Mag-log inبعد اسابيع من حديث سديم مع تسنيم، بدأ المنزل يستعد لاستقبال وجوه غابت طويلًا.لم يكن الأمر مجرد عودة أشخاص إلى المكان…بل كان أشبه بعودة جزء من الماضي الذي ظن الجميع أنه أصبح خلفهم.في ذلك الصباح، كان البيت ممتلئًا بالحركة.الجدة تتابع الترتيبات بسعادة، والجد يجلس في مكانه المعتاد وهو يستمع إلى أخبار العائلة التي ستجتمع من جديد.أما سديم، فكانت تراقب كل ذلك بابتسامة هادئة.لم تكن تتوقع أن يأتي يوم يصبح فيه البيت ممتلئًا بالأصوات من جديد بعد السنوات الطويلة التي عاشتها في الصمت.وصلت سيارة تسنيم وشهاب أولًا.وما إن نزلت تسنيم حتى أسرعت نحو العائلة، لتتحول لحظات اللقاء إلى دموع وابتسامات في الوقت نفسه.احتضنتها منى بقوة، بينما لم يستطع الجميع إخفاء فرحتهم بعودتها.اقترب شهاب وهو يحمل بعض الحقائب، وابتسم قائلًا يبدو أننا عدنا في الوقت المناسب.”ضحك الجميع قليلًا.كان ذلك الضحك مختلفًا…ليس ضحك نسيان، بل ضحك أشخاص اشتاقوا إلى لحظات طبيعية بعد سنوات صعبة.وبعد وقت قصير، وصلت سامية وزوجها.وقفت سديم للحظات عندما رأتها.لم تحتج أي منهما إلى كلمات كثيرة.اقتربت سامية منها واحتضنتها.كان الجميع مجتمعين
لم تمر السنوات دفعة واحدة…بل مرت بهدوء، يومًا بعد يوم، حاملة معها تغييرات صغيرة لم يشعر بها أحد في البداية. في الأشهر الأولى، كانت سديم تحاول فقط أن تتعلم كيف تعيش من جديد. كانت تستيقظ كل صباح، وتنظر للحظة إلى المكان الذي اعتادت أن تجد فيه ليث، ثم تتذكر أنها أصبحت وحدها في مواجهة الأيام. لكنها لم تسمح للحزن أن يأخذ منها كل شيء.كان لديها طفلان يحتاجان إليها. التوأمان اللذان كانا يحملان شيئًا من ملامح ليث، شيئًا يجعل قلبها يتألم ويبتسم في الوقت نفسه. كبر الطفلان ببطء.في البداية، كانا يسألان عنه كثيرًا.كانت جود تنظر إلى صور والدها وتسأل عن تفاصيل صغيرة؛ كيف كان صوته؟ ماذا كان يحب؟ لماذا كان الجميع يبتسم عندما يتحدثون عنه؟ أما حيدر، فكان يتعلق بالأشياء التي بقيت له من أبيه.بلعبته القديمة، بصوره، وبالقصص التي كانت سديم تحكيها له قبل النوم. كانت تجلس معهما كثيرًا، وتحكي لهما عن ليث.لم تكن تريد أن يكبرا وهما يشعران أن والدهم مجرد صورة على الجدار.كانت تريد أن يعرفا أنه كان موجودًا، وأنه أحبهما أكثر من أي شيء. ومع مرور السنوات، تغيرت ملامحهما.كبر التوأمان، وأصبح لكل واحد منهما شخصيته ا
كان الجد يجلس في زاويته بصمت طويل، ينظر أمامه وكأنه يستعيد سنوات كاملة عاشها مع حفيده. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكن الحزن كان واضحًا في ملامحه.أما الجدة، فكانت أكثر من يشعر بانكسار الجميع.كانت تنتقل بين أفراد العائلة، تحاول أن تبقى قوية من أجلهم، لكنها كانت تنهار كلما اختلت بنفسها.كانت تنظر إلى سديم بحزن عميق، فهي لم تفقد شخصًا عزيزًا فقط، بل رأت حفيدها يترك خلفه زوجة وطفلين لا يعرفون كيف يكملون الطريق بدونه.جلست الجدة بجانب سديم وأمسكت يدها.لم تقل الكثير، لأنها كانت تعلم أن بعض الآلام لا تخففها الكلمات.فقط بقيت إلى جوارها، تمنحها شعورًا بأنها ليست وحدها.وفي تلك الفترة، لم تترك ياسمين ومنال سديم للحظة.كانتا صديقتيها المقربتين، تعرفانها قبل أن تصبح زوجة وأمًا، وتعرفان كم كان ليث جزءًا كبيرًا من حياتها.اقتربت منها ياسمين واحتضنتها دون أن تقول شيئًا.وبعد لحظات، جلست منال بجانبها وقالت بصوت هادئ لن أقول لكِ إن الأمر سهل… لأنني أعلم أنه ليس كذلك.”نظرت إليها سديم بصمت.تابعت منال لكننا سنبقى معكِ… يومًا بعد يوم.”خفضت سديم رأسها، وانهمرت دموعها بهدوء.في المساء، اجتمع الجميع في المنزل. كا
في تلك الليلة…لم يكن أحد في العائلة قادرًا على استيعاب أن ليث لن يعود.كانت الغرفة ممتلئة بالصمت والبكاء، وكل شخص يحاول أن يجد طريقة ليصدق ما حدث.كانت سديم جالسة على السرير، وعيناها فارغتان رغم الدموع التي لم تتوقف.لم تكن تستوعب كيف يمكن لشخص كان معها قبل ساعات فقط أن يصبح ذكرى.كيف يمكن لصوته الذي ملأ المكان أن يتحول إلى صورة؟وكيف يمكن أن تخبر أطفالها أن والدهم لن يدخل من الباب مرة أخرى؟لكنها لم تكن مضطرة لمواجهة ذلك في تلك اللحظة…فالأطفال كانوا ما زالوا بعيدين عن فهم الحقيقة كاملة.كانت جود في الغرفة المجاورة مع إحدى الممرضات، تحاول أن تبقى هادئة رغم خوفها. كانت تعرف أن شيئًا سيئًا حدث، لكنها لم تكن قادرة على استيعاب حجم الخسارة.أما حيدر، فكان يسأل عن والده بين حين وآخر.كان يظن أن ليث في غرفة أخرى، أو أنه سيعود عندما ينتهي الأطباء من علاجه كان ينتظر فقط.انتظار طفل لا يعرف أن بعض الغيابات لا تنتهي.وفي تلك الليلة، لم تنم العائلة.ليس لأنهم كانوا ينتظرون خبرًا من غرفة العمليات…بل لأنهم كانوا يحاولون تعلم معنى الحياة بعد ليث.مرت الأيام الأولى ببطء شديد…كانت العائلة تتحرك وكأنها تعي
مرت ساعات طويلة…كانت تلك الساعات أثقل من أن تُحسب بالوقت. بقي باب غرفة العمليات مغلقًا، وكل شخص في الممر يحمل خوفه بصمت. لم تعد هناك كلمات كثيرة تُقال، فالجميع كان يعلم أن أي صوت قد يكون كافيًا لكسر آخر ذرة صبر لديهم. في غرفة سديم، كانت الأضواء خافتة.كانت مستلقية على السرير بعد أن أعطاها الأطباء المهدئات مرة أخرى، بعدما استيقظت للحظات وهي في حالة انهيار، تصرخ باسم ليث وتحاول النهوض رغم ضعف جسدها. كان عقلها يرفض أن يهدأ.حتى وهي غائبة عن الوعي، بقيت ملامح الخوف واضحة على وجهها، وكأنها ما زالت تبحث عنه. في الخارج…جلس عمر بصمت، وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات.أما منى فكانت تمسك بيد تسنيم، تحاول أن تكون قوية من أجلها، رغم أن قلبها كان ينهار مثل الجميع. وفجأة…انفتح الباب.لكن هذه المرة لم يخرج الطبيب بسرعة خرج ببطء. كانت خطواته هادئة، وملامحه مختلفة. وفي اللحظة التي رآه فيها الجميع، عرفوا قبل أن يتكلم أن هناك شيئًا تغير. وقف إياد فورًا دكتور…”توقف الطبيب أمامهم، وأخذ نفسًا عميقًا نظر إلى وجوههم واحدًا واحدًا، ثم قال بصوت منخفض حاولنا…” توقفت الكلمات في حلقه للحظة الفريق فعل كل ما
ظل الهاتف في يد عمر للحظات طويلة، وكأنه أصبح أثقل من أن يرفعه. كان يعرف أن الرقم الموجود أمامه ليس مجرد اتصال… بل هو خبر سيغير ليلة كاملة من الفرح إلى خوف لا يعرف أحد كيف سينتهي.مدّ إياد يده بهدوء دعني أتصل بشهاب، يا عم عمر… سأحاول أن أشرح له دون أن أفزعه.”نظر عمر إليه بصمت، ثم أومأ ببطء، وكأنه سلّمه أمرًا لا يستطيع القيام به بنفسه.ابتعد إياد قليلًا عنهم، وأخرج هاتفه. بقي ينظر إلى اسم شهاب على الشاشة لثوانٍ، مترددًا، ثم ضغط زر الاتصال.في مكان آخر، كان شهاب يجلس بجانب تسنيم، وكلاهما ما زالا يعيشان فرحة يومهما الأول. كانت ملامح التعب واضحة عليهما، لكن السعادة كانت تغطي كل شيء.رن الهاتف.نظر شهاب إلى الشاشة، وعندما رأى اسم عمر تغيرت ملامحه عمي؟”أجاب بسرعة مرحبا خيراً ؟”ساد صمت قصير في الطرف الآخر.ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليشعر شهاب أن هناك شيئًا غير طبيعي.قال اياد بصوت حاول أن يجعله ثابتًا شهاب…؟”عقد شهاب حاجبيه ماذا؟”تنفس ببطء قبل أن يقول أحتاج منك أن تأتي إلى المستشفى.”تغيرت ملامح شهاب فورًا المستشفى؟ لماذا؟ ماذا حدث؟”نظر إياد نحو باب غرفة العمليات المغلق، ليث تعرض لحادث… و
بعد مضيّ أيّامٍ معدودة، أقبل يوم ميلاد ليث، حامِلًا معه أجواءً من الترف والرقيّ تليق بمكانته. لم يُقَم الحفل داخل القصر، بل في الحديقة الواسعة التابعة للفيلا، حيث امتدّت المساحات الخضراء كلوحةٍ مترفة، تتناثر فيها الطاولات المستديرة المغطّاة بأقمشةٍ فاخرة، وتحيط بها كراسٍ أنيقة. أُقيمت الأضواء الدق
وصلت سديم أولًا، فدخلت بهدوء ووجدت العائلة مجتمعة في الصالة: منى، عمر، والجد والجدة. قالت الجدة بابتسامة دافئة: “أهلًا يا ابنتي، كيف كان يومك؟” جلست سديم وهي تحاول أن تبدو طبيعية: “كان جيدًا… مزدحمًا قليلًا.” ابتسم عمر: “هذا طبيعي في بداية العمل.” وبعد دقائق، دخل ليث المنزل بهدوء، وألقى الت
⸻ همس أحد الموظفين: “يبدو أن هناك خللًا في النظام العرضي.” تحرّكت سديم بسرعة هذه المرة، وكأن عقلها عاد للعمل بدل التوتر. اقتربت من جهاز التحكم، ونظرت إلى الشاشة بتركيز. قال أحدهم بقلق: “هل تحتاجين دعم من قسم الـIT؟” لكنها أجابت بثقة خفيفة: “لا، انتظروا لحظة.” بدأت تفحص الإعدادات بسرعة، تضغط
بعد فترة، تحرّكت سديم فجأة وجلست نصف جلسة وهي نائمة، ثم قالت بصوت شبه واضح لكنها غير واعية: “لا… أنا قلت لك الأريكة أفضل…” ثم استلقت مجددًا وكأن شيئًا لم يكن. توقّف ليث، ونظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء جاد جدًا: “حتى في النومك لا تسكتي ؟ وفي اللحظة التالية، انقلبت الجدية إلى موقف أخف، حين







