Se connecterوضعت يدها المرتجفة على بطنها، بينما كانت عيناها المنطفئتان تبحثان عن ملامحه التي لم ترها قط، لكنها حفظت تفاصيل صوته. همست بصوتٍ يملؤه الأمل: «أنا حامل يا عزيزي.. سنرزق بطفل!» ساد صمتٌ قاتل، لم يقطعه سوى صوت ضحكةٍ باردة هزت أركان الغرفة، ضحكةٍ ساخرة لاذعه اعتادت على سماعها ثم جاء صوته كالخنجر المسموم: «حامل؟ ومن قال لكِ إنني أريد ذرية من امرأةٍ لا ترى ؟ لقد كانت مجرد ليلة متعة طالت لأشهر.. وانتهت الآن!»" * كوثر الجبيلي * فتاة ترى العالم بطريقة مختلفة… ليس بعينيها اللتين فقدتهما في لحظة، بل بقلبها الذي لم ينكسر رغم كل شيء. هي الحسناء التي أعمى القدر بصرها لكنه لم يستطع أن يخفي جمال روحها. وفي يوم، عاد إلى حياتها ابن عمها سفيان الجبيلي … الرجل الغامض الذي اختفى سنين ثم ظهر فجأة، حاملاً معه أسئلة لم تجب، ومشاعر لم تفهمها. فهل سيكون هذا الرجل ملاذها الآمن؟ أم أن القدر يخبئ لها في عودته ما هو أعمق من مجرد لقاء؟” رواية ملاذ الكفيفة الحسناء
Voir plusكانت كوثر تقف خلف النافذة المفتوحة، لا تبصر ضوء القمر الذي يتسلل من بين السحب، لكنها كانت تشعر بدفئه يداعب بشرتها الشاحبة. في عالمها المظلم، لم تعد الألوان تعني لها شيئاً، بل صارت الروائح والأصوات هي بوصلتها. اليوم، كانت رائحة الياسمين في الحديقة تفوح بقوة، وكأن الطبيعة تحتفل معها بذلك السر الصغير الذي ينمو في أحشائها.
وضعت يدها المرتجفة على بطنها بابتسامة حانية، ولأول مرة منذ ذلك الحادث اللعين الذي غيّب عينيها وسلبها عائلتها في ليلة ممطرة، شعرت بأنها عادت على قيد الحياة منذ أن عرفت بهذا الخبر قطع سكون غزل أفكارها صوت باب الغرفه وهو يُفتح ثم وقع تلك الخطوات الثقيلة التي تحفظ إيقاعها عن ظهر قلب. انتفضت بلهفة، وتحركت بخطوات وئيدة نحو مصدر الصوت، وهتفت باسمه وصوتها يرقص فرحاً: ـ "جـاسـر! أخيراً عدت؟" لم يأتِ الرد الذي تمنته؛ لم يضمها، ولم يطبع قبلة على جبينها. بل جاء صوته جافاً، حاداً كشفرة الحلاق، وهو يلقي بملابسه بجفاء كالمعتاد: ـ "نعم.. ماذا تريدين؟ لقد كان يومي طويلاً ولا رغبة لي في الحديث الآن ." اعتصر الألم قلبها؛ هل تغير حقاً أم كان يرتدي قناعاً طوال عام من الزواج؟ تذكرت كيف حاربت جَدها لأجله، وكيف أقنعت الجميع بأنه سيكون الشخص الذي سيُسعدها. ابتلعت غصتها المريرة، وقررت أن تبوح بسرها الذي ظنت أنه سيذيب جبال الجليد بينهما: "جاسر.. لدي خبر سيغير حياتنا....أنا حامل.. سنرزق بطفل يا عزيزي ! " ساد صمتٌ قاتل، لم يقطعه سوى أنفاس جاسر المتقطعة، ثم تلتها ضحكةٌ باردة هزت أركان الغرفة، ضحكةٍ ساخرة لاذعه اعتادت على سماعها ، ضحكة تحمل من السخرية ما يكفي لقتل روح. جاء صوته كالخنجر المسموم: ـ "حامل؟ ومن قال لكِ إنني أريد ذرية من امرأة لا ترى؟ لقد كانت مجرد تسلية طالت لفترة وانتهت الآن! ويبدو أنكِ تعرفين أنني لم أعد أطيق النظر في وجهكِ، فكيف تتوقعين مني أن أنجب طفلاً منكِ ومن امرأة كفيفة؟" تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت بأن الأرض تميد بها، همست بصعوبة ودموعها بدأت تشق طريقها: ـ "ماذا تعني بهذا الكلام يا جاسر؟ هل تمزح معي؟" اقترب منها، وشعرت بأنفاسه الثقيلة تلفح وجهها، نبرة صوته كانت تتقطر ازدراءً وهو يكمل: ـ "لأنني رأيتكِ جميلة، فقلتُ أتسلى بكِ قليلاً ثم أترككِ. فأنتِ عمياء في النهاية.. وأنا كأي رجل أريد امرأة تهتم بي وتقف بجانبي، لا امرأة تحتاج من يساعدها في كل خطوة!" انهارت كوثر وهي تنظر للفراغ بضعف وبكاء يمزق نياط القلب: ـ "إلى هذه الدرجة تحمل كل هذا الحقد في قلبك؟ حسناً لا أهتم لنفسي.. لقد متُّ في نظري الآن، لكن ماذا عن هذا الروح البريئة؟ ماذا عن الطفل الذي في بطني ؟ " رمقها ببرود تام وهو يشعل سيجارته، ونفث الدخان في وجهها بلامبالاة: ـ "لا شأن لي به. هل طلبتُ منكِ أن تحملي؟ كنتُ أنوي أن أتسلى بكِ لفترة من الوقت ثم أطلقكِ، لكنكِ حملتِ دون علمي، رغم أنني أكدتُ عليكِ تناول الحبوب. فالتذهبي للجحيم أنتِ وطفلكِ.. واحترقا معاً!" في تلك اللحظة، انطفأ آخر بريق للأمل في قلب كوثر، وولدت مكانها امرأة أخرى لا تعرف الضعف. رفعت سبابتها في وجهه وصاحت بصوت هز جدران القصر: "أنت شخص حقير! هل تتبرأ من طفلك ؟ كيف يطاوعك قلبك أن تترك ابنك يتربى بعيداً عنك؟ أي جبروت تسكنه يا جاسر؟ أنا أكرهك.. أكرهك هل تفهم ؟" لم تكد تنهي صرختها حتى شعرت بصفعة قاسية أطاحت بجسدها الضعيف جانباً، ثم قبض على شعرها بقسوة غاشمة: "أتسيئين الأدب معي يا ابنة...؟ سأريكِ الجحيم الذي تتحدثين عنه!" ألقاها على الفراش بعنف، وسمعت صوت خطواته السريعة نحو غرفة الملابس يبحث عن "حزامه" ليفرغ فيه غله. غريزة الأمومة كانت أسرع من عجزها، تحاملت على ألم رأسها، وزحفت نحو الباب، تتعثر بالأشياء لكنها لم تتوقف. خرجت وأغلقت الباب بالمفتاح من الخارج بقفلٍ حديدي، تاركة إياه يزأر بداخلها كالوحش الحبيس. هبطت الدرج بسرعة جنونية، تتمسك بالدرابزين وكأنها تمسك بطوق نجاة وسط محيط هائج. خرجت إلى الشارع، والريح تلطم وجهها، وبيد مرتعشة ضغطت على هاتفها حتى أتاها صوت الأمان الوحيد في كونها المظلم: ـ "حبيبة قلب جدو.. لماذا تتصلين في هذا الوقت؟" انفجرت في بكاء مرير وصوتها يتقطع: "جدي.. أرجوك، أرسل لي سائقاً فوراً وبسرعه " بعد دقائق كانت تبدو كأنها دهر، ترجلت كوثر من السيارة لترتمي في أحضان جَدها "أكرم"، الذي كان ينتظرها على الباب والقلق يأكل ملامحه. بكت بين يديه بشهقات ممزقة: "لماذا يحدث لي هذا يا جدي؟ لماذا لا تكتمل سعادتي أبداً؟ " احتضنها الجد بقوة، وهو يشعر برجفة جسدها، يربت على ظهرها بحنان الأب: " لا تقولي هذا يا ابنتي كل شئ سيكون بخير لا تقلقي انا هنا معك " في تلك اللحظة، تعالت أصوات ركض خفيفة؛ إنهن بنات أعمامها، "حياة، وليلى، وحور، وجميلة"، اللواتي اجتمعن حولها كالفراشات. أمسكت "حياة" يدها بقلق وخوف: "کوثر، لماذا تبكين؟ هل أنتي بخير ؟ ماذا حدث ؟" نظرت كوثر نحوهم، ورغم انطفاء عينيها، إلا أن وجهها أشرق بنور غريب، وقالت بصوت مسموع للجميع: "أنا.. أنا حامل!" سكت الجميع، خيم صمت مذهول على الردهة الفاخرة، ثوانٍ معدودة قبل أن ينفجر المكان بصرخات الفرح والزغاريد، الفتيات يعانقنها ويقبلن يدها، والجَد يبتسم بدموع حقيقية وهو يرى امتداد عائلته أمام عينيه. لكن وسط هذا الصخب، وقفت كوثر بصلابة كالنخلة، وقالت بكلمات حازمة لا رجعة فيها: "جدي.. أريد الطلاق من جاسر في أقرب ساعة، لا أريد أن يحمل ابني اسماً لرجل لا يعرف معنى الرحمة!" ____________________________ خلف زجاج مكتبه الشاهق في أرقى أحياء لندن، كان سفيان يقف شامخاً، ليس كجليدٍ غامض، بل كبركانٍ يغلي بالحياة والثقة المفرطة. كان يرتدي حلة سوداء فاخرة، فتح زري قميصه العلويين بلامبالاة ساحرة، وساعته الذهبية تلمع في يده التي يمررها بزهو في شعره الكثيف. سفيان، رجل الأعمال الذي يهابه الجميع في البورصة، كان معروفاً في الأوساط المخملية اللندنية بشيء آخر تماماً.. إنه "ساحر النساء". ضحكته الجذابة، ونظراته الجريئة، وثروته الطائلة، كانت كفيلة بأن تجعل أجمل النساء يتسابقن للفت انتباهه. لم يكن يعرف معنى "الرفض" أو "الارتباط"، فالحياة بالنسبة له كانت مجرد سلسلة من الغزوات العاطفية الممتعة. قطع صمته صوت سكرتيرته الرقيق وهي تطرق الباب بدلال، اعتادت عليه: " سيد سفيان.. الجميع بانتظارك في الحفل السنوي. هل ستتأخر الليلة أيضاً؟" ابتسم ابتسامة لعوبة، وغمز لها بطرف عينه: "لا تقلقي.. سأمر لبضع دقائق، فالليلة تبدو واعدة." نزل إلى القاعة الكبرى، حيث كانت الموسيقى الصاخبة تمتزج بضحكات النخبة. سار بخطوات واثقة، والأنظار تلاحقه بإعجاب وشغف من كل جانب. اعتاد أن يكون محط الاهتمام، واعتاد أن يختار "صيده" بعناية. بينما كان يتنقل بين المجموعات، ويتبادل الأحاديث السطحية مع الجميع، وقعت عيناه على امرأة تقف بمفردها، لم تكن تشبه أحداً من الوجوه المألوفة. كانت ترتدي ثوباً أحمر قانياً يبرز تفاصيل جسدها الممشوق، وتنظر إليه بنظرةٍ لم تكن مجرد إعجاب، بل كانت نظرة "تحدٍ" و"دعوة" جريئة. شعر سفيان بدمائه تغلي في عروقه؛ فهذه هي النوعية من النساء التي تثير فضوله ، سَارَ نحوها بهدوء وثقة المعتاد، ثم اقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما، ولم يبالِ بآلاف العيون التي تراقبهما في القاعة نظر في عينيها بجرأة، ومرر يده على خصرها بملكيةٍ طاغية، ثم مالَ على أذنها وهمس بصوتٍ رخيم يرتعشُ له الجسد: "الموسيقى هنا صاخبة جداً، والوجوهُ مملة.. وأنا لا أحبُّ تضييعَ وقتي في الحديثِ عن الصفقاتِ حين أجدُ أمامي صفقةً مغريةً مثلكِ. ما رأيكِ أن نكملَ هذه الليلة في مكاني الخاص؟ حيثُ لا يوجدُ سوى أنا.. وأنتِ.. وزجاجة نبيذٍ فرنسي قديم؟" لم تبتعد، بل رفعت يدها لتتحسس لحيته المهذبة بجرأة، وقالت بابتسامةٍ فاتنة: "وهل تظنُّ أنني بتلكَ السهولة يا سفيان؟ أم أنكَ معتادٌ على أن تُجابَ دعواتكَ فوراً؟" ضحك سفيان ضحكةً منخفضة تحملُ الكثير من الثقة، وشدد من قبضته على خصرها وهو يتجه بها نحو المخرج قائلاً: " نعم دعواتي تُجاب فوراً.....ثم أنا أعرفُ جيداً كيف تنتهي ليلتي والآن، كُفي عن الدلال.. فالسيارةُ تنتظرُ بالأسفل، ولديّ فضولٌ قاتل لأعرفَ إن كان لسانكِ الجريءُ هذا سيصمدُ طويلاً عندما يُغلق علينا باب الغرفه "هتف الطبيب بسرعة وخوف بعد أن رأى غضبهن: ـ "إنه فقط.. مرض السكري!" رددت جميلة الكلمة بتعجب واستغراب: ـ "مرض السكري؟!.. ولكن جدي ليس مريضاً بالسكر في الأساس! " حمحم الطبيب بتوتر قبل أن يجيب بجدية: ـ "حسناً.. مرض السكري شائع جداً ويصيب معظم كبار السن في هذا العمر، لذا هو أمر عادي ولا داعي للقلق." صرخت به حياة بغضب وحدة : ـ "لا داعي للقلق؟! إذا كنت لا تريدنا أن نقلق، فلماذا ظللت صامتاً ومتردداً هكذا في البداية لتثير رعبنا؟" أجاب الطبيب بإحراج وتوتر واضح: ـ "أنا أعتذر عن هذا.. ولكن في الحقيقة، السيد أكرم هو من طلب مني ألا أخبركم بأي شيء لأنه لم يكن يريد إزعاجكم أو إقلاقكم، ولهذا السبب كنت متردداً في الكلام." هتفت ليلى بانزعاج وضيق من تصرف جدها: ـ "هذا العجوز.. لن يفلت مني عندما أراه فـ..." قاطعتها كوثر قائلة بقلق ما زال يسيطر عليها: ـ "انتظري يا ليلى.. إذن أيها الطبيب، هل نستطيع الدخول ورؤيته الآن؟" أجابها الطبيب بلطف: ـ "بالطبع يمكنكم رؤيته، ولكن غداً.. اليوم يحتاج إلى الراحة التامة، لذا دعوه ينام قليلاً." أومأ الجميع برؤوسهم وأطلقوا تنهيدة طويلة ملي
هرول سفيان في طرقات المستشفى الطويلة بقلبٍ يخفق رعباً، حتى وصل إلى أمام غرفة الطوارئ التي يرقد بها جده. وعندما وصل، وجد الفتيات يتجمعن أمام الغرفة؛ ملامح القلق والخوف كانت ترتسم على وجوههن جميعاً، ومنهن من كانت تسير ذهاباً وإياباً بخطواتٍ متوترة وترقبٍ قاتل ينهش أعصابهن. اتجه سفيان نحوهن بخطواتٍ متسارعة، وهتف بنبرةٍ قلقة وهو يوجه حديثه نحو ليلى قائلاً: ـ "ليلى، ما الذي حصل؟ كيف وصل الحال بجدي إلى المستشفى؟ لقد كان بخير في الصباح!" نظرت له ليلى بأعينٍ يملأها القلق، ثم هزت رأسها بنفيٍ عاجز وقالت بنبرةٍ خائفة: ـ "لا أعرف يا سفيان.. لقد كنتُ مع كوثر في الغرفة عندما سمعتُ سُعاد تصرخ فجأة وتطلب منا أن نتصل بالإسعاف." ثم أكملت بنبرةٍ مرتجفة وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته عيناها: ـ "وعندما وصلتُ إلى الغرفة كان..." صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم أكملت بمرارة: ـ "كان جدي ملقى على الأرض.. فاقداً للوعي، لا يتنفس و..." توقفت عن الكلام تماماً، وعجزت عن نطق المزيد وهي تبتلع تلك الغصة التي وقفت في حلقها كالشوك عندما تذكرت جسد جدها المستسلم أرضاً دون حراك؛ ثم رفعت يديها لت
أجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق
في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع
ساد صمتٌ ثقيل أرجاء غرفة الطعام الفسيحة، صمتٌ لم يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق الفضية وهي تصطدم بالأطباق الخزفية. كان الجميع يجلسون حول المائدة الطويلة التي بدت في تلك اللحظة وكأنها ساحة حرب باردة. توسط الجد أكرم رأس المائدة بهيبته المعتادة، بينما جلس سفيان بمواجهته، يراقب الوجوه من حوله ببرود
"يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟" سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها. أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه
مرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه
كانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية: ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!" الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق: ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟" تجمدت
commentairesPlus