مشاركة

الفصل 4

مؤلف: الباحثة عن المال
أخذني هاشم إلى أحد البيوت التي يملكها.

بدا لي، من أول نظرة حين وطأت قدمي داخله، أن الجدران نفسها تشهد على حياةٍ عاشها شخصان معًا هنا.

وعند المدخل، زوجان من النعال، أحدهما كبير والآخر صغير، وعلى الطاولة كوبان متجاوران، من تلك الأكواب التي لا يقتنيها إلا العشّاق…

كل شيء، دون استثناء، كان يذكّرني بأن هاشم قد بنى لنفسه -في غفلتي- بيتًا آخر، وحياةً أخرى.

لمحت مريم علامات الذهول على وجهي، فتلألأ في عينيها بريق السعادة الخفي، وقالت بصوتٍ ناعم:

"أعدّ هاشم بنفسه كل شيء هذا البيت، حتى غرفة الطفل هو الذي أشرف على تجهيزها،

ولأنه لا يعرف هل الجنين ولدًا أم فتاة، أعدّ تصميمين:

واحدًا ورديًا وآخر أزرق. أليس شديد الحرص؟"

كانت تتحدث مريم ويفيض التباهي من صوتها.

كانت تتحدث بينما كنت غارقة في أفكاري، وكيف لا أعلم كم هو حريصُا؟!

لو لم يكن حريصًا بشدة لما أستطاع أن يصنع كل هذا تحت عينيّ، بينما كنت غافلة تمامًا!

ثم تابعت، وقد ازداد صوتها حدّةً:

"يا آية، لو كنتُ مكانكِ، لطلبتُ الطلاق فورًا.

إنه يعشق الأطفال، فبالتأكيد سيظل مرتبطًا بي مدى الحياة.

ألا يثير هذا جنونكِ؟"

وها هي حين غاب هاشم عنّا، كفّت عن تمثيل دور الأرنب الوديع، وظهر وجهها الحقيقي.

كنت أعلم أنها تتعمّد استفزازي.

ابتسمتُ ابتسامةً باردة، وقلت:

"ولمَ أتطلق؟! ما دمتُ زوجته، فكل ما يملك هو لي، بما في ذلك هذا البيت.

كما أن هاشم يحبني، ويشعر بالذنب تجاهي الآن.

فيمكنني متى شئت أن أطلب منه طردكِ".

انقلب وجهها وكانت على وشك أن تسبّني، لكنها استعادت رباطة جأشها.

تقدمت خطوة، وهمست عند أذني:

"إذًا... لنرى من سيختار!"

لم أفهم قصدها، حتى دفعت كوب الماء عن الطاولة، ثم ارتطمت بنفسها بحافتها.

وصرخت:

"آه…آية، لا تدفعيني!"

في اللحظة التالية، اندفع هاشم إليها مسرعًا، وسألها بقلقٍ شديد عمّا حدث.

وضعت يدها على بطنها، وبدأت تتأوه.

فحملها بين ذراعيه، وخرج مسرعًا.

وعندما مرّ بي، رمقني بنظرةٍ عابرة، كان فيها شيء من الخيبة.

ناديتُه:

"هاشم… لو قلتُ لك إنني لم أدفعها، هل ستصدقني؟"

توقف للحظة واحدة.

ثم مضى دون أن يلتفت.

عرفتُ حينها أن خطة مريم قد نجحت.

بقيتُ في البيت جامدةً وقتًا طويلًا، ثم انحنيت ببطء لأجمع شظايا الزجاج المتناثرة.

وحين شقّت إحدى القطع إصبعي، أدركت فجأة أن هذا ليس بيتي.

هذا بيت هاشم وامرأةٍ أخرى.

أما أنا فلم يكن لي معه بيتًا قطّ.

سمعت حينها صرخات قلبي الأخيرة...

حين كان هاشم يقف أمام غرفة العمليات قلقًا، ينتظر ولادة طفله المنشود،

كنت أنا ممددة على طاولة الجراحة.

أنهي بيدي حياة طفلنا التي لم ير عالمنا بعد.

وحين كان يحمل مولوده الجديد، ويتجادل مع مريم عمّن يشبه،

كنتُ أُخرج اتفاق الطلاق الذي أعددته سلفًا، ومقطع فيديو،

وأغادر البيت الذي عشتُ فيه سبع سنوات.

في المستشفى، نظر هاشم إلى والديه، وهما يحملان الطفل ويضحكان حتى كاد الفرح يفيض من ملامحهما، فشعر بالراحة للحظة.

قال في نفسه إنه أخيرًا أدّى واجبه في حماية نسل عائلته، ووفّى بما يريده والداه.

ولا يمكنه أن ينكر فرحته بالطفل.

ففي نهاية الأمر، إنه أول ابن له، وربما الوحيد.

وتخيّل أنه ما إن يعود، سيخبر آية بأن لعائلة السويفي وريثًا.

وبعد اليوم، لن تضطر إلى شرب تلك الأعشاب المُرّة التي كانت تصيبها بالغثيان.

ولا إلى الذهاب مرارًا إلى العيادات للإبر والوخز، ولا إلى تحمّل آلام الحقن المحفّزة للإنجابِ.

لقد منح والديه الطفل الذي أراداه.

ومن الآن فصاعدًا، سيعود كل شيء كما كان، وسيظل يحبها وحدها.

لكن حين تذكّر نبرة اليأس في صوت آية حين كان يحمل مريم مسرعًا، تسلّل القلق إلى قلبه.

قرر أن يعود فورًا إلى البيت، ليشرح لها كل شيء، غير آبهٍ بمحاولات والديه منعه، واندفع خارج الغرفة.

وقال في نفسه إنه سيشتري أولًا باقة من الورود البيضاء التي تحبها آية.

فقد كان، في كل مرة يغضبها فيها، يكفي أن يشتري لها زهورًا ويتظاهر بالندم الشديد حتى تسامحه.

فظن أن هذه المرة لن تكون مختلفة.

وصادف هاشم الطبيب الذي كان يشرف على محاولات التلقيح الصناعي الخاصة بآية.

أمسكه الطبيب وقال:

"مهلًا، أين زوجتك؟ لماذا لم تأتِ إلى فحص الحمل الشهر الماضي؟"

تجمّدت خطوات هاشم ودارت رأسه وكأنه تلقى ضربة عنيفة على رأسه.

وظل في مكانه على هذا الحال مدة ليست قليلة بينما ينظر إليه الطبيب بدهشة.

وأخيرًا استجمع نفسه وسأل الطبيب: "ماذا قلتَ؟"
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لن نشيب معًا   الفصل 9

    استمرت المسابقة أسبوعًا كاملًا بداية من التصفيات الأولى حتى النهائيات.وخلال هذا الأسبوع، التقيتُ ببعض أصدقائي القدامى، وسمعتُ منهم ما جرى بعد رحيلي في تلك السنوات.قال أحدهم متنهّدًا:"آه... إن مريم جنت على نفسها حقًا، لكنني أشفق حقًا على هذا الطفل المسكين، إن هاشم طوال تلك السنوات لم يزره ولو مرة واحدة. كان والداه يحملانه إليه لكنه لا يهتم.سمعت أنه أصيب أيضًا بمرض خطير...".لم يكمل حديثه، وسكت على الفور بعدما انتبه لما يقول.ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، ولم أُبدِ اهتمامًا. فكل هذا لا يعنيني ولا يمسني من قريب أو بعيد.لكن ما أزعجني حقًا في ذلك الأسبوع، أن هاشم كان يرسل الإفطار كل صباح، والعشاء كل مساء بشكلٍ مستمر لم ينس ولو يومٍ واحد.بدأت الفرق الأخرى تتناقل الهمسات، وكثرت الأقاويل، فأدركتُ أن استمرار هذا الوضع لم يعد ممكنًا.ذهبتُ إليه لأتحدث معه الليلة السابقة للنهائي.تجمّدت ابتسامته، وأدار وجهه قليلًا في نفور.قال بنبرةٍ يائسة: " هل يمكن ألا نتحدث؟آية، إنني أعرفكِ جيدًا. حين تخاطبينني بهذا الأسلوب، فهذا يعني أنني لا أملك أي فرصة. لا أريد هذا الحديث".فتحتُ فمي لأجيب، لكنني لم أجد

  • لن نشيب معًا   الفصل 8

    مرت خمس سنوات وفي أحد الأيام، اصطحبت أطفال الدار إلى مدينة آرام للمشاركة في مسابقة رقص خيرية.لم يخطر ببالي قط أن ألتقي بـ هاشم هناك، لقد كان جالسًا في منصة لجنة التحكيم أثناء المسابقة.وحين وقعت عيناه عليّ، تجمّد في مكانه.أما أنا ففوجئت أيضًا، لكنني سرعان ما تماسكت، وعدّلت ملامحي، وكأن شيئًا لم يكن.وإلى أن وصلنا للنصف الثاني من العرض، كان هو لم يشح ببصره عني ولو للحظة.حتى لاحظ المصوّر الأمر، وأخذ وجهي يزداد ضيقًا.ولما انتهت المسابقة أخيرًا، تنفست الصعداء، كأن حملاً ثقيلاً أُزيح عن صدري.وفي الكواليس بعد ذلك، لم أتعجب حين رأيته ينتظرني.كان يبدو منفعلًا، وقد لمعت في عينيه دمعة لم تنهمر.حدّق فيّ طويلًا، ثم قال بصوتٍ بدا كأنه مكتومًا في أعماقه:"آية… لقد وجدتكِ أخيرًا".كان صوته مبحوحًا، كأن الكلمات أنهكته قبل أن تخرج.أخذت نفسًا عميقًا، وتقدمت نحوه بخطواتٍ ثابتة، ومددت يدي في هدوءٍ:"أشكرك يا سيد هاشم على دعمك للأعمال الخيرية.إن من يزرع الخير، لا بد أن يحصد بركته".لقد علمت قبلًا أن هذه الفعالية كانت برعاية كاملة من عائلة السويفي.وغيرها الكثير من الفعاليات وأعمال الخير، كان هو أي

  • لن نشيب معًا   الفصل 7

    شعر الثلاثة بالصدمة وكأن صاعقة قد حلت بهم.أما الأب، فلم يملك نفسه حين رأى ابنه على تلك الحال، فاشتعل وجهه وصاح غاضبًا:"ماذا تقول؟ أيها العاق! كيف يمكنك أن تتفوه بهذا الكلام؟! هل تريد التخليّ عن والديك، بل وعن ابنك أيضًا لأجل تلك المرأة؟!"لم يلتفت لهما، وكأنه لا يراهم، وسكب لنفسه شرابًا وقال بلامبالاة:"إنه حفيدكما أنتما، لا علاقة لي به".أما ابنه هو… فقد قتله بيده.اقتربت مريم منه، وتشبثت بذراعه، وهي تبكي وتقول بصوتٍ متقطع: "هاشم، أعترف أنني أخطأت فيما مضي، لكنني أحبك حقًا. أحببتك منذ اللحظة الأولى التي رأيتك بها.لقد رحلت آية الآن، فلتبقى معي، وسأكون أفضل منها، وسنمنح طفلنا بيتًا مستقرًا، أليس هذا ما تريده؟"عندها انفجر غضب هاشم وفقد السيطرة على نفسه، مد يده وأمسك عنقها وأخذ يطبق عليها:"كيف تتحدثين عن الحب؟ إنكِ لا تساوين شعرةً واحدة من رأس آية، كنتُ أنوي أن أترككِ من أجل الطفل، لكنكِ تصرّين على استفزازي، فلا تلومينني الآن!"كان مخيفًا وكأنه قد تحول إلى شيطان شرير، جعل الرعب يسري في أوصال مريم كاد قلبها أن يقف من شدة رعبها.إنه يكرهها بكل ما في قلبه الآن، إنها الذي فرقت بينه وآ

  • لن نشيب معًا   الفصل 6

    لم يتمكن هاشم من العثور عليها، بحث في كل مكان لكنه لم يجدها.لم يبقَ شيئًا لم يفعله أو حيلة إلا وقد لجأ لها، لكنه لم يعثر عليها أيضًا.اتصل بكل أصدقائها وكل من تعرفه واحدًا تلو الأخر يسألهم عنها إن كانوا قد رأوها أو سمعوا عنها شيئًا، يخبرهم إنه أغضبها، ولا يعلم أين ذهبت.لكنهم ظنوا أنه يمزح، قال له أحدهم بسخرية: "أمعقول هذا؟ إنكما لا تنفصلا عن بعضكما البعض، كالروح والجسد، كيف ستتشاجران؟!"وقال له أحدهم متعجبًا:"إن آية لا يمكنها أن تغضب منك بسهولة، فما الذي فعلته بحق حتى تتركك وتذهب؟!"عجز عن الرد.لم يجد كلمة واحدة يقولها، فأنهى المكالمات في صمتٍ ثقيل.بالتأكيد لم يكن أحدًا يصدق أنه قد يجرح آية لتلك الدرجة، إذا كان هو لا يصدق أنه فعل ذلك، فما حال الأخرين؟!لكنه هذه المرة قد أرتكب خطأ، وليس خطأً عابرًا، بل خطأً فادحًا لا يُغتفر.بحث في سجلات حجز التذاكر، فلم يجد لها أثرًا.لقد تعمدت أن تختفي وألا يجدها أبدًا.وكان يعلم في قرارة نفسه أن آية لن تسامحه ما دام حيًا.ومجرد التفكير في ذلك كان يضيق صدره فلا يستطيع التنفس.لم يعد يرغب في شيء، لم يذهب إلى الشركة منذ نصف شهر.ولم يذهب ليرى الط

  • لن نشيب معًا   الفصل 5

    توقف هاشم فجأة، والتفت إلي الطبيب يسأله في ارتباك بينما يتمنى بداخله أن يكون الطبيب قد أخطأ.فأجابه الطبيب بكل ثقة:"لا، لم أخطئ. إنك زوج السيدة آية نبيل، صحيح؟ إنها خضعت إلى عملية التلقيح الصناعي للمرة الرابعة مؤخرًا، لكنها خشيت أن تخيب أملك إن لم تنجح، فآثرت أن تُخفي الأمر عنك. جاءت للفحص الشهر الماضي، وقد نجحت المحاولة هذه المرة أخيرًا. ألم تُخبرك؟"ثم تابع، وكان كلامه كالسكين الذي يغرز في قلب هاشم:"عليك أن تُحسن معاملتها حقًا، لقد تحملت الكثير والكثير لتنجب لكم طفلًا، لم يكن الأمر هينًا".تابع الطبيب حديثة، لكن كان هاشم قد تلاشت الأصوات من حوله وكأنه قد فقد القدرة على السمع، ولم يبق على مسمعه سوى صدى مكتوم.آية... كانت حامل أيضًا في الشهر الماضي.اتسعت عينيَ هاشم مما سمعه وتذكر ما حدث حينها.إذًا عندما التقى بآية في المستشفى الشهر الفائت لم يكن مصادفة،بل لأنها جاءت يومها لاستلام نتيجة الفحص.وفي اليوم الذي عرفت فيه أخيرًا أنها تحمل طفلًا في أحشائها،رأت زوجها يرافق امرأة أخرى إلى فحص الحمل.بل… ودفعها بيده.حاول هاشم التقاط أنفاسه بصعوبة لعل صدره يتسع كل ذلك الألم الذي انفجر

  • لن نشيب معًا   الفصل 4

    أخذني هاشم إلى أحد البيوت التي يملكها.بدا لي، من أول نظرة حين وطأت قدمي داخله، أن الجدران نفسها تشهد على حياةٍ عاشها شخصان معًا هنا.وعند المدخل، زوجان من النعال، أحدهما كبير والآخر صغير، وعلى الطاولة كوبان متجاوران، من تلك الأكواب التي لا يقتنيها إلا العشّاق…كل شيء، دون استثناء، كان يذكّرني بأن هاشم قد بنى لنفسه -في غفلتي- بيتًا آخر، وحياةً أخرى.لمحت مريم علامات الذهول على وجهي، فتلألأ في عينيها بريق السعادة الخفي، وقالت بصوتٍ ناعم:"أعدّ هاشم بنفسه كل شيء هذا البيت، حتى غرفة الطفل هو الذي أشرف على تجهيزها،ولأنه لا يعرف هل الجنين ولدًا أم فتاة، أعدّ تصميمين:واحدًا ورديًا وآخر أزرق. أليس شديد الحرص؟"كانت تتحدث مريم ويفيض التباهي من صوتها.كانت تتحدث بينما كنت غارقة في أفكاري، وكيف لا أعلم كم هو حريصُا؟!لو لم يكن حريصًا بشدة لما أستطاع أن يصنع كل هذا تحت عينيّ، بينما كنت غافلة تمامًا!ثم تابعت، وقد ازداد صوتها حدّةً:"يا آية، لو كنتُ مكانكِ، لطلبتُ الطلاق فورًا. إنه يعشق الأطفال، فبالتأكيد سيظل مرتبطًا بي مدى الحياة. ألا يثير هذا جنونكِ؟"وها هي حين غاب هاشم عنّا، كفّت عن تمثيل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status