INICIAR SESIÓNمرّت قرابة ساعة كاملة، لم يقطعهما خلالها سوى بكاء سديم الهادئ، وأنفاس ليث المتقطعة وهو يحتضنها وكأنه يخشى أن يفقدها مرة أخرى. بقيت بين ذراعيه، وقد هدأ ارتجاف جسدها شيئًا فشيئًا، بينما كانت تستمع إلى نبض قلبه، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها للمرة الأخيرة أنه حقيقي. كانت عيناها مغمضتين، ويدها ما تزال متشبثة بقميصه عندما طُرق الباب طرقًا خفيفًا. دخلت الممرضة، ثم توقفت لحظة قبل أن تقول بهدوء سيد ليث، الطبيب يريد التحدث معك بشأن نتائج الفحوصات. رفع ليث عينيه نحوها، ثم نظر إلى سديم التي كانت مستلقية بهدوء.هل هناك شيء خطير؟ ابتسمت الممرضة ابتسامة مطمئنة لا، لكنه يريد أن يشرح لك النتائج بنفسه. نظر ليث إلى سديم، ثم انحنى وقبّل جبينها بحنان سأعود سريعًا، ابقي هنا. فتحت سديم عينيها ونظرت إليه للحظات، ثم أومأت بهدوء. خرج ليث من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، ثم وجد الطبيب ينتظره في الممر. قال الطبيب تعال معي، أريد أن أوضح لك نتائج الفحوصات. سار ليث إلى جانبه حتى وصلا إلى غرفة صغيرة، ثم جلس الطبيب أمام الحاسوب وبدأ يعرض النتائج. بدايةً، أريد أن أطمئنك. نتائج الفحوصات الأساسية جيدة، ولا
خرج الطبيب من الغرفة، وما إن ظهر في الممر حتى نهض ليث بسرعة من مكانه واتجه نحوه، بينما التفت إليه عمر ومنى وبقية الموجودين بقلق. قال ليث بسرعة، وقد بدا التوتر واضحًا في صوته كيف هي؟ هل هي بخير؟ هل كل شيء على ما يرام؟ رفع الطبيب يده قليلًا ليهدئه، اهدأ يا سيد ليث. من ناحية الفحوصات الأولية، حالتها مستقرة، لكن هناك بعض الأمور التي نحتاج إلى متابعتها. تبادل الجميع النظرات، بينما بقي ليث ينتظر منه بقلب متوتر. تابع الطبيب من خلال ما رأيناه أثناء الفحص، أعتقد أن ما عاشته سديم خلال فترة الغيبوبة يفسر كثيرًا من الأشياء التي قالتها بعد استيقاظها. عقد ليث حاجبيه ماذا تقصد؟ قال الطبيب بهدوء عقلها لم يتوقف عن العمل أثناء الغيبوبة بالطريقة التي نتصورها. آخر شيء عاشته قبل فقدان الوعي كان صادمًا جدًا بالنسبة لها، ومن الواضح أن دماغها حاول التعامل مع تلك الصدمة بطريقة خاصة. سكت لحظة، ثم تابع بعبارة أبسط… يبدو أنها بنت داخل وعيها حياة كاملة انطلاقًا من اللحظة التي توقفت عندها حياتها الحقيقية. عاشت أحداثًا وكأنها مرت فعلًا، ولذلك تتذكر أشياء لم تحدث في الواقع. ظل الجميع صامتين، أما ليث
ساد الصمت للحظة بعد أن خرج صوتها الضعيف «أنت… كيف؟»لم يجبها الرجل الواقف في الخلف.ظل ينظر إليها وكأنه يخشى أن يقترب، وكأن مجرد رؤيتها بعينيه بعد ثلاثة أشهر من الانتظار أمر لا يستطيع تصديقه.اقترب الطبيب بسرعة من السرير، وأخذ يراقب أجهزتها، بينما أسرعت الممرضة إلى تعديل بعض الأنابيب والأسلاك المتصلة بها.سديم، لا تحاولي الحركة. أنتِ ما زلتِ ضعيفة جدًا.لكنها لم تسمعه كانت عيناها معلقتين بذلك الرجل كان وجهه شاحبًا، وعيناه حمراوين من كثرة البكاء، لكنه كان هو.عرفته لم تحتج إلى شيء حتى تعرفه ومع ذلك، فإن رؤيته أمامها جعلت قلبها يرتجف بطريقة لم تفهمها رفعت يدها بصعوبة، ومدتها نحوه.اقترب منها فورًا، وأمسك يدها بكلتا يديه كانت يداه ترتجفان.نظرت إليه طويلًا، ثم همست أنا… رأيتك تحركت شفتاها بصعوبة رأيتك… لكنك…توقفت لم تستطع إكمال الجملة كانت صورة واحدة تملأ رأسها صوت الأجهزة الأطباء الوجوه المذعورة والعبارة الأخيرة التي سمعتها قبل أن يغيب كل شيء.سنفقد المريض.أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما من جديد كان لا يزال أمامها حيًا لكنها لم تجد الوقت لتسأله عن شيء، لأن صوتًا صغيرًا جاء من الطرف الآخ
في تلك اللحظة، وبينما كانت سديم تقلب صفحات الملف، شعرت فجأة بدوار شديد اجتاح رأسها دون أي مقدمات. توقفت عيناها عن متابعة الكلمات، وبدأت الحروف تتداخل أمامها، بينما أخذت أصوات المكان من حولها تخفت تدريجيًا.وضعت يدها على رأسها، وحاولت أن تستند إلى الطاولة.«سديم؟كان صوت خلود قريبًا منها، لكنها لم تستطع التركيز فيما تقوله.فجأة، اختفى صوت خلود تمامًا.وحل مكانه صوت آخر.صوت امرأة، بعيد ومضطرب، وكأنه يأتي من مكان غارق في الضباب لقد حرّكت يدها… لقد حرّكت يدها!توقفت أنفاس سديم.لم تعرف من صاح بذلك، ولا أين سمعت هذا الصوت، لكنها شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.ثم جاء صوت آخر، أكثر هدوءًا، لكنه يحمل توترًا واضحًا هل أنتِ متأكدة؟نعم… رأيتها تتحرك.تسارعت أنفاس سديم لم تعد ترى المجمع أمامها.حل مكانه ضوء أبيض شديد، وسقف أبيض، وأصوات أجهزة طبية متقطعة. كانت الأصوات تقترب منها وتبتعد في الوقت نفسه، وكأنها تستمع إليها من خلف جدار سميك.ثم شعرت بشيء دافئ يحيط بأصابعها.يد تمسك يدها تجمدت ملامحها وفي مكان ما داخل ذلك المشهد، كان هناك شخص يجلس بجانبها.لم تستطع رؤية وجهه، لكن صوته وصل إليها واضحًا سديم
بعد اسابيع من حديث سديم مع تسنيم، بدأ المنزل يستعد لاستقبال وجوه غابت طويلًا.لم يكن الأمر مجرد عودة أشخاص إلى المكان…بل كان أشبه بعودة جزء من الماضي الذي ظن الجميع أنه أصبح خلفهم.في ذلك الصباح، كان البيت ممتلئًا بالحركة.الجدة تتابع الترتيبات بسعادة، والجد يجلس في مكانه المعتاد وهو يستمع إلى أخبار العائلة التي ستجتمع من جديد.أما سديم، فكانت تراقب كل ذلك بابتسامة هادئة.لم تكن تتوقع أن يأتي يوم يصبح فيه البيت ممتلئًا بالأصوات من جديد بعد السنوات الطويلة التي عاشتها في الصمت.وصلت سيارة تسنيم وشهاب أولًا.وما إن نزلت تسنيم حتى أسرعت نحو العائلة، لتتحول لحظات اللقاء إلى دموع وابتسامات في الوقت نفسه.احتضنتها منى بقوة، بينما لم يستطع الجميع إخفاء فرحتهم بعودتها.اقترب شهاب وهو يحمل بعض الحقائب، وابتسم قائلًا يبدو أننا عدنا في الوقت المناسب.”ضحك الجميع قليلًا.كان ذلك الضحك مختلفًا…ليس ضحك نسيان، بل ضحك أشخاص اشتاقوا إلى لحظات طبيعية بعد سنوات صعبة.وبعد وقت قصير، وصلت سامية وزوجها.وقفت سديم للحظات عندما رأتها.لم تحتج أي منهما إلى كلمات كثيرة.اقتربت سامية منها واحتضنتها.كان الجميع مجتمعين
لم تمر السنوات دفعة واحدة…بل مرت بهدوء، يومًا بعد يوم، حاملة معها تغييرات صغيرة لم يشعر بها أحد في البداية. في الأشهر الأولى، كانت سديم تحاول فقط أن تتعلم كيف تعيش من جديد. كانت تستيقظ كل صباح، وتنظر للحظة إلى المكان الذي اعتادت أن تجد فيه ليث، ثم تتذكر أنها أصبحت وحدها في مواجهة الأيام. لكنها لم تسمح للحزن أن يأخذ منها كل شيء.كان لديها طفلان يحتاجان إليها. التوأمان اللذان كانا يحملان شيئًا من ملامح ليث، شيئًا يجعل قلبها يتألم ويبتسم في الوقت نفسه. كبر الطفلان ببطء.في البداية، كانا يسألان عنه كثيرًا.كانت جود تنظر إلى صور والدها وتسأل عن تفاصيل صغيرة؛ كيف كان صوته؟ ماذا كان يحب؟ لماذا كان الجميع يبتسم عندما يتحدثون عنه؟ أما حيدر، فكان يتعلق بالأشياء التي بقيت له من أبيه.بلعبته القديمة، بصوره، وبالقصص التي كانت سديم تحكيها له قبل النوم. كانت تجلس معهما كثيرًا، وتحكي لهما عن ليث.لم تكن تريد أن يكبرا وهما يشعران أن والدهم مجرد صورة على الجدار.كانت تريد أن يعرفا أنه كان موجودًا، وأنه أحبهما أكثر من أي شيء. ومع مرور السنوات، تغيرت ملامحهما.كبر التوأمان، وأصبح لكل واحد منهما شخصيته ا
بعد مضيّ أيّامٍ معدودة، أقبل يوم ميلاد ليث، حامِلًا معه أجواءً من الترف والرقيّ تليق بمكانته. لم يُقَم الحفل داخل القصر، بل في الحديقة الواسعة التابعة للفيلا، حيث امتدّت المساحات الخضراء كلوحةٍ مترفة، تتناثر فيها الطاولات المستديرة المغطّاة بأقمشةٍ فاخرة، وتحيط بها كراسٍ أنيقة. أُقيمت الأضواء الدق
وصلت سديم أولًا، فدخلت بهدوء ووجدت العائلة مجتمعة في الصالة: منى، عمر، والجد والجدة. قالت الجدة بابتسامة دافئة: “أهلًا يا ابنتي، كيف كان يومك؟” جلست سديم وهي تحاول أن تبدو طبيعية: “كان جيدًا… مزدحمًا قليلًا.” ابتسم عمر: “هذا طبيعي في بداية العمل.” وبعد دقائق، دخل ليث المنزل بهدوء، وألقى الت
⸻ همس أحد الموظفين: “يبدو أن هناك خللًا في النظام العرضي.” تحرّكت سديم بسرعة هذه المرة، وكأن عقلها عاد للعمل بدل التوتر. اقتربت من جهاز التحكم، ونظرت إلى الشاشة بتركيز. قال أحدهم بقلق: “هل تحتاجين دعم من قسم الـIT؟” لكنها أجابت بثقة خفيفة: “لا، انتظروا لحظة.” بدأت تفحص الإعدادات بسرعة، تضغط
بعد فترة، تحرّكت سديم فجأة وجلست نصف جلسة وهي نائمة، ثم قالت بصوت شبه واضح لكنها غير واعية: “لا… أنا قلت لك الأريكة أفضل…” ثم استلقت مجددًا وكأن شيئًا لم يكن. توقّف ليث، ونظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء جاد جدًا: “حتى في النومك لا تسكتي ؟ وفي اللحظة التالية، انقلبت الجدية إلى موقف أخف، حين







