مَلاذ الكفيفة الحسناء

مَلاذ الكفيفة الحسناء

last updateLast Updated : 2026-04-07
By:  ملاك Updated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
6Chapters
12views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

وضعت يدها المرتجفة على بطنها، بينما كانت عيناها المنطفئتان تبحثان عن ملامحه التي لم ترها قط، لكنها حفظت تفاصيل صوته. همست بصوتٍ يملؤه الأمل: «أنا حامل يا عزيزي.. سنرزق بطفل!» ​ساد صمتٌ قاتل، لم يقطعه سوى صوت ضحكةٍ باردة هزت أركان الغرفة، ضحكةٍ ساخرة لاذعه اعتادت على سماعها ثم جاء صوته كالخنجر المسموم: «حامل؟ ومن قال لكِ إنني أريد ذرية من امرأةٍ لا ترى ؟ لقد كانت مجرد ليلة متعة طالت لأشهر.. وانتهت الآن!»"

View More

Chapter 1

1 : غدر في عتمة الليل

كانت كوثر تقف خلف النافذة المفتوحة، لا تبصر ضوء القمر الذي يتسلل من بين السحب، لكنها كانت تشعر بدفئه يداعب بشرتها الشاحبة. في عالمها المظلم، لم تعد الألوان تعني لها شيئاً، بل صارت الروائح والأصوات هي بوصلتها. اليوم، كانت رائحة الياسمين في الحديقة تفوح بقوة، وكأن الطبيعة تحتفل معها بذلك السر الصغير الذي ينمو في أحشائها.

​وضعت يدها المرتجفة على بطنها بابتسامة حانية، ولأول مرة منذ ذلك الحادث اللعين الذي غيّب عينيها وسلبها عائلتها في ليلة ممطرة، شعرت بأنها عادت على قيد الحياة منذ أن عرفت بهذا الخبر

​قطع سكون غزل أفكارها صوت باب الغرفه وهو يُفتح ثم وقع تلك الخطوات الثقيلة التي تحفظ إيقاعها عن ظهر قلب. انتفضت بلهفة، وتحركت بخطوات وئيدة نحو مصدر الصوت، وهتفت باسمه وصوتها يرقص فرحاً:

ـ "جـاسـر! أخيراً عدت؟"

لم يأتِ الرد الذي تمنته؛ لم يضمها، ولم يطبع قبلة على جبينها. بل جاء صوته جافاً، حاداً كشفرة الحلاق، وهو يلقي بملابسه بجفاء كالمعتاد:

ـ "نعم.. ماذا تريدين؟ لقد كان يومي طويلاً ولا رغبة لي في الحديث الآن ."

​اعتصر الألم قلبها؛ هل تغير حقاً أم كان يرتدي قناعاً طوال عام من الزواج؟ تذكرت كيف حاربت جَدها لأجله، وكيف أقنعت الجميع بأنه سيكون الشخص الذي سيُسعدها. ابتلعت غصتها المريرة، وقررت أن تبوح بسرها الذي ظنت أنه سيذيب جبال الجليد بينهما:

"جاسر.. لدي خبر سيغير حياتنا....أنا حامل.. سنرزق بطفل يا عزيزي ! "

​ساد صمتٌ قاتل، لم يقطعه سوى أنفاس جاسر المتقطعة، ثم تلتها ضحكةٌ باردة هزت أركان الغرفة، ضحكةٍ ساخرة لاذعه اعتادت على سماعها ، ضحكة تحمل من السخرية ما يكفي لقتل روح. جاء صوته كالخنجر المسموم:

ـ "حامل؟ ومن قال لكِ إنني أريد ذرية من امرأة لا ترى؟ لقد كانت مجرد تسلية طالت لفترة وانتهت الآن! ويبدو أنكِ تعرفين أنني لم أعد أطيق النظر في وجهكِ، فكيف تتوقعين مني أن أنجب طفلاً منكِ ومن امرأة كفيفة؟"

​تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت بأن الأرض تميد بها، همست بصعوبة ودموعها بدأت تشق طريقها:

ـ "ماذا تعني بهذا الكلام يا جاسر؟ هل تمزح معي؟"

​اقترب منها، وشعرت بأنفاسه الثقيلة تلفح وجهها، نبرة صوته كانت تتقطر ازدراءً وهو يكمل:

ـ "لأنني رأيتكِ جميلة، فقلتُ أتسلى بكِ قليلاً ثم أترككِ. فأنتِ عمياء في النهاية.. وأنا كأي رجل أريد امرأة تهتم بي وتقف بجانبي، لا امرأة تحتاج من يساعدها في كل خطوة!"

​انهارت كوثر وهي تنظر للفراغ بضعف وبكاء يمزق نياط القلب:

ـ "إلى هذه الدرجة تحمل كل هذا الحقد في قلبك؟ حسناً لا أهتم لنفسي.. لقد متُّ في نظري الآن، لكن ماذا عن هذا الروح البريئة؟ ماذا عن الطفل الذي في بطني ؟ "

​رمقها ببرود تام وهو يشعل سيجارته، ونفث الدخان في وجهها بلامبالاة:

ـ "لا شأن لي به. هل طلبتُ منكِ أن تحملي؟ كنتُ أنوي أن أتسلى بكِ لفترة من الوقت ثم أطلقكِ، لكنكِ حملتِ دون علمي، رغم أنني أكدتُ عليكِ تناول الحبوب. فالتذهبي للجحيم أنتِ وطفلكِ.. واحترقا معاً!"

​في تلك اللحظة، انطفأ آخر بريق للأمل في قلب كوثر، وولدت مكانها امرأة أخرى لا تعرف الضعف. رفعت سبابتها في وجهه وصاحت بصوت هز جدران القصر:

"أنت شخص حقير! هل تتبرأ من طفلك ؟ كيف يطاوعك قلبك أن تترك ابنك يتربى بعيداً عنك؟ أي جبروت تسكنه يا جاسر؟ أنا أكرهك.. أكرهك هل تفهم ؟"

​لم تكد تنهي صرختها حتى شعرت بصفعة قاسية أطاحت بجسدها الضعيف جانباً، ثم قبض على شعرها بقسوة غاشمة:

"أتسيئين الأدب معي يا ابنة...؟ سأريكِ الجحيم الذي تتحدثين عنه!"

​ألقاها على الفراش بعنف، وسمعت صوت خطواته السريعة نحو غرفة الملابس يبحث عن "حزامه" ليفرغ فيه غله. غريزة الأمومة كانت أسرع من عجزها، تحاملت على ألم رأسها، وزحفت نحو الباب، تتعثر بالأشياء لكنها لم تتوقف. خرجت وأغلقت الباب بالمفتاح من الخارج بقفلٍ حديدي، تاركة إياه يزأر بداخلها كالوحش الحبيس.

​هبطت الدرج بسرعة جنونية، تتمسك بالدرابزين وكأنها تمسك بطوق نجاة وسط محيط هائج. خرجت إلى الشارع، والريح تلطم وجهها، وبيد مرتعشة ضغطت على هاتفها حتى أتاها صوت الأمان الوحيد في كونها المظلم:

ـ

"حبيبة قلب جدو.. لماذا تتصلين في هذا الوقت؟"

انفجرت في بكاء مرير وصوتها يتقطع: "جدي.. أرجوك، أرسل لي سائقاً فوراً وبسرعه "

بعد دقائق كانت تبدو كأنها دهر، ترجلت كوثر من السيارة لترتمي في أحضان جَدها "أكرم"، الذي كان ينتظرها على الباب والقلق يأكل ملامحه. بكت بين يديه بشهقات ممزقة:

"لماذا يحدث لي هذا يا جدي؟ لماذا لا تكتمل سعادتي أبداً؟ "

احتضنها الجد بقوة، وهو يشعر برجفة جسدها، يربت على ظهرها بحنان الأب:

" لا تقولي هذا يا ابنتي كل شئ سيكون بخير لا تقلقي انا هنا معك "

في تلك اللحظة، تعالت أصوات ركض خفيفة؛ إنهن بنات أعمامها، "حياة، وليلى، وحور، وجميلة"، اللواتي اجتمعن حولها كالفراشات. أمسكت "حياة" يدها بقلق وخوف:

"کوثر، لماذا تبكين؟ هل أنتي بخير ؟ ماذا حدث ؟"

نظرت كوثر نحوهم، ورغم انطفاء عينيها، إلا أن وجهها أشرق بنور غريب، وقالت بصوت مسموع للجميع:

"أنا.. أنا حامل!"

​سكت الجميع، خيم صمت مذهول على الردهة الفاخرة، ثوانٍ معدودة قبل أن ينفجر المكان بصرخات الفرح والزغاريد، الفتيات يعانقنها ويقبلن يدها، والجَد يبتسم بدموع حقيقية وهو يرى امتداد عائلته أمام عينيه. لكن وسط هذا الصخب، وقفت كوثر بصلابة كالنخلة، وقالت بكلمات حازمة لا رجعة فيها:

"جدي.. أريد الطلاق من جاسر في أقرب ساعة، لا أريد أن يحمل ابني اسماً لرجل لا يعرف معنى الرحمة!"

____________________________

​خلف زجاج مكتبه الشاهق في أرقى أحياء لندن، كان سفيان يقف شامخاً، ليس كجليدٍ غامض، بل كبركانٍ يغلي بالحياة والثقة المفرطة. كان يرتدي حلة سوداء فاخرة، فتح زري قميصه العلويين بلامبالاة ساحرة، وساعته الذهبية تلمع في يده التي يمررها بزهو في شعره الكثيف.

​سفيان، رجل الأعمال الذي يهابه الجميع في البورصة، كان معروفاً في الأوساط المخملية اللندنية بشيء آخر تماماً.. إنه "ساحر النساء". ضحكته الجذابة، ونظراته الجريئة، وثروته الطائلة، كانت كفيلة بأن تجعل أجمل النساء يتسابقن للفت انتباهه. لم يكن يعرف معنى "الرفض" أو "الارتباط"، فالحياة بالنسبة له كانت مجرد سلسلة من الغزوات العاطفية الممتعة.

​قطع صمته صوت سكرتيرته الرقيق وهي تطرق الباب بدلال، اعتادت عليه:

" سيد سفيان.. الجميع بانتظارك في الحفل السنوي. هل ستتأخر الليلة أيضاً؟"

​ابتسم ابتسامة لعوبة، وغمز لها بطرف عينه:

"لا تقلقي.. سأمر لبضع دقائق، فالليلة تبدو واعدة."

​نزل إلى القاعة الكبرى، حيث كانت الموسيقى الصاخبة تمتزج بضحكات النخبة. سار بخطوات واثقة، والأنظار تلاحقه بإعجاب وشغف من كل جانب. اعتاد أن يكون محط الاهتمام، واعتاد أن يختار "صيده" بعناية.

​بينما كان يتنقل بين المجموعات، ويتبادل الأحاديث السطحية مع الجميع، وقعت عيناه على امرأة تقف بمفردها، لم تكن تشبه أحداً من الوجوه المألوفة. كانت ترتدي ثوباً أحمر قانياً يبرز تفاصيل جسدها الممشوق، وتنظر إليه بنظرةٍ لم تكن مجرد إعجاب، بل كانت نظرة "تحدٍ" و"دعوة" جريئة.

​شعر سفيان بدمائه تغلي في عروقه؛ فهذه هي النوعية من النساء التي تثير فضوله ، سَارَ نحوها بهدوء وثقة المعتاد، ثم اقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما، ولم يبالِ بآلاف العيون التي تراقبهما في القاعة نظر في عينيها بجرأة، ومرر يده على خصرها بملكيةٍ طاغية، ثم مالَ على أذنها وهمس بصوتٍ رخيم يرتعشُ له الجسد:

​"الموسيقى هنا صاخبة جداً، والوجوهُ مملة.. وأنا لا أحبُّ تضييعَ وقتي في الحديثِ عن الصفقاتِ حين أجدُ أمامي صفقةً مغريةً مثلكِ. ما رأيكِ أن نكملَ هذه الليلة في مكاني الخاص؟ حيثُ لا يوجدُ سوى أنا.. وأنتِ.. وزجاجة نبيذٍ فرنسي قديم؟"

​لم تبتعد، بل رفعت يدها لتتحسس لحيته المهذبة بجرأة، وقالت بابتسامةٍ فاتنة:

"وهل تظنُّ أنني بتلكَ السهولة يا سفيان؟ أم أنكَ معتادٌ على أن تُجابَ دعواتكَ فوراً؟"

​ضحك سفيان ضحكةً منخفضة تحملُ الكثير من الثقة، وشدد من قبضته على خصرها وهو يتجه بها نحو المخرج قائلاً:

" نعم دعواتي تُجاب فوراً.....ثم أنا أعرفُ جيداً كيف تنتهي ليلتي والآن، كُفي عن الدلال.. فالسيارةُ تنتظرُ بالأسفل، ولديّ فضولٌ قاتل لأعرفَ إن كان لسانكِ الجريءُ هذا سيصمدُ طويلاً عندما يُغلق علينا باب الغرفه "

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
6 Chapters
1 : غدر في عتمة الليل
كانت كوثر تقف خلف النافذة المفتوحة، لا تبصر ضوء القمر الذي يتسلل من بين السحب، لكنها كانت تشعر بدفئه يداعب بشرتها الشاحبة. في عالمها المظلم، لم تعد الألوان تعني لها شيئاً، بل صارت الروائح والأصوات هي بوصلتها. اليوم، كانت رائحة الياسمين في الحديقة تفوح بقوة، وكأن الطبيعة تحتفل معها بذلك السر الصغير الذي ينمو في أحشائها. ​وضعت يدها المرتجفة على بطنها بابتسامة حانية، ولأول مرة منذ ذلك الحادث اللعين الذي غيّب عينيها وسلبها عائلتها في ليلة ممطرة، شعرت بأنها عادت على قيد الحياة منذ أن عرفت بهذا الخبر ​قطع سكون غزل أفكارها صوت باب الغرفه وهو يُفتح ثم وقع تلك الخطوات الثقيلة التي تحفظ إيقاعها عن ظهر قلب. انتفضت بلهفة، وتحركت بخطوات وئيدة نحو مصدر الصوت، وهتفت باسمه وصوتها يرقص فرحاً: ـ "جـاسـر! أخيراً عدت؟" لم يأتِ الرد الذي تمنته؛ لم يضمها، ولم يطبع قبلة على جبينها. بل جاء صوته جافاً، حاداً كشفرة الحلاق، وهو يلقي بملابسه بجفاء كالمعتاد: ـ "نعم.. ماذا تريدين؟ لقد كان يومي طويلاً ولا رغبة لي في الحديث الآن ." ​اعتصر الألم قلبها؛ هل تغير حقاً أم كان يرتدي قناعاً طوال عام من الزواج؟ تذكرت
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
2: غوايةُ القدر.. وسرقةُ الملاذ
​بعد تسعة أشهر.. ​كانت تجلس في حديقة القصر الغناء، تستنشق عبير الزهور وتستمع لزقزقة العصافير التي تداعب سكون عالمها المظلم. شرد ذهبها لذلك اليوم الذي احتمت فيه بجدها "أكرم"، وكيف ثار كالإعصار حين علم بغدر "جاسر". لم يكتفِ الجد بتطليقها منه، بل دمر إمبراطوريته الورقية واستولى على شركته، تاركاً إياه حطاماً مطروداً من عالم الأعمال . ​ابتسمت كوثر بارتياح وهي تشعر بيد جدها الحانية تساندها، وفجأة.. اخترقت صرخة ألم مزلزة هدوء المكان. ـ "آااااااه.. جدي! أنقذني.. أنقذوني!" ​هرع الجميع، الجد أكرم وقف لثواني يستوعب ما يحصل ولكنه تدارك الموقف بسرعه نادى على السائق "إسماعيل" الذي قاد السيارة بجنون نحو المستشفى. مرت ساعات من الرعب أمام غرفة العمليات، حتى خرج الطبيب يتنفس الصعداء: "اطمئن يا سيد أكرم.. العملية كانت صعبة وكدنا نفقد الأم، لكن بفضل الله هي بخير.. والولد نُقل إلى الحضّانة لأنه وُلد ضعيفاً بعض الشيء." ​دخل أكرم غرفتها، فوجدها تستعيد وعيها بوهن شديد. ـ "ابني.. أين ابني يا جدي؟" سألت بلهفة وفزع. طمأنها الجد وهو يربت على يدها بحنان: "اهدئي يا قلب جدك، هو في الحضّانة ليط
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
الفصل الثالث: زواجٌ في الجحيم.. وصرخةٌ في الفراغ
كانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية:ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!"الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق:ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟"تجمدت نظرات سفيان وهو ينظر إلى الرضيع الصغير بين يديها، ثم هتف بذهول وإنكار:"ابني؟! هل جُننتِ يا امرأة؟ كيف تجرؤين أيتها العاهرة على أن تنسبيه لي ؟" ازدادت دموعها قائلة بنبرة جاده وصوت متحشرج من البكاء : " انظر لتلك الورقه حتى تُصدّق أنه طفلك " ألقت الورقه في وجهه بقوة ، قبض على الورقه يقرأها بتركيز وعدم استيعاب فاق من صدمته على صوتها اليائس " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟ " ​أجابته بشهقات مريرة:"ابنك وابني يموت يا سفيان.. ولا أستطيع أخذه للمستشفى بمفردي.....وأنا لن أسمح له بالموت بسبب استهتارك وقسوة قلبك! يا سفيان " ​رغم جدران الجليد التي تحيط بقلب سفيان، إلا أنّ مرأى الرضيع الشاحب جعل شيئاً ما بداخله يضطرب. لم يتردد، فالخطر كان يداهم الصغير. انتزع مفاتيحه بسرعة، وأخذ الطفل من بين يديها وانطلق بسيارته
last updateLast Updated : 2026-03-28
Read more
الفصل الرابع : ظلالُ الوجع
مرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه الذي لم تستطع رؤيته حتى ولم يفارق خيالها لحظة، فتنفجر بالبكاء في صمتٍ يمزق نياط القلوب... ​في قصر الجبيلي.. كان أكرم يجلس فوق مقعده الوارف، يتأمل جدران القصر التي شهدت عزه، يجلس بوقاره المعهود، لكن الحزن قد خطّ آثاره على وجهه و قلبه كان ينزف حزناً على حفيداته هبطت حور وليلى من الدرج، وهتفتا بصوتٍ واحد مشوبٍ بالمرح : " صباح الخير " ابتسم أكرم رغماً عنه، ثم سأل بجدية: "إلى أين أنتما ذاهبتان في هذا الصباح الباكر ؟ " أجابت حور وهي تتجاوزه دون مبالاة، وكأنها لا ترى أمامها سوى الفراغ: " لديّ شأنٌ خاص سأقضيه وأعود.. لا داعي لكل هذا التحقيق." رحلت دون أن تلتفت لخيبته، ليشعر الجد بمرارةٍ تفوق الاحتمال؛ حفيداته اللاتي كان يراهنّ أمل المستقبل، أصبحن يسلكن دروباً ملتوية، يتمردن على سلطته ويض
last updateLast Updated : 2026-03-28
Read more
الفصل الخامس : وجع غريب.....وعودة الصقر
"يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟"​سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها.​أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه الأرض بقوةٍ زلزلت المكان، وهتف بصوتٍ رعدي:ـ "الزمي حدودكِ يا امرأة! أنتِ في بيت أكرم الجبيلي، وكوثر هي سيدة هذا القصر، ونور عيني الذي أبصرُ به!"​شحب وجه نارين قليلاً من غضبه ، لكنها لم تتراجع، بل نظرت لـ سفيان وكأنها تتحداه أن يدافع عن "العمياء".​أما كوثر.. فلم تبكِ، ولم تصرخ. سحبت يدها ببطء شديد، ورسمت على وجهها هدوءاً غريباً، وكأنها اعتادت على طعنات البشر. أطرقت برأسها قليلاً، ثم قالت بصوتٍ واثقٍ ومنخفض:ـ "لا بأس يا جدي.. الظلامُ الذي في عينيَّ، أهونُ بكثير من الظلام الذي يسكنُ بعض القلوب."لم يسمح سفيان لتلك اللحظة المحرجة أن تطول، وبحركةٍ مباغتة مفعمة بالرقة، مدّ يده ليلتقط يد كوثر التي تتشبث بعصا السير ، محيطاً كفها الصغير بدفء كفيه القويتين.​في تلك اللحظة، وكأن الزمن قد توقف عن الدور
last updateLast Updated : 2026-03-28
Read more
الفصل السادس : زلزال الصمت ....وتمرد
ساد صمتٌ ثقيل أرجاء غرفة الطعام الفسيحة، صمتٌ لم يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق الفضية وهي تصطدم بالأطباق الخزفية. كان الجميع يجلسون حول المائدة الطويلة التي بدت في تلك اللحظة وكأنها ساحة حرب باردة. ​توسط الجد أكرم رأس المائدة بهيبته المعتادة، بينما جلس سفيان بمواجهته، يراقب الوجوه من حوله ببرود يشبه هدوء ما قبل العاصفة. لم يلمس طعامه بعد، بل كان يشعر بزهوٍ غريب وهو يرى نظرات التمرد المكتوم في عيون بنات عمه؛ لم يكن زهوه حباً في السلطة لذاتها، بل رغبةً جامحة في إعادة ترويض هذا الشتات الذي رآه منذ لحظة وصوله. ​وضع الجد منديله الورقي ببطء، ثم تنحنح بصوتٍ جهوري جعلت الجميع يتوقفون عن تقطيع قطعة اللحم أمامهم ،وقال: ​"اسمعوا جيداً.. من اليوم، سفيان هو المسؤول الأول والأخير عن مجموعة شركات الجبيلي، له الحق في التعيين، والإقالة، وإعادة الهيكلة....والجميع سيكون عليه تنفيذ أوامر سفيان " ثم وجّه نظره نحو نحو ليلى قائلاً بنبرة حادة لا تقبل النقاش : " ليلى كل صفقات الشركة سواء صفقات مالية أو تجارية سلّميها لسفيان " ​لم يكتفِ الجد بذلك، بل أضاف بنبرة صارمة لا تقبل الجدل: "وليس الشركات ف
last updateLast Updated : 2026-04-07
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status