INICIAR SESIÓNالـفـصـل الـخـامـس
**البند 3، اليوم 1 من 365** كانت مائدة العشاء تتسع لعشرين شخصاً، وجلس عليها اثنان. وضع ناصر الأطباق ثم انسحب بخطوات خافتة، فبقيت سيلا وأمير يفصلهما ثلاثة أمتار من الخشب المصقول وشمعدانان فضيان. لم يتكلم أحد. كان صوت الشوكة على الصحن أعلى صوت في القصر. كانت الشمعدانات الفضية تُلقي ضوءاً مرتجفاً على وجهه، فتبدو ملامحه كأنها منحوتة في حجر بارد. لاحظت أنه يأكل ببطء شديد، كمن يتذوق الطعام لأول مرة منذ سنين، أو كمن يخاف أن يكتشف أنه جائع. «هل تتناول كل وجباتك هكذا؟» قالت أخيراً. «نعم.» «وحدك؟» «نعم.» «ما أجمل الحياة.» كانت تعرف هذا الصمت. هو صمت أبيها حين يفكر في صفقة، وصمت من يحمل شيئاً أكبر من الحديث وأقل من البكاء. لم يضحك، لكنها رأت زاوية فمه تهتز اهتزازة لا تكاد تُرى. ثم أدار رأسه نحو الباب. «ناصر.» ظهر ناصر فوراً، يحمل إبريقاً من الفضة وفنجانين. صبّ الشاي وانصرف. تصاعد البخار برائحة دافئة مألوفة، فرفعت سيلا الفنجان إلى أنفها وتجمدت. قرفة. «شاي بالقرفة؟» «ظننتُ أنكِ...» توقف فجأة، وشيء مرّ في عينيه، كأنه أخطأ في خطوة على درج مظلم. «إن لم يعجبكِ، أخبري ناصر.» «كنتُ أحبه في طفولتي.» قالتها ببطء وهي تنظر إليه. «لم أشربه منذ ثمانية عشر عاماً. أنا أفضّل القهوة الآن.» «سأخبره.» «كيف عرفتَ؟» «البند الثالث.» «هذا ليس عن الماضي. هذا عن الشاي.» «الشاي له ماضٍ أيضاً.» وضع منديله على الطاولة ونهض. «تصبحين على خير، سيلا.» وتركها وحدها مع فنجان لا تستطيع أن تضعه من يدها، وسؤال يكبر: رجل يخطئ في ذوقها الحالي ويصيب في طفولتها. من أين يحصل على معلومات كهذه؟ ومن يعرف عنها ما لا يعرفه أحد؟ حاولت أن تقنع نفسها أنه خمّن، أو سأل ناصراً، أو قرأ شيئاً في ملف عنها. لكن ملفاً لا يعرف أن الطفلة سيلا كانت تغمس قطعة الخبز في الشاي بالقرفة وتغني للمصباح. هذا النوع من المعلومات لا يُحفظ في ملفات. يُحفظ في ذاكرة من أحبّ. عند الثانية وأربعين دقيقة فجراً، كانت ما تزال مستيقظة. استلقت في السرير الغريب، ترى الظلال تتحرك على السقف، وتصغي. في أرجاء القصر ضجيج صامت لا يتوقف: همس أنابيب، وصرير خشب، وخطوات بعيدة. خطوات حقيقية، بطيئة، تعبر الأرض فوقها ثم تختفي. فكرت في أبيها، وفي صوته وهو يقول لها قبل النوم: «لا يوجد في الظلام إلا ما نخبئه نحن فيه.» وتساءلت ما الذي أخفاه هذا القصر في ظلامه، وإن كانت الخطوات التي تعبر الأرض فوقها كل ليلة تخصها هي، أم تخص من يسكن البيت. ارتدت معطفاً ونزلت. كانت المكتبة الكبرى في الطابق الأرضي، وبابها مواربٌ تتسرب منه شفرة رفيعة من الضوء. دفعته بأطراف أصابعها. كان أمير هناك. جالساً عند طاولة طويلة وسط الكتب، بقميص مفتوح الأكمام، وأمامه أوراق مخططات مفرودة. لم يرفع رأسه حين دخلت. «قلتُ لكِ إن الأرض في الممرات قديمة.» «قلتَ إن الباب الشرقي ممنوع. لم تقل شيئاً عن المكتبة.» «المكتبة مسموحة.» رفع عينيه أخيراً. كانتا محمرّتين قليلاً، وتحتهما ظلال داكنة لم تلاحظها في ضوء النهار. «لماذا لم تنامي؟» «لماذا لم تنم أنت؟» «لا أنام.» قالها ببساطة، كمن يقول اسمه. جلست على الطرف الآخر من الطاولة، وفتحت دفتراً وهمياً في ذهنها. لم تجد في صوته تباهياً ولا شكوى. كان يخبرها كما يخبر المرء بحالة الطقس. ومع ذلك، حين ألقت نظرة سريعة على الكتب المتراصة حوله، رأت في الركن سريراً صغيراً قابلاً للطي، ملفوفاً بعناية، وبطانية لم تُفتح. كان على المخطط أمامه مقطع هندسي لمبنى ضخم، تعرفه فوراً بعين المهندسة: ميناء، مستودعات، أسقف معدنية بأقواس عالية. سألت قبل أن تفكر: كانت تعرف هذا النوع من الأخطاء. ليس خطأ جاهل، بل خطأ من يرسم تحت ضغط، بيد ترتجف وساعة تجري. وكان تقدير الحمولة على السقف مكتوباً بقلم رصاص أزرق، لا يستعمله إلا مهندس يكتب بسرعة ليلاً. «هذه مخططات قديمة؟» «لا أعرف.» «أنت تكذب.» رفع رأسه ببطء، وهي تذكره بالبند الذي أضافته. «هذا ليس كذباً، هذا امتناع.» ثم قال بنبرة أخف: «لم أقل لكِ إنها ليست قديمة.» «سأقولها أنا.» مدّت يدها دون استئذان، وأدارت الورقة نحوها. «المقطع هنا خاطئ. هذا السقف لا يحمل نفسه. هناك عمود ناقص عند التقاطع، وإلا لانهار تحت الثلج. من رسمه كان مستعجلاً.» سكت. نظر إلى المقطع ثم إليها، وبدت عيناه كأنهما رأيتا شيئاً ينبض. «كان مستعجلاً.» كرّر بصوت خافت. «لقد كان كذلك.» «من؟» «البند الثالث.» لكن ابتسامة صغيرة، حقيقية لأول مرة، لمست زاوية فمه. «أنتِ مهندسة جيدة، سيلا.» لم تعرف لماذا تحمّلت وجنتاها حرارة مفاجئة. جلسا بعدها صامتين. لم يكن صمتاً ثقيلاً هذه المرة. وحين شعرت بأن النعاس يقترب أخيراً، نهضت، وخلال مرورها قرب طرف الطاولة، وقعت عيناها على دفتر صغير أسود بجانب كوعه. كان مفتوحاً على صفحة تحمل سطراً واحداً بخط قلم رصاص: ظلت تراقب يده وهي تمسك القلم. كانت أصابعه طويلة، نظيفة الأظافر، لكن على ظاهرها ندوب رفيعة قديمة كأنها آثار أسلاك أو زجاج. ويد كهذه لا تشبه يد رجل يقضي حياته بين المكاتب. *الليلة 3,285.* وقفت. فعلت الحساب في رأسها بسرعة كما تفعل مع الأبعاد: ثلاثة آلاف ومئتان وخمسة وثمانون يوماً، مقسومة على ثلاثمئة وخمسة وستين. تسع سنوات. بالضبط. «تصبحين على خير.» قال أمير دون أن يرفع رأسه. وأغلق الدفتر برفق. في الممر، قبل أن تصعد، سمعت من خلف الباب المواربة صوتاً خافتاً جداً، همساً يكاد لا يُسمع، لا موجهاً إلى أحد: «سامحني يا أبي.» --- **من دفتر سيلا:** *الليلة 3,285 = تسع سنوات بالضبط.* *ما الذي حدث قبل تسع سنوات؟*الـفـصـل الـثـامـن**البند 4: أمام الناس، الزواج حقيقي، اليوم 4 من 365**مرّ اليوم الثالث بلا أحداث: صمت على المائدة، وقفل جديد على نافذة، وأمير الذي يختفي كل صباح قبل أن تستيقظ. ثم جاء اليوم الرابع بدعوة لم تستطع أن ترفضها.«ستمسكين بيدي حين ندخل. وستبتسمين.»«وإن لم أفعل؟»«سيُصدّق الناس أن الزواج كذبة. وهذا ما يريده نصف من في القاعة.»لم تجادل. وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه أصابعها، شعرت بحرارة غريبة تسري في ذراعها، فتمنّت لو أن البند الرابع كُتب بلغة أخرى.دخلا من باب الخدمة. لم يمرّا من تحت الأضواء ولا من أمام الصحافة، وكأن أمير يعرف كل ممر خفي في فندق «الجوهرة» كما يعرف الخرائط. وحين انفتح الباب الأخير على قاعة الغداء الواسعة، رفعت مئتا عين رؤوسها دفعة واحدة، ثم ساد همس كهمس البحر.كان الفندق من النوع الذي يعرف كيف يخفي أسراره: ممرات خدمة مبطنة بالسجاد، وأبواب رمادية بلا أرقام، وعمال يقفون إلى الجدار حين يمر أمير، كأنهم ورثوا الجملة عن أجدادهم: لا تنظر إليه.«هذه هي؟» «تزوجها فجأة.» «قيل إنه لا يتزوج.» «قيل إن شركتها كانت ستُحجز أمس.»ابتسمت. كما أُمرت. لكن ابتسامتها كانت م
الـفـصـل الـسـابـع**بند غير مكتوب: ما لا يُقال، اليوم 2 من 365**«سُجّل دخول إلى الأرشيف عند الثانية والربع فجراً.»قالتها ميرنا بصوت منخفض وهي تسحب سيلا من المصعد إلى ركن الممر، وعيناها تدوران خلفها كأن الجدران تصغي. «بمفتاح رئيسي. لا اسم، لا بصمة. لم يدخل الأرشيف أحد منذ ثلاثة أشهر.»«ربما موظف نسي شيئاً.»«في الثانية فجراً؟» رفعت ميرنا حاجبها. «وكاميرا المدخل مطفأة منذ العاشرة مساءً. قال الفني إنه عطل عادي.»لم تعلّق سيلا. نظرت إلى حارسيها الواقفين عند المصعد بوجهين محايدين، ثم إلى الممر الذي تعرفه منذ طفولتها. هنا تعلمت المشي بين المكاتب على كتف أبيها. وهنا، للمرة الأولى منذ أشهر، شعرت أن المكان ليس آمناً.كانت الطوابق العليا هادئة على غير عادتها: ممرات طويلة بأضواء بيضاء، وأبواب مغلقة، وموظفون يتبادلون النظرات حين تمر بهم كأنها نصب تذكاري. لم تعد تسمع ضحكات المطبخ الصغير، ولا طرقات الطابعات، ولا صوت أبيها يصيح من آخر الممر: «من أخذ قلمي الأزرق؟»«سأنزل.»«سيلا...»«وحدي. ثلاث دقائق.»كان الأرشيف في الطابق السفلي الثاني: ممر ضيق طويل تصطف على جانبيه رفوف حديدية، والأضواء كلها بل
الـفـصـل الـسـادس**الشرط الإضافي: لا تكذب عليّ، اليوم 2 من 365**استيقظت سيلا على صمت مختلف: صمت قصرٍ لا أحد فيه.«السيد خرج قبل الفجر، سيدتي.» قال ناصر وهو يضع فنجان القهوة أمامها، قهوة هذه المرة، دون قرفة. «يعود مساءً. وطلب أن أخبركِ أن القصر كله تحت تصرفكِ، ما عدا...»«الممر الشرقي. أعرف.»ابتسم ناصر ابتسامة خفيفة لم تكن موافقة ولا رفضاً. وحين انصرف، أخرجت سيلا من حقيبتها دفتراً صغيراً وورقة شفافة ومسطرة وقلم رصاص، وفعلت ما تفعله منذ كانت في العاشرة: بدأت تقيس.ثم أضاف وهو يهمّ بالخروج: «السيدة ستجد في المكتبة كل ما تريد.» وكان في كلمته نبرة من يعرف أن أحداً سيبحث عن شيء بعينه.كانت تعرف أن الأبنية تكذب. الجدران تخفي، والأبواب تبتلع، لكن الأبعاد لا تكذب أبداً. تحتاج فقط إلى من يصبر على عدّ الخطوات.كان أبوها يقول إن المبنى جسد، والمهندس طبيب يقرأ نبضه بالمسطرة والعين. وقد علّمها أن تبدأ من الأطراف: من الجدران الخارجية قبل الداخلية، ومن الأبواب قبل الغرف، ومن الصمت قبل الكلام.مشت في الممر الشرقي من بدايته. خطوتها عندها خمسة وسبعون سنتيمتراً بالتمام، كما قاسها أبوها يوماً بشريط معد
الـفـصـل الـخـامـس**البند 3، اليوم 1 من 365**كانت مائدة العشاء تتسع لعشرين شخصاً، وجلس عليها اثنان.وضع ناصر الأطباق ثم انسحب بخطوات خافتة، فبقيت سيلا وأمير يفصلهما ثلاثة أمتار من الخشب المصقول وشمعدانان فضيان. لم يتكلم أحد. كان صوت الشوكة على الصحن أعلى صوت في القصر.كانت الشمعدانات الفضية تُلقي ضوءاً مرتجفاً على وجهه، فتبدو ملامحه كأنها منحوتة في حجر بارد. لاحظت أنه يأكل ببطء شديد، كمن يتذوق الطعام لأول مرة منذ سنين، أو كمن يخاف أن يكتشف أنه جائع.«هل تتناول كل وجباتك هكذا؟» قالت أخيراً.«نعم.»«وحدك؟»«نعم.»«ما أجمل الحياة.»كانت تعرف هذا الصمت. هو صمت أبيها حين يفكر في صفقة، وصمت من يحمل شيئاً أكبر من الحديث وأقل من البكاء.لم يضحك، لكنها رأت زاوية فمه تهتز اهتزازة لا تكاد تُرى. ثم أدار رأسه نحو الباب. «ناصر.»ظهر ناصر فوراً، يحمل إبريقاً من الفضة وفنجانين. صبّ الشاي وانصرف. تصاعد البخار برائحة دافئة مألوفة، فرفعت سيلا الفنجان إلى أنفها وتجمدت.قرفة.«شاي بالقرفة؟»«ظننتُ أنكِ...» توقف فجأة، وشيء مرّ في عينيه، كأنه أخطأ في خطوة على درج مظلم. «إن لم يعجبكِ، أخبري ناصر.»«كنتُ أ
الـفـصـل الـرابـع . **البند 2، اليوم 1 من 365** لم يكن القصر كما تخيّلته. كانت تنتظر كابوساً من الرخام، فوجدت بيتاً صامتاً. استغرقت الرحلة ساعة بين الطرق الجبلية والغابة، ثم ظهرت البوابة الحديدية بين الأشجار، وانفتحت ببطء كأنها تتنفس. خلفها ممرّ طويل مرصوف بالحصى، وعلى جانبيه رجال بملابس داكنة لا يتحركون، وفي آخره بناء حجري رمادي بنوافذ طويلة ضيقة. أوقف السائق السيارة عند الدرج، وفتح لها الباب شاب نحيل بملابس الحرس السوداء، بعينين سوداوين لامعتين وابتسامة خجولة. حمل حقيبتها الصغيرة قبل أن تطلب، وقال بصوت مهذب: «أهلاً بالسيدة. اسمي فارس.» ثم، حين لاحظ نظرتها إلى المسدس على حزامه، أضاف كمن يعتذر: «لا نستخدمه يا سيدتي. هو للزينة غالباً.» «أهلاً بالسيدة.» كان ناصر ينتظر عند الدرج، وللمرة الأولى رأته في ضوء النهار: رجل في الستين، شعره فضي مرتب، عيناه هادئتان كمن رأى كثيراً ولم يقل. انحنى لها انحناءة صغيرة محترمة، وقد خلعت عنه القاعة الرسمية قناعها. «أنا ناصر، سيدتي. أي شيء تحتاجينه، أي شيء، فقط قولي.» «أنا في هذا البيت منذ قبل أن يسكنه السيد.» أضاف وهو يرى نظرتها تجول في ا
الـفـصـل الـثـالـث **البند 4، اليوم 1 من 365** في التاسعة إلا دقيقتين، وصل الرجلان بالسلّم المتحرك إلى واجهة الطابق الثاني والعشرين. وقفت سيلا خلف الزجاج تراقبهما. معهما أمر الحجز وأدوات الخلع، وخلفهما موظف البنك بوجه من اعتاد أن ينتزع الأسماء عن الجدران. تحت قدميها كان قلبها يخفق كأنه يريد أن يسبقهما إلى السقوط. ثم رنّ هاتف الموظف. أصغى. تغيّر وجهه. قال: «نعم... نعم... أفهم.» وأغلق الخط بيد غير ثابتة. نظر إلى الأوراق، ثم رفع رأسه نحو النافذة التي تقف خلفها، وانحنى انحناءة صغيرة محرجة. بعد دقيقة كان السلّم يهبط، واللافتة في مكانها. وعلى مكتبها، ورقة مختومة بالأحمر: «تم سداد كامل المديونية.» وفي الأسفل اسم واحد، يبدو لها الآن كأنه ختم على جلدها: أمير كرم. لم تشعر بالانتصار. شعرت بأن أحداً سلّمها قطعة أرض وهي لا تعرف أن تحتها بئراً. جلست على حافة مكتبها وأعادت قراءة الاسم المطبوع أسفل الختم. أمير كرم. اسمان بلا تاريخ. كان في وسعها أن تبحث عن رجل بهذه المواصفات في كل سجلات المدينة ولن تجد أكثر مما وجدت: ثروة تبدأ منذ تسع سنوات فقط، كأن الرجل وُلد قبل تسع سنوات رجلاً كاملا