Share

الفصل 4

Author: لا شيء آخر
عندما ظهرت رسالة تأكيد إتمام الدفع، تنفست الصعداء.

المسافة ألف ومئتا كيلومتر من هنا إلى منزل جدّي وجدّتي.

على مدى اثني عشر عامًا، قطعت هذه المسافة ذهابًا وإيابًا ثمانيًا وأربعين مرة.

لكن لن تكون هناك مرة تاسعة وأربعون.

في الخامسة من صباح اليوم التالي، وقبل أن يطلع النهار، استيقظت أمي.

ذهبت أولًا لإيقاظ أختي، ثم أيقظت أخي.

وعندما مرّت بغرفة المعيشة، توقفت خطواتها للحظة.

شعرت بأنها وقفت بجانبي ونظرت إليّ لبعض الوقت.

ثم سحبت الغطاء برفق على كتفيّ.

وفي اللحظة التالية، نادتها أختي: "أمي، أين نظارتي الشمسية؟"

فاستدارت أمي وغادرت على الفور:

"قادمة، قادمة، إنها في حقيبتك."

فتحت عينيّ، أراقب ظهرها وهي تتجه نحو الباب.

كان أبي يبدّل حذاءه عند مدخل المنزل.

وكان أخي يحمل الكاميرا، ويوثّق لحظات أختي.

نهضتُ.

عندما رأت أمي أنني استيقظت، توقفت للحظة وقالت:

"هل أيقظناكِ؟"

هززت رأسي نافيةً.

"حسنًا، بما أنكِ استيقظتِ، التقطي لنا صورة."

دفعت أختي الكاميرا بين ذراعي.

ولم يرَ أحد في هذه الجملة شيئًا غريبًا.

وقف الأربعة عند الباب.

كان أبي يحمل حقيبة السفر، وأختي تمسك بذراع أمي.

وقف أخي في الخلف، ورفع أصابع يده بعلامة النصر فوق رأس أختي.

ضغطت على زر التصوير: "حسنًا، انتهت."

أخذت أختي الكاميرا، ونظرت إلى الصورة، ثم ابتسمت فورًا:

"رائعة، شكلي جميل جدًا في هذه الصورة."

قال أخي: "أرسليها إلى المجموعة."

أومأت أمي وقالت: "سأرسلها بعد قليل."

خفضت رأسي ونظرت إلى هاتفي.

ظل صامتًا كعادته.

فُتح الباب، وأضاء مصباح الممر الذي يعمل عند استشعار الحركة.

خرجوا وهم يجرّون حقائبهم.

التفتت أمي ونظرت إليّ.

بدا أنها أرادت أن تقول شيئًا، لكنها اكتفت في النهاية بقول:

"حنين، كوني مطيعة وأنتِ في المنزل."

أومأت برأسي وقلت: "حسنًا."

أُغلق الباب، فبقيت أصواتهم خارجه، ثم حملها المصعد بعيدًا.

ساد الهدوء المنزل تمامًا.

جلست بهدوء لبعض الوقت، ثم التقطت الحقيبة القماشية من الأرض، وطويت ملابسي، ووضعتها بداخلها.

حملت الحقيبة على ظهري ووقفت عند الباب.

في خزانة الأحذية، كانت أحذية أخي الرياضية تشغل رفّين.

وكانت أحذية أختي الجلدية الصغيرة مصطفّةً في صفوف مرتبة.

أما أنا، فلم يكن لديّ سوى هذا الحذاء الذي كنت أرتديه.

ارتديته عندما جئت.

وسأرتديه وأنا راحلة.

فتحتُ الباب، فسمعتُ صوت طقطقة القفل.

كان الصوت مطابقًا تمامًا لصوت فتح الباب بالمفتاح.

لكن طوال كل هذه السنوات، لم أفتح هذا الباب بالمفتاح ولو مرة واحدة.

وضعت ذلك المفتاح على خزانة الأحذية من جديد.

أغلقت الباب ونزلت إلى الأسفل.

بينما كنتُ أستقل سيارة الأجرة، رنّ هاتفي.

كانت أمي.

أجبتُ.

كان الصوت في الطرف الآخر من المكالمة صاخبًا، كنت أسمع أصوات المذياع وضحكات أختي.

"حنين، لم أركِ في كاميرات المراقبة، هل خرجتِ؟"

"هل أخذتِ المفتاح معكِ؟"

"لا."

"يا لكِ من طفلة، تخرجين من المنزل من دون مفتاح، ثم تضطرين إلى البحث عمن يفتح لكِ القفل…"

"لا حاجة إلى أن يفتح أحد القفل"، قاطعتها بهدوء، "فلن أعود إلى هناك."

ساد الصمت للحظة في الطرف الآخر، وكأن أمي لم تستوعب ما قلته:

"ماذا تعنين بأنكِ لن تعودي؟"

قلت:

"سأعود إلى منزلي."

تغيّرت نبرة صوت أمي فجأة:

"أيّ منزل؟ ألستِ الآن في منزلك؟"

لم أجب.

وسمعت أختي تسأل عبر الهاتف:

"أمي، ماذا حدث؟"

ووصلني أيضًا صوت أخي:

"ما مشكلة حنين هذه المرة؟"

ثم أخذ أبي الهاتف، وتغيّرت نبرة صوته إلى الجدية:

"حنين، لا تثيري المشاكل."

"لقد وصلنا جميعًا إلى المطار، ابقي في المنزل وحدكِ وكوني مطيعة، سنتحدث عن الأمر عندما نعود."

نظرت إلى الشوارع التي كانت تتراجع سريعًا خلف نافذة السيارة، وفجأة تذكرت لحظة انتهاء آخر امتحان من امتحانات القبول الجامعي.

كانت جدتي تنتظرني عند بوابة المدرسة.

لم تكن طويلة القامة، وكانت الحشود تحجبها؛ فلم يظهر منها سوى نصف وجهها.

لكنني لمحتُها من اللحظةِ الأولى.

لأنها كانت الوحيدة التي تنتظرني.

ومنذ طفولتي وحتى الآن، لم يكن هناك من ينتظرني سواها هي وجدّي.

تنهدتُ قائلةً:

"أنا لا أثير المشاكل، لكن هذا المكان ليس منزلي."

"أبي، أمي، أتمنى لكما رحلة سعيدة."

أنهيت المكالمة، وفتحت قائمة جهات الاتصال.

وحظرتُهم وحذفتُهم واحدًا تلو الآخر.

هذه المرة، لم يرسلني أحد بعيدًا.

هذه المرة، أنا عائدة إلى منزلي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لم أمكث في منزلي الذي يبعد ١٢٠٠ كيلومترًا، سوى ١٢ ساعة   الفصل 12

    بدت عليها علامات الارتياح أخيرًا بعد سماع كلمة "حسنًا" هذه.وبينما كانوا يغادرون، التفتت أمي نحوي عدة مرات.وقفت عند بوابة الفناء، لم ألحق بهم.ولم أتراجع هذه المرة.كأنني وجدت أخيرًا المسافة المناسبة بيني وبينهم.ليست قريبة.لكنها ليست بعيدة إلى حد يجعلنا نؤذي بعضنا بعضًا.في يوم بدء الدراسة، استيقظت جدتي مع بزوغ الفجر.وظلت منشغلة في المطبخ، فسَلقت البيض وأعدّت الفطائر.أما جدي، فظل يتفقد حقيبة سفري مرة تلو الأخرى."هل أخذتِ بطاقة هويتكِ؟""هل أخذتِ خطاب القبول؟""وماذا عن البطاقة البنكية؟""والشاحن؟"ضحكت وقلت:"جدي، لقد سألتني خمس مرات بالفعل."أطلق جدي همهمة خفيفة وقال:"من الجيد دائمًا توخي الحذر أثناء الخروج."وضعت جدتي كيسًا من الطعام في الجيب الجانبي لحقيبة سفري."تناولي هذا في الطريق."فتحته وألقيت نظرة على ما بداخله.بيض، وفطائر، وحليب، وكيس صغير من العنب المغسول.قلت:"جدتي، كل هذا يمكن شراؤه في القطار."فقالت:"ما يُباع في الخارج لا يمكن أن يكون بجودة ما نعدّه في المنزل."لم أقل شيئًا آخر.واكتفيت بإعادة الكيس إلى حقيبتي.وقبل أن أغادر، عدت إلى غرفتي مرة أخرى.كان السرير م

  • لم أمكث في منزلي الذي يبعد ١٢٠٠ كيلومترًا، سوى ١٢ ساعة   الفصل 11

    تظاهرتُ بأنني لم أرَ شيئًا.عندما حان وقت اختيار الجامعات، اقترح عليّ معلمي أن أختار جامعة أفضل في محافظة أخرى."ترتيبكِ ممتاز، ولديكِ خيارات كثيرة."نظرت إلى استمارة الرغبات، لكنني في النهاية اخترت تلك الجامعة المحلية المصنفة ضمن جامعات النخبة في الدولة.فهي ليست بعيدة جدًا عن منزل جدّي وجدّتي.كانت الرحلةُ بالقطار تستغرقُ ساعةً تقريبًا.فكرتُ أنه إذا شعرت جدّتي بألم في ساقيها أو لم يكن جدّي على ما يرام، فسأتمكن من العودة إليهما سريعًا.وفكرت أيضًا أنه عندما يكون لديّ وقت فراغ في عطلة نهاية الأسبوع، يمكنني العودة إلى المنزل وتناول وجبة معهما.بدا معلمي متفاجئًا بعض الشيء:"هل أنتِ متأكدة؟"أومأت برأسي."متأكدة."نظر إليّ طويلًا، ثم ابتسم أخيرًا:"لا بأس، فالجامعة جيدة، والتخصص جيد أيضًا.""المهم أنكِ فكرتِ في الأمر جيدًا."في اليوم الذي وصلت فيه رسالة القبول، ارتدى جدّي ملابس نظيفة وجديدة خصيصًا وذهب لاستلام الطرد.وعندما سلّمه موظف التوصيل الظرف، أخذه بكلتا يديه، وكأنه يتسلم شيئًا ثمينًا للغاية.وظلت جدّتي بجانبه تحثه:"أسرع وافتحه."حدّق جدّي فيها:"لماذا كل هذا الاستعجال؟ أمر مهم ك

  • لم أمكث في منزلي الذي يبعد ١٢٠٠ كيلومترًا، سوى ١٢ ساعة   الفصل 10

    في المنزل، هناك من ينتظرني لتناول الطعام.كأن الحياة بدأت تنبت ببطء أغصانًا وأوراقًا جديدة من الشقوق القديمة.في اليوم الذي ظهرت فيه نتائج امتحان القبول الجامعي، كنت في المكتبة أشرح الرياضيات لأحد طلاب الصف الثاني الإعدادي.فجأة بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.كان الاتصال من مُعلمي.أجبت على الاتصال، وقبل أن أتمكن من قول أي شيء، دوّى صوت مُعلمي في أذني:"حنين! هل تحققتِ من نتيجتكِ؟"تجمدت للحظة:"لا، ليس بعد.""تحققي منها الآن! أسرعي، أسرعي!"سمعت صاحبة المكتبة الضجة، فاقتربت هي الأخرى:"هل ظهرت النتائج؟"بدأت يدي ترتجف قليلًا فجأة.مع أنني لم أكن متوترة إلى هذا الحد حتى أثناء الامتحان.أدخلت رقم بطاقة دخول الامتحان، ثم رقم بطاقة هويتي.ظلّت الصفحة تدور لبضع ثوانٍ.وفي اللحظة التي ظهرت فيها النتيجة، ساد الصمت في المكتبة بأكملها.المجموع: ٩٨٪؜الأولى على مستوى المدرسة.الترتيب على مستوى المحافظة: ضمن أفضل مئة.ظللت أحدّق في الشاشة طويلًا.وعلى الطرف الآخر من المكالمة، كان صوت مُعلمي أجشًّا من شدة الحماس:"حنين! الأولى على مستوى المدرسة! ومن بين المئة الأوائل على مستوى المحافظة!""أنتِ صاحبة أع

  • لم أمكث في منزلي الذي يبعد ١٢٠٠ كيلومترًا، سوى ١٢ ساعة   الفصل 9

    لكن عندما انضممت إليها فعلًا، لم أشعر بأي شيء في داخلي.لم أرسل سوى كلمة واحدة:[شكرًا.]ثم فتحت إعدادات المجموعة.وفعّلت خيار كتم إشعارات المجموعة.وعندما خرجت من واجهة الإعدادات، رفعت أمي رأسها ونظرت إليّ في تلك اللحظة.ربما لم تكن تعرف ما الذي فعلته، لكنها حاولت أن تبتسم لي.لكن ابتسامتها كانت أشد حزنًا من بكائها.بعد أن رحلوا، عاد الهدوء إلى الفناء.أخذت جدّتي الفاكهة الموضوعة على الطاولة إلى الداخل، وهي تتمتم:"اشتروا كل هذه الكمية، ستفسد إن لم نتمكن من أكلها كلها."جلس جدّي عند الباب يدخّن الغليون، وبعد أن أخذ منه نفثتين وضعه جانبًا."حنين.""نعم؟""إذا كنتِ تشعرين بالحزن، فتحدثي."جلست بجانبه."جدي، لم أعد أشعر بالحزن."لم يصدقني: "ألا تشعرين بالحزن حقًا؟"أومأت برأسي."حقًا."خرجت جدّتي من المنزل، وعندما سمعت كلامي، رفعت يدها وربّتت على رأسي."هذا جيد إذًا.""لا يمكن للمرء أن يقضي حياته كلها متشبثًا بما لم يمنحه الآخرون له.""من يمنحكِ الحب، فتذكري له فضله.""وابتعدي عن من يؤلمونكِ."اتكأت على كتفها وقلت بهدوء:"أعلم."بعد بضعة أيام، قررت أن أذهب إلى البلدة لأبحث عن عمل في العط

  • لم أمكث في منزلي الذي يبعد ١٢٠٠ كيلومترًا، سوى ١٢ ساعة   الفصل 8

    قال أبي بصوت خافت:"لقد أهملك والداكِ."كانت هذه أول مرة ينطقون فيها بكلمة "إهمال".ظننت أنني عندما أسمع هذه الكلمات سأشعر بالراحة.لكنني لم أشعر بذلك.كنت هادئة فحسب.كأنها أمطار طال انتظارها، وحين هطلت أخيرًا، كانت البذور في الأرض قد جفّت وماتت منذ زمن.قلت:"أعرف أنكم تحبونني."رفعت أمي رأسها نحوي فجأة.تابعتُ:"لكن حبكما جاء متأخرًا جدًا، وكان قليلًا جدًا.""كنت أريده بشدة في الماضي.""أما الآن، فلم أعد بحاجة إليه."انهمرت دموع أمي فجأة.ظل أبي واقفًا في مكانه، وحرّك شفتيه، لكنه لم يستطع قول شيء.خفضت أختي رأسها ولم تعد تتحدث.ولزم أخي الصمت أيضًا.ربما في هذه اللحظة فقط أدركوا أخيرًا أن الأمر بالنسبة إليّ لم يكن يتعلق برحلة واحدة.ولم يكن يتعلق بمفتاح واحد أيضًا.بل كان يتعلق بسنوات طويلة.وبمرات كثيرة.وبلحظات لا تُحصى وُضعتُ فيها في المرتبة الأخيرة.سألتني أمي وهي تبكي:"إذًا… هل ستعودين إلى المنزل بعد الآن؟"نظرت إليها وقلت بهدوء:"هذا هو منزلي."تجمدت أمي في مكانها.ثم أضفتُ:"إذا سنحت لي الفرصة في المستقبل، فسآتي لزيارتكم."بعد أن قلت ذلك، ظل الفناء صامتًا لوقت طويل.هبّت الر

  • لم أمكث في منزلي الذي يبعد ١٢٠٠ كيلومترًا، سوى ١٢ ساعة   الفصل 7

    لم أجب.لكنها كانت تعرف الإجابة بالفعل."فرح ما زالت صغيرة، وأحيانًا تتحدث من دون أن تنتبه لكلامها، وأخوك لم يقصد ذلك أيضًا."رفعت أختي رأسها أخيرًا، وتمتمت بصوت خافت وهي غير راضية:"أنا أصلًا لم أقل شيئًا."ساد الصمت في الفناء فجأة.التفتت أمي إليها وقالت:"فرح."عبست أختي:"أنا لم أخطئ حين قلت إن أغراضها قديمة وغير عصرية.""وفوق ذلك، غرفتي صغيرة أصلًا، وأنا لا أريد أن أنام مع شخص آخر. ما المشكلة في ذلك؟"نظرت إليّ، وكان في نبرتها ثقة واثقةٌ في موضعِها:"أختي، ألستِ تعيشين مع جدّي وجدّتي طوال الوقت؟ من الطبيعي ألا نعتاد على عودتكِ فجأة، أليس كذلك؟"وقال أخي عابسًا أيضًا:"بالضبط، إنها مجرد رحلة واحدة، ألا تبالغين في رد فعلكِ؟""فنحن لم نتعمد عدم اصطحابكِ معنا.""وفوق ذلك، ألم يعطكِ أبي وأمي المفتاح؟ فلماذا رحلتِ رغم ذلك؟"رفعت عينيّ ونظرت إليه للحظة.اتضح أن مفتاحًا واحدًا كان كافيًا في نظرهم.كافيًا لتعويض اثني عشر عامًا قضيتها أنتظر عند الباب.كافيًا لتعويض عدم امتلاكي غرفة.كافيًا لتعويض تذاكر الطائرة الأربع.كافيًا لتعويض كل الأيام التي عشتها في ذلك المنزل كأنني ضيفة.فجأة شعرت أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status