LOGINقصة مشوقة جدا تحكي احدات لقاء خنساء الفتاة الصغيرة المتواضعة الفقيرة بالشاب الوسيم الشهم زعيم قبيلة النسور صدفة لاكن خنساء هي المقدرة له ورفيقة دربه رغم معارضة الكل لرتباطهما حكاية تروي مقاومتها لقبيلة النسور وتحديها لهم وارتباطها رسميا بحب حياتها
View Moreالفصل الأول
لقاء عند النهر كانت الغابة تمتد كبحرٍ أخضر لا نهاية له، تتشابك أشجارها العالية فوق الرؤوس حتى لا يكاد ضوء القمر يجد طريقه بين أغصانها. وفي تلك المنطقة، كانت الغابة أكثر من مجرد مكانٍ تكثر فيه الأعشاب والحيوانات البرية؛ كانت أرضًا تخشى القبائل الاقتراب من أعماقها، إذ تناقلت الألسن منذ أجيال حكايات عن قبائل غريبة تسكن الجبال المحيطة بها، وعن دماء شيطانية تجري في عروق بعض أبنائها. وفي إحدى أطراف تلك المنطقة، كانت تعيش قبيلة صغيرة مغمورة، لا يلتفت إليها أحد من القبائل الكبرى. قبيلة خنساء. لم تكن القبيلة تملك ثروة ولا أراضي واسعة، ولم يكن لها فرسان مشهورون أو زعيم يخشاه الآخرون. كانت أسرة خنساء تحديدًا من أفقر الأسر فيها، ولهذا اعتادت الفتاة منذ صغرها أن تساعد أهلها في جمع الأعشاب الطبية وبيعها للقبائل المجاورة مقابل القليل من الطعام والمال. كانت خنساء فتاة في مقتبل العمر، هادئة الملامح، رقيقة القلب، لكنها تمتلك شجاعة لا تتناسب مع حياتها البسيطة. في ذلك المساء، حملت سلة صغيرة فوق ذراعها، وتوغلت بين الأشجار بحثًا عن عشبة نادرة تحتاجها أمها المريضة. لم تكن تعلم أن تلك الرحلة ستغير حياتها إلى الأبد. --- وعلى الجانب الآخر من الغابة، كان رجل آخر يشق طريقه بين الأشجار. فاروق. الوريث الشرعي لقبيلة النسور، أقوى قبائل المنطقة وأكثرها رهبة. كان فاروق في الخامسة والعشرين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، شديد الوسامة، بملامح حادة تمنح وجهه هيبة لا تحتاج إلى سلاح. كان فارسًا مغوارًا، اعتاد ركوب الخيل والصيد والقتال منذ طفولته. لكن ما جعل قبيلة النسور مختلفة عن بقية القبائل لم يكن قوتها العسكرية وحدها. كانت قبيلة النسور تنحدر من سلالة قديمة تُعرف باسم قبيلة الوحوش. سلالة غامضة تسري في عروق أفرادها دماء شيطانية قوية، وتظهر في أعين بعضهم بلون أصفر مخيف عندما يستيقظ ذلك الدم داخل أجسادهم. أما فاروق، فقد ورث تلك القوة كاملة. وكان الجميع يعلم أن يومه سيأتي ليصبح زعيم قبيلة النسور بعد والده، فؤاد الناري، الذي أقعده المرض وأصبح عاجزًا عن قيادة القبيلة بنفسه. ورغم أن فاروق لم يتسلم اللقب رسميًا بعد، فإن الجميع كانوا يتعاملون معه كزعيم. كان يحمل قوسه فوق كتفه، وقد خرج للصيد وحده. وبينما كان يطارد أرنبًا بريًا، لمح شيئًا يتحرك بين الأشجار. توقف. أمسك قوسه، ثم ضيق عينيه. لم يكن أرنبًا. كانت فتاة. --- لم تنتبه خنساء إلى وجوده. كانت قد وصلت إلى النهر، وكانت العشبة التي تبحث عنها موجودة في الضفة الأخرى. نظرت إلى المياه المتدفقة، ثم إلى الصخور الممتدة وسط النهر. قالت لنفسها: "سأعبر فقط... لا يمكنني العودة من دونها." وضعت السلة جانبًا، ورفعت طرف ثوبها قليلًا، ثم وضعت قدمها على إحدى الصخور. خطوة. ثم أخرى. لكن الصخرة الثالثة كانت مبللة. انزلقت قدمها فجأة. صرخت وهي تتمسك بغصن شجرة قريب. "آه!" كادت تسقط في النهر، لكنها استطاعت التشبث بالجذع. حاولت أن تسحب نفسها، لكن قدميها لم تعودا ثابتتين. وفي تلك اللحظة سمعت صوتًا رجوليًا خلفها: "لا تتحركي." تجمدت خنساء في مكانها. التفتت ببطء. كان هناك شاب يقف على الضفة. لم ترَ في حياتها رجلًا بمثل تلك الهيبة. كان يحمل قوسًا، وعلى ظهره سيف طويل، وعيناه تراقبانها بحدة. قال: "إن تحركتِ أكثر ستسقطين." ابتلعت خنساء خوفها وقالت: "أنا... أستطيع تدبر أمري." رفع فاروق حاجبه. "واضح جدًا." ثم تقدم نحو النهر. قالت بسرعة: "لا تقترب! الماء عميق." لم يجبها. خلع سيفه ووضعه على الأرض، ثم قفز فوق الصخور بثبات، وكأنه يعرف النهر حجرًا حجرًا. وصل إليها خلال لحظات. مد يده. "أعطني يدك." نظرت خنساء إلى يده ثم إليه. ترددت. قال بنبرة أكثر حزمًا: "إن كنتِ تريدين السقوط، فسأتركك." مدت يدها فورًا. أمسك فاروق بمعصمها بقوة، وسحبها نحوه. وفي اللحظة التي استعادت فيها توازنها، انزلقت قدمها من جديد، فاندفعت نحوه دون قصد. أمسكها بذراعه قبل أن تسقط. وجدت نفسها للحظات قريبة جدًا منه. رفعت رأسها. التقت عيناها بعينيه. وللحظة قصيرة، شعرت أن العالم كله توقف. أما فاروق، فقد بقي ينظر إليها بصمت. لم يكن يعرف من تكون. ولم يكن يعرف لماذا شعر بشيء غريب عندما التقت عيناه بعينيها. ثم أبعد نظره وقال: "هيا." ساعدها على الوصول إلى الضفة. جلست خنساء على الأرض وهي تلتقط أنفاسها. قال فاروق: "ماذا كنتِ تفعلين هنا وحدك؟" أجابته: "أجمع الأعشاب." نظر إلى السلة. "في هذا الوقت؟" "أمي مريضة." صمت قليلًا. ثم سأل: "من أي قبيلة أنتِ؟" خفضت خنساء عينيها. "قبيلتي صغيرة... لا أظنك تعرفها." ابتسم ابتسامة خفيفة. "جربي." رفعت رأسها وقالت: "أنا خنساء." نظر إليها باستغراب. "هذا ليس اسم القبيلة." ارتبكت وقالت: "أقصد... أنا من قبيلة بني السهل." قبيلة بالكاد سمع فاروق عنها من قبل. قال: "أعرفها." ثم نظر إلى العشبة التي كانت تحاول الوصول إليها. مد يده والتقطها من بين النباتات. "هذه؟" اتسعت عينا خنساء. "نعم!" أعطاها إياها. "كان بإمكانك أن تخبري أحدًا من رجال قبيلتك ليجمعها." تنهدت. "لا يوجد من يستطيع الذهاب إلى هنا." نظر إليها طويلًا. كانت ملابسها بسيطة، وسلتها قديمة، ويديها تحملان آثار العمل. لم تكن تشبه فتيات القبائل الكبيرة اللواتي عرفهن. ولسبب لم يفهمه، شعر بالفضول تجاهها. سأل: "وما اسمك كاملًا؟" أجابته: "خنساء." قال: "خنساء ماذا؟" ابتسمت بحرج. "خنساء فقط." ضحك للمرة الأولى. "غريب." سألته: "وأنت؟" ساد الصمت. ثم قال: "فاروق." لم تكن تعرف أنه أمامها يقف وريث قبيلة النسور. ولم تكن تعرف أن الشاب الذي أنقذها للتو هو الرجل الذي تخشاه القبائل جميعًا. أما هو، فلم يكن يعلم أن تلك الفتاة الفقيرة التي التقاها صدفة عند النهر ستصبح يومًا ما المرأة الوحيدة القادرة على تغيير مصير قبيلة النسور... ومصيره هو. وبينما كانت خنساء تستعد للرحيل، وقفت أمامه وقالت: "شكرًا لأنك ساعدتني." أومأ برأسه. "لا تعودي إلى هنا وحدك." ابتسمت. "لن أعود." ثم حملت سلتها وغادرت. ظل فاروق واقفًا مكانه يراقبها حتى اختفت بين الأشجار. رفع عينيه نحو السماء. وفي أعماقه، شعر لأول مرة منذ سنوات بأن شيئًا غير مألوف قد بدأ. شيء لا يعرفه عقل فارس... ولا يستطيع حتى دمه الشيطاني تفسيره. لقد كان ذلك اللقاء مجرد بداية.بعد أن انكشفت خيانة حوراء وسقطت أقنعة الخداع، نالت جزاءها أمام أعين الجميع، لتنتهي بذلك صفحة سوداء لطّخت اسم عائلتها العريقة. ولم تكن الفضيحة قد طالتها وحدها، بل امتدت آثارها إلى والدها، الكاهن الأعظم، الذي وجد نفسه عاجزًا عن حماية شرف عائلته بعدما شوّهته أفعال ابنته وأفعال من شاركها الخطيئة.أما الطفل، فلم يكن له ذنب في كل ما حدث، ولم تسمح خنساء بأن يدفع ثمن أخطاء والديه. احتضنته بقلب أم لا تفرّق بين طفل ولد من رحمها وطفل وجد نفسه وحيدًا بعد أن فقد والدته.قررت خنساء أن تربيه إلى جانب أبنائها، وأن تمنحه مكانته كاملة بينهم، وكأنه واحد من أطفالها الذين أنجبتهم. لم تسمح يومًا بأن يشعر بأنه مختلف أو غريب، بل غرست في قلبه الحب والانتماء، وكرّست سنواتها لتربية أبنائها جميعًا على الأخلاق والقوة والوفاء، بعيدًا عن المؤامرات والصراعات التي كادت تمزق العائلة.ومع مرور السنوات، تبدلت ملامح المملكة.فالمجموعة القبلية التي امتدت سلالتها عبر الأجيال، تحولت مع الزمن إلى مملكة عريقة ذات نفوذ وهيبة. هدأت الخلافات، وانطفأت نار الفتن، وعاشت القبائل في سلام طويل بعد أن أُغلقت صفحة حوراء نهائيًا. ومع ذلك
لم تمضِ ساعات طويلة حتى عثر جنود مملكة النسور على حوراء مختبئة في أعماق الغابة، منهكة ومرعوبة، وثيابها عالقة بالأغصان المبللة. كان فوزي قد اختفى تمامًا، تاركًا خلفه عشيقته تواجه مصيرها وحدها، دون أن يلتفت إلى ما قد يحدث لها.اقترب الجنود منها وأحاطوا بها من كل جانب، ثم اقتادوها بالقوة عائدة إلى المملكة. لم تحاول المقاومة؛ فقد أدركت أن أسرارها بدأت تنكشف، وأن فوزي، الذي خاطر بكل شيء من أجلها، قد تخلى عنها في اللحظة التي أصبحت فيها الحقيقة على وشك الظهور.وصلوا بها إلى شجرة الأمنيات، أقدم أشجار المملكة وأكثرها قداسة ورهبة. كانت جذورها ملتفة حول الصخور السوداء، وفروعها تمتد نحو السماء كأنها أذرع مخلوق قديم يراقب الجميع بصمت. تساقطت من أوراقها قطرات باردة على عنق حوراء، فارتجفت، ولم تعرف أكان ذلك ندى أم نذيرًا.تجمع الشيوخ والجنود وأفراد العائلة الحاكمة حولها، بينما وقف فاروق في مقدمة المكان، وملامح وجهه جامدة لا توحي بما يعتمل في داخله. وحدها قبضتاه المشدودتان كانتا تفضحان توتره.بدأ الشيوخ طقس كشف النسب، وهو طقس قديم لا يُقام إلا في الجرائم التي تمس العرش وسلالة النسور. أُحضرت الأدوات ا
لم يكن أحد في مملكة النسور يتخيل أن القصر، الذي طالما عُدَّ حصنًا للوفاء والأمان، يخفي بين جدرانه خيانة قادرة على اقتلاع عرش المملكة من جذوره.بعد زواجها من ولي العهد فاروق، لم تكتفِ حوراء بمكانتها إلى جواره، بل دفنت سرًا خطيرًا أخذ يكبر في الظلام يومًا بعد يوم. فقد ربطتها علاقة محرمة بفوزي، شقيق زوجها، وانتهت تلك الخيانة بحملٍ أخفته عن الجميع، ثم نُسب الطفل إلى فاروق، ولي عهد مملكة النسور وقائد قبيلة النسر الناري المقدس.لكن الأسرار، مهما أُحكم دفنها، لا تموت. إنها تنتظر اللحظة التي تجد فيها شقًا صغيرًا لتنفذ منه إلى النور.وجاءت اللحظة كالصاعقة.انكشفت الحقيقة دفعة واحدة، ووصل الخبر إلى فاروق محمّلًا بما يفوق قدرة القلب على الاحتمال. لم تكن الصدمة في خيانة زوجته وحدها، بل في أن شقيقه فوزي كان شريكًا فيها، وأن الطفل الذي حمل اسمه قد لا يكون من دمه.وما إن أدرك فوزي أن أمره انكشف، حتى فرّ خارج المملكة، تاركًا حوراء وطفلهما شادي لمواجهة العواقب وحدهما.كان شادي، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، يجلس في الجناح الغربي، يحدق في الوجوه المحيطة به دون أن يفهم لماذا انقلب العالم فجأة. لم يعرف معن
بعد عامٍ كامل من الأحداث العاصفة، أصدر السيد فؤاد الناري، إمبراطور القبيلة وزعيم قبيلة النسور الشيطانية، قرارًا بالعفو عن حوراء. لم يكن قراره نابعًا من اقتناعه ببراءتها، بل من رغبته في حماية طفلها شادي، الذي كان لا يزال رضيعًا؛ فلم يشأ أن يدفع الصغير ثمن جرائم والدته.أما خنساء، فقد تبدلت حياتها تمامًا بعد مرور عام.ففي صباحٍ مشرق، أعلن الطبيب الإمبراطوري أن خنساء وضعت توأمًا: فتاةً وولدًا. غمرت الفرحة جناحها، وحين حمل فاروق طفليه بين ذراعيه، شعر بأن القدر منحه أخيرًا عائلةً تشبه الحلم الذي طالما تمناه.اختار لهما اسمين يليقان بسلالتهما: نسر للولد، وعنقاء للفتاة.كان الطفلان نسخةً مصغرةً من والدهما؛ عيناه الخضراوان، وشعره الكثيف، وحتى الختم الأصلي الذي تحمله سلالة فاروق ظهر على معصميهما منذ ولادتهما، كوحمة واضحة لا يمكن إنكارها.تأمل فاروق طفليه طويلًا، ثم ابتسم بفخر.— هذان الطفلان ثمرة حبي لخنساء... ولن أسمح لأي شيء في هذا العالم بأن يمسّهما.لكن فرحة القصر لم تدم طويلًا.ففي خضم تلك المناسبة السعيدة، وصل فوزي، شقيق فاروق، إلى القصر. استقبلته العائلة بحفاوة، غير أن خنساء، ما إن وقعت