، واللافتة في مكانها. وعلى مكتبها، ورقة مختومة بالأحمر: «تم سداد كامل المديونية.» وفي الأسفل اسم واحد، يبدو لها الآن كأنه ختم على جلدها: أمير كرم. لم تشعر بالانتصار. شعرت بأن أحداً سلّمها قطعة أرض وهي لا تعرف أن تحتها بئراً. جلست على حافة مكتبها وأعادت قراءة الاسم المطبوع أسفل الختم. أمير كرم. اسمان بلا تاريخ. كان في وسعها أن تبحث عن رجل بهذه المواصفات في كل سجلات المدينة ولن تجد أكثر مما وجدت: ثروة تبدأ منذ تسع سنوات فقط، كأن الرجل وُلد قبل تسع سنوات رجلاً كاملا







