LOGINدخل أدريان الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، لكنه لم ينظر إلى ليفيا حتى. خلع سترته ورماها فوق الكرسي، ثم وقف للحظة في منتصف الغرفة وكأنه نسي سبب دخوله أصلًا. راقبته ليفيا بصمت. كانت تعرفه جيدًا. حين يغضب كان يتكلم، وحين يغضب أكثر… يصمت. وهذا الصمت تحديدًا هو الذي أقلقها. اتجه إلى الخزانة، فتحها، ثم أغلقها دون أن يأخذ شيئًا. سار نحو النافذة، فتحها قليلًا، ثم أغلقها من جديد، قبل أن يمرر يده بين شعره بعصبية واضحة. كان يحاول أن يهدأ… ولم يكن ينجح. جلست ليفيا على طرف السرير وهي تتابعه بعينيها، لكنها لم تجرؤ على سؤاله. شعرت أن أي كلمة قد تزيد الأمر سوءًا. بعد لحظات، اتجه إلى باب الشرفة الزجاجي، فتحه، وخرج إلى الخارج. أغلق الباب خلفه. وقف مستندًا إلى الدرابزين الحجري، ثم أخرج علبة سجائر من جيب معطفه. تجمدت ليفيا مكانها. منذ أن عرفته… لم تره يدخن إلا مرات قليلة جدًا، وكانت جميعها في أصعب فترات حياته. أما الليلة… فكان يدخن وكأن السيجارة هي الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانفجار. أشعلها، وسحب منها نفسًا طويلًا، ثم أخرجه ببطء دون أن يحرك عينيه عن ظلام الحديقة. داخل رأسه… لم يكن يرى
انعطفت سيارة جاستن ببطء أمام بوابة قصر كروفورد، ثم توقفت بهدوء.ابتسم جاستن وهو يطفئ المحرك.“وصلنا.”ابتسمت ليفيا وهي تفك حزام الأمان.“شكرًا لك.”هز رأسه مبتسمًا.“لا تشكريني، سعدت لأنك حضرتِ.”ضحكت بخفة.“وأنا أيضًا… نسيت كم اشتقت إليكم.”فتح لها الباب من الخارج كعادته، فخرجت وهي ما تزال تبتسم.“تصبح على خير يا جاستن.”“وأنتِ أيضًا.”أغلقت الباب، ولوّحت له بيدها حتى ابتعدت السيارة عن القصر.استدارت نحو المدخل…لكن خطواتها توقفت فجأة.على بعد أمتار قليلة…كان أدريان يقف أمام القصر.لأول مرة منذ عرفته…رأته يدخن.وقف بصمت، يستند بكتفه إلى أحد الأعمدة الحجرية، بينما يتصاعد الدخان ببطء من بين أصابعه.تجمدت مكانها.لم يكن يدخن كثيرًا…بل بالكاد رأته يحمل سيجارة في حياته.أما اليوم…فكان واضحًا أن شيئًا داخله يغلي.رفع رأسه ببطء عندما شعر بوجودها.استقرت عيناه عليها مباشرة.بدأتا من حذائها…ثم ارتفعتا ببطء إلى فستانها الأزرق الذي اختارته بعناية.توقفتا عند خصلات شعرها المنسدلة، ثم عند لمعة أحمر الشفاه الخفيف الذي لم تكن تضعه عادة.لم ينطق بكلمة.لكن عضلات فكه انقبضت بقوة حتى برزت بوضوح.
استمرت السهرة أكثر مما توقعت ليفيا.كانت الضحكات تتعالى كلما انتقلوا من ذكرى إلى أخرى، حتى بدا وكأن السنوات الثلاث الماضية اختفت تمامًا.رفع أحد الشباب كأس العصير وقال ضاحكًا:“أقترح أن نعاقب ليفيا.”ضحكت وهي تنظر إليه باستغراب.“وأنا ماذا فعلت؟”أجاب جاستن قبل الجميع:“اختفت ثلاث سنوات كاملة.”قاطعه شاب آخر:“ولا كانت ترد على رسائلنا.”رفعت يديها باستسلام.“كنت أمر بظروف صعبة.”ساد الصمت للحظة.ثم ابتسم جاستن بلطف.“نعرف…”وأضاف وهو ينظر إليها مباشرة:“ولهذا لم نتوقف عن إرسال الرسائل.”شعرت ليفيا بغصة صغيرة.لم تكن تعلم أن هاتفها كان يمتلئ برسائلهم حتى في أصعب أيامها، بينما كانت هي تعجز عن الرد على أحد.⸻بعد قليل، أحضر أحد العاملين قالب حلوى صغيرًا.ابتسمت إحدى الفتيات.“لدينا عادة لم تتغير.”سألت ليفيا باستغراب:“أي عادة؟”ضحك الجميع.وقال أحد الشباب:“كل شخص يغيب سنة يدفع العشاء.”اتسعت عيناها.“ثلاث سنوات!”رد جاستن وهو يضحك:“يعني ثلاثة أضعاف.”ضربته سارة على ذراعه.“اتركها.”ابتسم وهو ينظر إلى ليفيا.“أمزح.”ثم أضاف:“وجودك اليوم يكفينا.”ابتسمت ليفيا دون أن تشعر.بعد انتهاء ال
ما إن دخلت ليفيا المطعم حتى توقفت الأحاديث للحظة.التفتت عشرات الوجوه نحو الباب.وفي الثانية التالية…ارتفعت الصيحات في المكان.“ليفيا!”نهض الجميع تقريبًا من أماكنهم دفعة واحدة.كانت أول من وصل إليها صديقتها المقربة سارة، التي احتضنتها بقوة حتى كادت تسقط حقيبتها من يدها.“أخيرًا… أقسم بالله لم أصدق أنك ستأتين.”ضحكت ليفيا وهي تبادلها العناق.“وأنا أيضًا لم أصدق أنني سأفعلها.”لحقت بهما فتاة أخرى، ثم ثالثة.وخلال ثوانٍ…وجدت نفسها محاطة بأصدقائها.لم يكن أحد منهم يسألها عن الألم…ولا عن العلاج…ولا عن المستشفى.كل ما كانوا يرددونه هو:“اشتقنا إليك.”“المكان لم يعد كما كان بدونك.”“كل سنة كنا نحجز لك كرسيًا ونقول: ربما تأتي.”ابتسمت ليفيا، لكنها شعرت بوخزة في قلبها.لم تكن تعرف أنهم كانوا ينتظرونها كل تلك السنوات.تقدم جاستن بخطوات هادئة حتى وقف أمامها.ابتسم وهو يهز رأسه.“هل تعلمين كم مرة راهنتهم أنك ستأتين هذه السنة؟”ضحكت.“ويبدو أنك ربحت.”ابتسم بثقة.“أنا لا أخسر رهانات تخصك.”ضحك الجميع، بينما رمقته ليفيا بنظرة مستنكرة.“ما زلت كما أنت.”“وأنت أيضًا…”توقف قليلًا وهو ينظر إليها.
مرّ النهار طويلًا داخل القصر.لم يخرج أدريان من المكتب إلا دقائق معدودة، ثم يعود إليه وكأن الوقت يطارده. حتى الغداء تناوله مع بقية الفريق بين الملفات، بينما كانت مينا لا تزال تتنقل بين جينيفر وأدريان، تتعلم وتدوّن وتسأل عن كل تفصيل جديد.أما ليفيا…فكانت قد حسمت أمرها.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أزرق هادئ، وصففت شعرها بعناية، ثم وقفت أمام المرآة للحظة.لم تكن تستعد لمناسبة فاخرة…بل كانت تحاول أن تستعيد جزءًا من حياتها، جزءًا غاب عنها منذ الحادث.أمسكت حقيبتها ونزلت إلى الطابق السفلي.كانت إليانور تجلس في غرفة الجلوس تقرأ كتابًا، وما إن رفعت رأسها حتى ابتسمت بإعجاب.“تبدين جميلة جدًا يا عزيزتي.”ابتسمت ليفيا بخجل.“شكرًا.”أغلقت إليانور الكتاب وسألتها:“اليوم هو لقاء الجامعة، أليس كذلك؟”أومأت ليفيا.“نعم.”ثم التفتت بعينيها نحو باب المكتب المغلق.كانت أصوات النقاش لا تزال تُسمع من الداخل.سألتها إليانور بلطف:“ألن تخبري أدريان قبل أن تخرجي؟”بقيت ليفيا صامتة للحظات.ثم قالت بابتسامة باهتة:“لا…”عقدت إليانور حاجبيها.“لماذا؟”تنهدت ليفيا بهدوء.“لأنه يعمل.”ثم أطرقت برأسها وأكملت:“ول
مرّت الأيام التالية بسرعة، حتى إن ليفيا لم تشعر كيف انقضى الأسبوع. منذ أن بدأت مينا تدريبها، أصبح القصر يعيش على إيقاع العمل. كان المكتب يفتح أبوابه مع ساعات الصباح الأولى، ولا يهدأ إلا بعد حلول المساء. ريتشارد يتابع المشروع الجديد، وإيثان يتنقل بين الاجتماعات، وجينيفر تنظم العقود والمراسلات، بينما كان أدريان يقضي معظم يومه بين الملفات. لم يعد يخرج من المكتب إلا نادرًا. وإذا خرج، كان يحمل معه ملفًا آخر. في البداية، كانت ليفيا تنتظر أن يجد بضع دقائق ليتحدث معها، لكنها سرعان ما أدركت أن تلك الدقائق أصبحت رفاهية لا يملكها. في إحدى الأمسيات، جلست وحدها في الشرفة تقرأ رواية. سمعت باب الغرفة يُفتح، فرفعت رأسها. دخل أدريان وهو يفك ربطة عنقه بتعب واضح، ثم وضع مجموعة من الملفات على الطاولة. ابتسم لها ابتسامة صغيرة. “لم تنامي بعد؟” أغلقت الرواية. “كنت أنتظرك.” نظر إلى الساعة المعلقة على الجدار، ثم مرر يده على مؤخرة عنقه بإرهاق. “آسف… تأخرنا في إنهاء بعض العقود.” هزت رأسها مبتسمة. “لا بأس.” اقترب منها وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر، لكن هاتفه رن في اللحظة نفسها. نظر إلى الشاشة، ثم







