Share

الفصل الثاني

Author: عـيـن
last update publish date: 2026-10-12 02:00:34

لم تكن الصفعة هي ما أبقى ليونيل كافندش مستيقظًا تلك الليلة، بل الكلمات التي سبقتها.

عاد إلى جناحه الفاخر في الطابق العلوي من الفندق، إلى الغرفة التي حجزها باسمه أخيرًا، وألقى سترته على المقعد القريب من النافذة. كان كل شيء في المكان مرتبًا كما يحب؛ الأثاث الفاخر، والإضاءة الهادئة، وزجاج النافذة الذي يعكس أضواء المدينة. ومع ذلك، لم يشعر بالراحة التي اعتادها.

جلس على حافة السرير، ومرّر أصابعه فوق خده. لم يبقَ أثرٌ واضح للصفعة، لكن كبرياءه لم يكن بالسرعة نفسها في التعافي.

لم يكن معتادًا على أن يرفع أحد صوته في وجهه، فضلًا عن أن يصفعه ثم يطلب منه المغادرة دون أن يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه. طوال حياته، كانت الأبواب تُفتح أمامه قبل أن يطرقها، وكانت رغباته تتحول إلى أوامر بمجرد أن ينطق بها. وحتى حين يرفضه أحد، كان الرفض يأتي مغلفًا بكلمات مهذبة، سرعان ما تتبدد أمام إصراره أو نفوذه.

أما إيزابيلا روز، فلم تمنحه شيئًا من ذلك.

لم تحاول استرضاءه، ولم تبدُ مهتمة بمعرفة من يكون، ولم يتغير موقفها حين أدركت أنه قادر على دفع مبلغ قد لا تكسبه هي في أشهر. لقد عاملته كما لو كان رجلًا عاديًا أخطأ وتجاوز حدوده، لا وريث عائلة كافندش الذي يعرف اسمه نصف المدينة.

نهض واتجه إلى النافذة. في الأسفل، كان الميناء يلمع تحت أضواء المساء، وتتحرك القوارب الصغيرة فوق الماء في هدوء. وضع يده في جيب بنطاله، ثم أخرج هاتفه وألقى نظرة على الشاشة.

كان بإمكانه أن يعرف اسمها الكامل، وعنوانها، وكل ما يريد معرفته عنها في دقائق قليلة. لم يكن ذلك صعبًا على رجل مثله. لكن فكرة البحث عنها بهذه الطريقة جعلته يتراجع قبل أن يبدأ.

ما الذي سيقوله لنفسه إن فعل ذلك؟ إنه يريد الاعتذار؟ أم إنه لم يتقبل أن امرأة رفضته؟

قطّب حاجبيه، ثم ألقى الهاتف فوق السرير.

- يا لها من ليلة سخيفة!

قالها بصوت مسموع، كأنه يحاول إقناع الغرفة كلها، ثم عاد إلى النافذة.

لكن صورة عينيها الخضراوين ظلت عالقة في ذهنه، وكذلك صوتها حين قالت له إن المال لا يستطيع شراء كل شيء.

لم يكن يحب الاعتراف بذلك، إلا أن كلماتها أصابت موضعًا لم يعتد أحد الاقتراب منه.

---

في الغرفة الأخرى، كانت إيزابيلا تستند إلى الباب المغلق، تأخذ أنفاسًا متتابعة حتى هدأ خفقان قلبها.

نظرت إلى يدها، ثم أغمضت عينيها للحظة.

لم تكن فخورة تمامًا بما فعلته، لكنها لم تندم على رفضها طريقته في الحديث معها. لم يكن الأمر متعلقًا بمبلغ المال الذي عرضه، بل بالنظرة التي صاحبت عرضه؛ نظرة رجل يظن أن بإمكانه تجاوز حدود الآخرين ثم إصلاح الأمر بمحفظته.

أبعدت نفسها عن الباب واتجهت إلى طاولة الرسم. كانت لوحتها لا تزال تنتظرها، تصور شارعًا قديمًا بعد المطر، تتناثر فيه انعكاسات المصابيح فوق الحجارة المبتلة.

أمسكت فرشاتها، وغمستها في اللون الأصفر، ثم توقفت قبل أن تلامس اللوحة.

عاد وجه الرجل إلى ذاكرتها، على الرغم من محاولتها تجاهله. كان مغرورًا، وهذا واضح، لكن شيئًا في صمته بعد الصفعة أربكها. لم يصرخ، ولم يهددها، ولم يحاول إجبارها على التراجع. اكتفى بالنظر إليها للحظات، وكأنها قالت له شيئًا لم يفهمه بعد.

هزّت رأسها، وأعادت الفرشاة إلى مكانها.

- لا شأن لي بما يفهمه أو لا يفهمه. أنا لا أعرفه، ولا أريد أن أعرفه.

قالت ذلك بحزم، ثم عادت إلى الرسم.

كانت إيزابيلا تعرف جيدًا أن بعض الناس لا يرون في الحدود إلا تحديًا، وأن رفض المرأة قد يتحول في أعينهم إلى لعبة يريدون الفوز بها. لم تكن مستعدة لأن تصبح جائزة في لعبة رجل اعتاد الفوز.

ومع ذلك، حين انتهت من رسم انعكاس المصباح، وجدت نفسها تضيف إلى طرف الشارع ظلًا طويلًا لرجل يقف بعيدًا تحت المطر.

تأملت ما رسمته، ثم تنهدت.

- حتى أنت يا رجل الظلال؟!

ابتسمت بسخرية خفيفة، وأغلقت علبة الألوان.

كان عليها أن تستعد لمعرض الخريف.

---

بعد أيام، ازدحمت قاعة الفنون القديمة في وسط المدينة بزوار معرض الخريف السنوي. كان الحدث من أبرز الفعاليات الثقافية في بورتا فينيسترا، يجمع الرسامين الشباب والنقاد وأصحاب المعارض، ويمنح الفنانين فرصة لعرض أعمالهم أمام جمهور أوسع.

كانت القاعة ذات سقوف عالية ونوافذ ملونة تسمح لضوء العصر بالتسلل إلى الداخل، فيرسم بقعًا ذهبية فوق الأرضية الخشبية. انتشرت اللوحات على الجدران، من المناظر البحرية إلى الصور الشخصية والأعمال التجريدية التي بدت كأنها تحاول التعبير عن مشاعر لا تستطيع الكلمات احتواءها.

وقفت إيزابيلا أمام لوحتها الأخيرة، ترتدي فستانًا أخضر داكنًا بسيطًا، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها. لم تكن مهتمة بجذب الأنظار إلى مظهرها بقدر اهتمامها بأن يفهم الزوار ما أرادت قوله من خلال ألوانها.

اقترب منها رجل مسن يرتدي نظارة بإطار رفيع، وتأمل اللوحة طويلًا قبل أن يسألها:

- لماذا جعلتِ انعكاس الرجل مختلفًا عن صورته الحقيقية؟

أجابت إيزابيلا بهدوء:

- لأننا لا نرى أنفسنا دائمًا كما نحن. أحيانًا نبني صورة جميلة عن ذواتنا، ونقضي أعمارنا في الدفاع عنها، بينما هناك جزء آخر منّا يعرف الحقيقة ولا يستطيع تجاهلها إلى الأبد.

ظل الرجل يتأمل اللوحة، ثم ابتسم.

- وهل تعتقدين أن مواجهة الحقيقة أمر سهل؟

هزّت رأسها.

- لا. لكنه يصبح أصعب كلما طال هروبنا منها.

شكرها الرجل، ثم انتقل إلى لوحة أخرى. أما إيزابيلا، فتابعت الحديث مع زائرة شابة سألتها عن الألوان المستخدمة في الخلفية.

كانت تحب هذه اللحظات؛ حين يقف شخص أمام عملها ولا يكتفي بالسؤال عن سعره، بل يحاول فهم ما وراءه. بالنسبة إليها، لم تكن اللوحات زينة للجدران، بل أجزاء من حكايات لم تستطع روايتها بصوت مرتفع.

---

في الجهة الأخرى من المدينة، كان ليونيل يغلق ملفًا على مكتبه حين دخل صديقه إدوارد دون أن ينتظر دعوة.

كان إدوارد مهندسًا معماريًا، تربطه بليونيل صداقة قديمة سبقت المال والألقاب والمجاملات الاجتماعية. وعلى خلاف كثيرين، لم يكن يخشى إخباره حين يتصرف بحماقة.

ألقى إدوارد دعوة أنيقة على المكتب.

- أرجو أن يكون لديك مساء فارغ يوم الخميس.

رفع ليونيل عينيه عن الأوراق.

- يعتمد ذلك على ما تريد مني.

- معرض الخريف. إحدى الشركات التي أعمل معها تساهم في ترميم قاعة الفنون القديمة، ودُعيت لحضور الافتتاح. ظننت أنك قد تستمتع بالخروج من مكتبك الذي يبدو وكأنه سجن فاخر.

ابتسم ليونيل ابتسامة باهتة.

- أشكرك على اهتمامك بحياتي الاجتماعية.

- لا تشكرني بعد. سأعتبر رفضك إهانة شخصية، وسأخبر الجميع أنك تخشى اللوحات لأنها قد تكشف لهم أنك لا تفهم شيئًا في الفن.

أغلق ليونيل الملف.

- تهديداتك تزداد ابتكارًا مع تقدم العمر.

- وأنت تزداد مللًا. إذن، هل ستأتي؟

تردد ليونيل للحظة، ثم أخذ الدعوة.

- سأرى ما إذا كان جدول أعمالي يسمح بذلك.

ضحك إدوارد.

- بالطبع. حتى الذهاب إلى معرض يحتاج إلى موافقة مجلس الإدارة.

غادر وهو يهز رأسه، تاركًا الدعوة أمام ليونيل.

لم يكن ليونيل من رواد المعارض الفنية، ولم يكن يملك معرفة حقيقية بالفن تتجاوز ما تفرضه المناسبات الاجتماعية من أحاديث عابرة. لكنه لم يرمِ الدعوة جانبًا كما كان سيفعل في السابق.

بعد دقائق، وقعت عيناه على التاريخ المطبوع أسفلها.

الخميس.

تذكر دون إرادة منه أن المرأة التي التقاها في الفندق كانت رسامة، وأنها تحدثت عن لوحاتها قبل أن يدخل إلى غرفتها. لم يكن يعرف إن كانت ستشارك في المعرض، ولم يكن لديه سبب منطقي لتوقع وجودها هناك.

ومع ذلك، بقيت الدعوة فوق مكتبه حتى نهاية اليوم.

وحين حان مساء الخميس، وجد نفسه يرتدي بدلته ويغادر المنزل قبل الموعد بعشر دقائق.

أقنع نفسه بأنه يفعل ذلك احترامًا لدعوة صديقه، لا أكثر.

ولم يحاول أن يسأل نفسه لماذا اختار ربطة العنق التي تلائم لون عينيها.

---

- أخبرني الآن، هل جئت من أجل الفن أم لأنك تريد أن تثبت لي أنك قادر على قضاء ساعة كاملة دون النظر إلى هاتفك؟

سأل إدوارد وهما يدخلان القاعة.

أجاب ليونيل:

- جئت لأنني وعدتك.

- يا لها من تضحية عظيمة! سأطلب نصبًا تذكاريًا باسمك.

تجاهله ليونيل، وألقى نظرة على المكان. لم يكن الجو سيئًا كما توقع؛ الموسيقى الهادئة والأضواء الدافئة والأحاديث المتداخلة منحت القاعة حيوية مختلفة عن المناسبات الرسمية التي اعتاد حضورها.

توقف أمام لوحة تصور بحرًا هائجًا، وتأمل ضربات الفرشاة فيها.

قال إدوارد:

- هذه اللوحة من أعمال فنان شاب، وقد لفتت انتباه النقاد. انظر إلى الطريقة التي رسم بها الأمواج؛ كأن البحر يبتلع السماء.

أجاب ليونيل:

- أرى بحرًا غاضبًا.

- وهذا بالضبط ما يراه الفنانون حين لا يريدون إضاعة نصف الساعة في شرح ما رسموه.

كاد ليونيل يبتسم، لكن انتباهه انصرف فجأة إلى مجموعة من الزوار في منتصف القاعة. كانت امرأة تتحدث عن لوحة بصوت هادئ، وتشرح تفاصيلها لسيدة تقف أمامها.

لم يرَ وجهها أول الأمر، لكنه عرفها حين التفتت قليلًا.

إيزابيلا.

توقف في مكانه.

لم يكن مستعدًا لهذا اللقاء، على الرغم من أنه اختار المجيء إلى المعرض وهو يعرف في أعماقه أنه يتمنى مصادفتها. كان هناك فرق بين أن يتخيل رؤيتها وبين أن يجدها أمامه فعلًا، وسط عالم لا يحتاج فيه أحد إلى معرفة اسمه أو مقدار ثروته كي يمنحه مكانًا.

كانت منشغلة بالحديث، ولم تلاحظ وجوده بعد.

اقترب ليونيل بخطوات هادئة، لا يريد أن يقتحم دائرتها أو يفرض حضوره عليها. وحين انفتح له مجال للرؤية، وقعت عيناه على اللوحة التي كانت تشرحها.

رجل يقف أمام مرآة ضخمة ذات إطار قديم. يرتدي الرجل بدلة أنيقة، ويقف بظهر مستقيم وابتسامة واثقة، لكن انعكاسه يبدو مختلفًا؛ ملامحه متعبة، وعيناه تحملان حيرة عميقة، وكأنهما تسألان عن شيء فقده منذ زمن ولم يعرف كيف يستعيده.

وتحت اللوحة عبارة بخط أنيق:

«أصعب رحلة يقوم بها المرء، تلك التي تبدأ من صورته أمام الناس وتنتهي بالحقيقة التي يخفيها عن نفسه.»

قرأ ليونيل العبارة مرتين.

لم يكن في اللوحة ما يشبهه تمامًا، لكنه شعر بانزعاج غريب من الرجل المرسوم. لم يكن يعرف إن كان السبب هو التناقض بين صورته وانعكاسه، أم أن العبارة أصابت سؤالًا كان يرفض التفكير فيه منذ تلك الليلة.

هل كان يرى نفسه كما يراه الآخرون؟ وهل كان يعرف فعلًا ما الذي يجعل الناس يقتربون منه: شخصه، أم ما يستطيع تقديمه لهم؟

أبعد عينيه عن اللوحة، وكأنه لا يريد أن يمنح هذه الأسئلة وقتًا أطول.

في تلك اللحظة، التفتت إيزابيلا.

التقت نظراتهما.

توقفت ابتسامتها لثانية، ثم عادت إلى ملامحها الجدية. لم تبدُ خائفة أو مرتبكة كما تخيل، ولم تتصرف وكأن وجوده حدث يستحق أن تتوقف عنده. أنهت حديثها مع الزائرة، وأشارت لها إلى بطاقة صغيرة تحتوي على معلومات عن اللوحة.

راقبها ليونيل وهي تفعل ذلك، ثم تقدم خطوة واحدة عندما انتهى الحديث.

- مساء الخير، آنسة روز.

نظرت إليه مباشرة.

- مساء الخير، سيد كافندش.

لم يكن في صوتها ترحيب، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا.

قال وهو يحاول اختيار كلماته بعناية:

- لم أكن أعلم أنك ستشاركين في المعرض.

- لأنك لا تعرفني.

جاء ردها سريعًا، واضحًا، بلا قسوة متعمدة. ومع ذلك، شعر بأنه يستحقه.

أومأ برأسه.

- معك حق.

بدت الدهشة الخفيفة في عينيها وكأنها لم تتوقع أن يوافق بهذه السهولة. ثم أشارت إلى اللوحة خلفها.

- هل جئت لمشاهدة الأعمال أم لديك موعد آخر مع المرآة؟

كاد إدوارد، الواقف على مسافة قصيرة، يضحك بصوت مرتفع. أما ليونيل فالتفت إلى اللوحة، ثم عاد ينظر إليها.

- لست متأكدًا بعد. يبدو أن بعض اللوحات تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.

- ربما لأنها لا تحاول إرضاء من ينظر إليها.

- وربما لأن من ينظر إليها لا يحب دائمًا ما يراه.

سكتت إيزابيلا لحظة، وكأنها تزن رده. لم يكن اعتذارًا، ولم يكن اعترافًا بشيء، لكنه بدا أقل استعلاءً من حديثه السابق.

قالت:

- هذه أول إجابة معقولة أسمعها منك.

رفع حاجبه.

- هل ينبغي أن أعتبرها مجاملة؟

- اعتبرها ملاحظة. المجاملات أغلى مما تظن.

هذه المرة، ابتسم ليونيل رغمًا عنه.

- سأحاول تذكّر ذلك.

وقبل أن ترد، اقترب منهما رجل أنيق يحمل بطاقة صغيرة، ووجّه حديثه إلى إيزابيلا:

- آنسة روز، عذرًا على المقاطعة. هل يمكنني التحدث معك بشأن لوحتك؟ أود أن أطرح عليك اقتراحًا قد يهمك.

التفتت إليه باهتمام.

- بالطبع، تفضل.

ثم نظرت إلى ليونيل نظرة قصيرة، لا تحمل وعدًا بلقاء آخر ولا دعوة إلى البقاء.

- مساء سعيد، سيد كافندش.

- لكِ أيضًا.

ابتعدت معه نحو مكتب المنظمين، وبقي ليونيل مكانه يراقبها لثوانٍ قبل أن يجبر نفسه على تحويل نظره.

اقترب إدوارد منه، واضعًا يديه في جيبي سترته.

- أظن أنني فهمت الآن سبب اهتمامك بالفن فجأة.

- لا تبدأ.

- لم أقل شيئًا بعد.

- لكنك تفكر في أشياء كثيرة، وهذا أسوأ.

ضحك إدوارد، ثم ألقى نظرة على اللوحة.

- على فكرة، هناك فرق بين أن ترغب في معرفة شخص وبين أن ترغب في الفوز به. أتمنى أن تكون قد فهمت الفرق.

لم يجبه ليونيل فورًا.

كان جزء منه يريد أن يقول إن إيزابيلا ليست سوى امرأة أثارت فضوله، وإنه لا ينوي ملاحقتها أو تحويل الأمر إلى تحدٍّ. لكن الكلمات بدت غير مكتملة حتى في رأسه.

فهو لم يكن يعرفها بما يكفي ليحبها، ولم يكن من حقه أن يتعامل مع رفضها كأنه لغز عليه حله. وربما كان عليه أن يبدأ بشيء أبسط بكثير من محاولة الوصول إليها: أن يتعلم كيف يقف أمام شخص لا يدين له بشيء، دون أن يبحث عن وسيلة ليغيّر موقفه.

عاد ينظر إلى اللوحة.

للمرة الأولى، لم يفكر في شراء العمل أو السؤال عن اسم الفنان أو السعر الذي قد يُباع به. حاول فقط أن يفهم لماذا أزعجه ذلك الانعكاس إلى هذا الحد.

ثم لمح حركة عند مكتب المنظمين. كان الرجل الذي اصطحب إيزابيلا يريها ورقة، ويشير إلى بعض التفاصيل فيها. قرأ ليونيل تعبير وجهها من بعيد؛ لم يكن ابتسامًا خالصًا ولا رفضًا واضحًا، بل اهتمامًا حذرًا يشبه اهتمام شخص وجد فرصة تستحق التفكير.

لم يقترب. لم يكن يعرف ما الذي عُرض عليها، ولم يكن من شأنه أن يتدخل.

لكنه أدرك أنه يريد أن يسمع منها، يومًا ما، عن تلك اللوحة، وعن المعنى الذي أخفته داخلها.

لا ليشتريها.

ولا ليثبت أنه قادر على الوصول إليها.

بل لأنه، للمرة الأولى منذ زمن، وجد سؤالًا لا يستطيع المال أن يجيب عنه.

وبينما انشغل إدوارد بالحديث مع أحد المعماريين، عاد ليونيل إلى اللوحة وقرأ عبارتها مرة أخيرة. ثم أخرج هاتفه، وكتب ملاحظة قصيرة لنفسه، قبل أن يتردد ويغلق الشاشة دون أن يحفظها.

لم يكن مستعدًا بعد لكتابة الإجابة.

أما إيزابيلا، فكانت قد انتهت من الحديث مع الرجل، وحملت الورقة التي أعطاها إياها، ثم التفتت نحو القاعة بحثًا عن صديقتها.

لم تنظر إلى ليونيل هذه المرة.

ولم يكن يعلم أن لقاءهما التالي لن يبدأ بكلمة اعتذار، ولا بصدفة أخرى، بل بموقف سيضعه أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع أن يحترم قرارها حين يكون احترامه له مكلفًا؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • محبوبتي أحبيني   الفصل السادس

    سرٌّ لم يمتلم تجب إيزابيلا عن سؤال أدريان.ظلت تنظر إليه لثوانٍ، وفي عينيها تحذير لم يعتد رؤيته منها، ثم وضعت كأس الماء فوق الطاولة وقالت بصوت منخفض:«ليس من حقك أن تفتح هذا الموضوع متى شئت.»اختفت ابتسامته.«أعرف.»«لا، لا أظنك تعرف. لو كنت تعرف، لما سألتني عنه هنا.»ألقى أدريان نظرة سريعة حولهما. كان الضيوف يتحركون بين اللوحات، والموسيقى الهادئة تملأ الفراغات بين الأحاديث. لم يكن أحد يصغي إليهما، ومع ذلك شعرت إيزابيلا بأن المكان كله صار مكشوفًا أكثر مما ينبغي.قال أدريان بنبرة أكثر جدية:«رأيت اسمه في قائمة المدعوين. لم أكن أعرف أنك ستأتين، ولم أكن أريد أن أفاجئك بهذا الشكل.»«إذًا كان عليك أن تتركني أكتشف الأمر بنفسي.»«إيزابيلا، مرّ عامان.»«وهل يعني ذلك أن كل شيء حدث يجب أن يصبح قابلًا للنقاش؟»صمت أدريان.كانت تلك المرة الأولى منذ وصوله التي لا يجد فيها جوابًا مناسبًا. فقد عرف إيزابيلا حين كانت أكثر اندفاعًا، وأكثر استعدادًا لمنح الآخرين فرصًا لا يستحقونها. لكنه لم يعرف تمامًا ما الذي تغير داخلها خلال غيابه، ولا كم كلفها ذلك التغيير.ابتعدت عنه بخطوة.«سأعود إلى المنزل.»«سأوصل

  • محبوبتي أحبيني   الفصل الخامس

    رجلٌ آخر في عينيها لم تكن تلك الليلة سهلة على ليونيل كافنديش. عاد إلى منزله بعد افتتاح المكتبة، لكن صورة إيزابيلا وهي تسحب يدها من يده ظلت ترافقه حتى بعد أن خلع سترته وألقى مفاتيحه فوق الطاولة الرخامية. لم تكن قد صرخت في وجهه، ولم تُحرجه أمام الحاضرين بكلمات جارحة. كان الأمر أسوأ من ذلك بكثير؛ لقد نظرت إليه بهدوء، وكأنها تراه على حقيقته، ثم ابتعدت دون أن تمنحه فرصة ليقرر كيف ينبغي أن تنتهي الحكاية. وهذا تحديدًا ما لم يستطع احتماله. اعتاد ليونيل أن تكون الكلمة الأخيرة له. إذا أراد شيئًا، تحركت الأموال والعلاقات والأشخاص حتى يصبح ذلك الشيء بين يديه. أما إيزابيلا، فكانت تتصرف كما لو أن رغبته لا تعني شيئًا إن لم تتفق مع رغبتها. ألقى بنفسه على الأريكة، وأغمض عينيه لحظة. ثم التقط هاتفه. فتح محادثتهما، وكتب: «وصلتِ إلى المنزل؟» توقف قبل الإرسال، وحدق في السؤال. كان سؤالًا عاديًا، أليس كذلك؟ لم يكن يطلب منها لقاءً، ولم يشترِ لها هدية، ولم يحاول أن يملي عليها ما تفعله. أرسله. بعد دقائق، ظهرت علامة القراءة. ثم لا شيء. انتظر قليلًا، وأعاد فتح المحادثة، كأن الرسالة قد تحمل جوابًا إ

  • محبوبتي أحبيني   الفصل الرابع

    الوهم بالفوز وما بعدهلم يكن المطر قد توقف تمامًا حين غادر ليونيل كافنديش منزل إيزابيلا روز.كانت قطراته الأخيرة تنزلق على زجاج السيارة، تاركةً وراءها خطوطًا رفيعة تتداخل كلما انعكست عليها أضواء الشوارع. وفي المقعد المجاور، ظلّت المظلّة السوداء التي تركتها إيزابيلا معه تستقر بهدوء، كأنها تذكّره بأن بعض الأشياء يمكن أن تنتقل من يد إلى أخرى من دون أن تعني شيئًا أكثر من ذلك.ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من الابتسام.لقد شكرته قبل أن تنزل من السيارة، وأخبرته بأنها ستعيد إليه المظلّة عندما يلتقيان مجددًا. لم تكن ابتسامة واضحة، ولم تمنحه وعدًا باللقاء، لكنه اختار أن يتذكر العبارة وحدها، متجاهلًا التحفّظ الذي أحاط بها.«عندما نلتقي مجددًا».كررها في نفسه، ثم أطلق ضحكة خافتة وهو ينعطف نحو الطريق الرئيسي.لم يكن ليونيل رجلًا اعتاد الانتظار. منذ طفولته، كانت الأبواب تُفتح أمامه قبل أن يضطر إلى طرقها، وكانت رغباته تتحول إلى خطط، ثم تتحول الخطط إلى واقع. وحين كان يواجه رفضًا، كان يبحث عن السبب الذي يمنعه من الحصول على ما يريد، لا عن حق الآخرين في رفضه.أما إيزابيلا، فقد بدت له استثناءً مثيرًا للاهت

  • محبوبتي أحبيني   الفصل الثالث

    لم يغادر ليونيل كافندش معرض الخريف فور انتهاء حديثه مع إيزابيلا. بقي في القاعة برفقة إدوارد، يتنقل بين اللوحات ويتظاهر بالاهتمام بالتفاصيل التي يشرحها صديقه، بينما كان ذهنه يعود بين حين وآخر إلى المرأة التي استطاعت أن تنهي حديثًا معه بجملة قصيرة، ثم تمضي في طريقها وكأنها لم تفعل شيئًا يستحق التفكير.لم يكن منزعجًا هذه المرة لأنها تجاهلته، بل لأنه بدأ يدرك أن وجوده لا يغيّر بالضرورة مجرى الأمور كما اعتاد.كانت إيزابيلا تتحدث مع أحد منظمي المعرض قرب المدخل الداخلي، تحمل في يدها الورقة التي تسلمتها منه، وتبدو منشغلة بقراءتها. لم يحاول ليونيل الاقتراب منها أو معرفة محتواها. اكتفى بإلقاء نظرة عابرة، ثم عاد إلى اللوحة التي يقف أمامها.لاحظ إدوارد شروده، فمال نحوه قليلًا وقال:- أتعلم؟ لم أرَك تقف أمام لوحة واحدة كل هذا الوقت من قبل.أجابه ليونيل دون أن يلتفت إليه:- ربما لأنني لم أكن أملك سببًا جيدًا للتأمل.- وهل وجدت السبب الآن؟أدار ليونيل رأسه إليه ببطء.- إذا كنت تنوي قضاء المساء كله في تحليل تصرفاتي، فسأغادر وأتركك تتحدث مع اللوحات.ضحك إدوارد.- لا تقلق، لن أفعل. لكنني سأذكّرك بشيء و

  • محبوبتي أحبيني   الفصل الثاني

    لم تكن الصفعة هي ما أبقى ليونيل كافندش مستيقظًا تلك الليلة، بل الكلمات التي سبقتها.عاد إلى جناحه الفاخر في الطابق العلوي من الفندق، إلى الغرفة التي حجزها باسمه أخيرًا، وألقى سترته على المقعد القريب من النافذة. كان كل شيء في المكان مرتبًا كما يحب؛ الأثاث الفاخر، والإضاءة الهادئة، وزجاج النافذة الذي يعكس أضواء المدينة. ومع ذلك، لم يشعر بالراحة التي اعتادها.جلس على حافة السرير، ومرّر أصابعه فوق خده. لم يبقَ أثرٌ واضح للصفعة، لكن كبرياءه لم يكن بالسرعة نفسها في التعافي.لم يكن معتادًا على أن يرفع أحد صوته في وجهه، فضلًا عن أن يصفعه ثم يطلب منه المغادرة دون أن يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه. طوال حياته، كانت الأبواب تُفتح أمامه قبل أن يطرقها، وكانت رغباته تتحول إلى أوامر بمجرد أن ينطق بها. وحتى حين يرفضه أحد، كان الرفض يأتي مغلفًا بكلمات مهذبة، سرعان ما تتبدد أمام إصراره أو نفوذه.أما إيزابيلا روز، فلم تمنحه شيئًا من ذلك.لم تحاول استرضاءه، ولم تبدُ مهتمة بمعرفة من يكون، ولم يتغير موقفها حين أدركت أنه قادر على دفع مبلغ قد لا تكسبه هي في أشهر. لقد عاملته كما لو كان رجلًا عاديًا أخطأ وتجاوز حدو

  • محبوبتي أحبيني   الفصل الأول

    كان المساء ينسج خيوطه الذهبية فوق مدينة بورتا فينسترا، تلك المدينة الساحلية التي بدت كأن الزمن نسيها عمدًا، فترك شوارعها الحجرية تحتفظ بأسرار العشاق، وأبقاها البحر شاهدةً على حكايات بدأت بنظرة وانتهت بدمعة، وأخرى بدأت بخصام لم يتوقع أحد أن يتحول يومًا إلى حب.تسللت رائحة الملح من جهة الميناء، واختلطت بعبير أشجار الليمون التي تزين الشرفات القديمة، بينما انعكست أضواء المحال على الأرصفة المبللة بمطر خفيف هطل قبل ساعة. كانت المدينة هادئة على نحو يوحي بأن العالم بأسره قرر أن يمنحها ليلة من السكينة.لكن ليونيل كافندش لم يكن رجلًا يؤمن كثيرًا بالسكينة.في السادسة والعشرين من عمره، كان قد امتلك من المال والنفوذ ما يجعل معظم الناس يحسبون خطواتهم قبل الاقتراب منه. نشأ في عائلة عريقة، وتعلم منذ طفولته كيف يتحدث بثقة، وكيف يتخذ القرارات دون تردد، وكيف يخفي انفعالاته خلف ملامح لا تمنح الآخرين فرصة قراءة ما يدور في داخله.كان طويل القامة، رياضي البنية، بشعر أسود كثيف تتدلى خصلة منه أحيانًا فوق جبينه، وعينين عسليتين ذهبيتين اعتاد أن يثبت بهما نظره على من يحدثه حتى يشعر الطرف الآخر بأنه موضع استجواب.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status