登入إيلويزعندما يعود كايل من دوريته، في منتصف الصباح، ما زلت جالسة في الكرسي بالقرب من الموقد، عيناي محمرتان من الدموع، لكن قلبي خفيف بشكل غريب. يتوقف على العتبة، حواسه الذئبية في حالة تأهب فوري، وينظر إليّ بتعبير من القلق الممزوج بالفضول.— ماذا حدث؟ يسأل وهو يقترب. بكيت.— نعم، أجيب مبتسمة. لكنها ليست دموع حزن. إنها دموع ارتياح.— ارتياح؟— اجلس، أقول مشيرة إلى الكرسي المقابل لي. لدي شيء لأخبرك به.يجلس كايل، حذراً، عيناه الصفراوان مثبتتان عليّ بكثافة لا تخيفني بعد الآن. أخبره بكل شيء. الذكريات التي عادت هذا الصباح، الصور التي تجمعت، الحقائق التي ظهرت من ضباب ذاكرتي. اليد التي مددتها إليه، التحول الذي قام به أمامي، العهد الذي أبرمناه.— أنت تتذكرين، يهمس عندما انتهيت. أنت تتذكرين حقاً.— أتذكر كل شيء، أؤكد وأنا أهز رأسي. كنت قد دفنت هذه الذكريات، شوهتها، غطيتها بالخجل والخوف. لكن هذا الصباح، وأنا أسترخي بجانب النار، عاد كل شيء. واضحاً. دقيقاً. مشرقاً.— لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟ يسأل كايل ع
إيلويزالقاعة صامتة، تغمرها أشعة الضوء الشاحب لصباح شتوي. خرج كايل قبل الفجر بدورية إلى حدود الإقليم، وميلو في الحرم الجامعي، ولوركان نائم بسلام في مهده، ذيله الصغير مطوي على بطنه، قبضتاه مشدودتان على صدره. كان يجب أن أستريح، كان يجب أن أنام، كان يجب أن أستغل هذا الهدوء النادر لأدع جسدي يتعافى من محن الأيام الماضية.لكنني لا أستطيع. شيء ما يؤرقني، شيء يدور في رأسي منذ أسابيع، منذ أشهر ربما، كلحن مزعج لا أستطيع تذكر عنوانه. ذكريات تلك الليلة من أغسطس، على حافة المستنقع. الذكريات التي كبوتها، شظيتها، أعيد تركيبها مرات عديدة لدرجة أنني لم أعد أميز الحقيقي من الزائف، الواقعي من المتخيل.أجلس في الكرسي بالقرب من الموقد، كوب من الشاي الساخن بين يديّ — شاي أعددته بنفسي، وتأكدت منه، وشممته قبل أن أشربه — وأغمض عينيّ. دفء النار يداعب وجهي، طقطقة الحطب تملأ الغرفة بموسيقى مهدئة، وتدريجياً، أشعر بروحي تسترخي، دفاعاتي تنخفض، ذكرياتي تتدفق.ليلة أغسطس. الحرارة الخانقة، حتى بعد منتصف الليل. مستنقع الظباء، مياهه السوداء الساكنة، قصبها الذي حفيف تحت الن
إيلويز ثلاثة أيام مضت. ثلاثة أيام من الصمت، الوحدة، التساؤلات. ميلو بقي معي في القاعة، يسهر على لوركان، يعتني بالطعام، يحرس الليل. لم يسألني أسئلة، لم يحاول إقناعي بمسامحة والده. كان فقط هناك، حاضراً، منتبهاً، وفياً كما كان دائماً. لكن هذا المساء، لم أعد أطيق. صمت كايل، غياب رائحته، الفراغ في قلبي حيث يجب أن تنبض العلامة بالحب والدفء... كل هذا ثقيل جداً لتحمله. — سأبحث عنه، أقول لميلو وأنا أرتدي معطفي. — تحت هذا المطر؟ يسأل ميلو مشيراً إلى النافذة حيث تتساقط سحب من الماء على الغابة. — تحت هذا المطر، أؤكد وأنا أفتح الباب. — أتعلمين أين هو؟ — أعرف، أجيب واضعة يداً على صدري. العلامة ترشدني. أخرج من القاعة، والمطر الجليدي يخترقني فوراً. لكن لا أشعر بالبرد. لا أشعر إلا بدقات قلب بعيدة، ضعيفة، تتردد في أعماق صدري. قلب كايل. ذئبي. ملكي. حبي. أعبر الغابة، قدماي تغوصان في الوحل، الأغصان المبللة تجلد وجهي. المطر يتضاعف، الليل مظلم، لكنني لا أخاف. الغابة مملكتي الآن، ولا خطر يمكن أن يصل إليّ. أجده على حافة المستنقع، ذلك المستنقع نفسه حيث بدأ كل شيء، منذ أشهر. إنه جالس على الضفة، ظهره
كايل أنا مختبئ خلف البلوطة الكبيرة، غير مرئي، صامت، حواسي الذئبية في أعلى درجات التأهب. سمعت كل شيء، رأيت كل شيء، شممت كل شيء. ليلى، الفتاة ذات الشعر الأحمر، التابعة، الحسودة. اعترفت بجريمتها، اعترفت بسكب السم، اعترفت برغبتها في قتل رفيقتي وطفلي. إيلويز تبتعد، رأسها مرفوع، كتفيها منتصبتان، فخورة وقوية كالذئبة التي أصبحت. اختارت الرحمة، الشفقة، الغفران ربما. هذا اختيارها، وأحترمه. لكنني لست إيلويز. لست بشرية. أنا ملك الذئاب، حامي الغابة، حارس القطيع. والذئب لا يغفر لمن يهدد رفيقته. أترك إيلويز تبتعد، ثم أخرج من الظل وأقترب من ليلى، صامتاً كالموت. لا تراني فوراً. إنها جالسة على مقعدها، وجهها مدفون في يديها، كتفيها تهتزان بالفواق. إنها تبكي، ودموعها ربما كانت ستؤثر في إنسان. لكنني لست إنساناً. — ليلى، أقول بصوت عميق. تفزع، ترفع رأسها، ويتفكك وجهها برؤيتي. الرعب يغزو عينيها الخضراوين، شفتاها تبدأان بالارتعاش، يداها تتشنجان على المقعد وكأنها تبحث عن التمسك به. — أنت... أنت سمعتني، تتمتم. سمعت كل شيء. — سمعت كل شيء، أؤكد وأنا أقترب ببطء، بشكل حتمي. سممت رفيقتي. هددت طفلي. اعترفت بج
إيلويزأجد ليلى في اليوم التالي، في ساحة الحرم الجامعي، بالقرب من البلوطة الكبيرة. إنها وحدها، جالسة على مقعد، عيناها تائهتان في الفراغ، يداها مغمورتان في جيوب معطفها. لم ترني أتقدم، أو ربما تتظاهر بأنها لا تراني. لا يهم.— ليلى، أقول وأنا أتوقف أمامها.ترفع رأسها، وأرى في عينيها الخضراوين تعبيراً من المفاجأة، الخوف، ثم التحدي. لم تكن تتوقع رؤيتي حية. كانت تعتقد أن السم عمل.— إيلويز، تجيب بصوت محايد. ماذا تريدين مني؟— تعلمين جيداً ما أريده، أجيب وأنا أعقد ذراعيّ. الشاي. السم. البارحة، في مطبخي.— لا أعرف ما تتحدثين عنه، تقول ليلى محولة عينيها.— حقاً؟ إذن لماذا كانت رائحتك في مطبخي؟ لماذا تعرف كايل رائحتك، أنت، الفتاة ذات الشعر الأحمر، تابعة كاميل، الضاحكة الصامتة؟تشحب ليلى، أصابعها تتشنج على المقعد، وأرى فكها يتشدد تحت تأثير الغضب أو الخوف.— حسناً، تقول أخيراً رافعة رأسها. كنت أنا. أنا من سكبت السم في إبريق الشاي. وماذا بعد؟ ماذا ستفعلين؟ ستقتلينني، مثلما قتل وحشك رفيقك كلوي؟— لماذا؟ أسأل متجاهلة استفزازها. لماذا فعلت ذلك؟ ماذا فعلت بك، ليلى، سوى أنني موجودة؟— بالضبط، تبصق ليلى
إيلويزأصبحت قاعة بروميفال ملجأي، قدسي، بيتي. كل صباح، أستيقظ في السرير الكبير المنحوت الذي نقله كايل من الكوخ، الأغطية الدافئة الناعمة على بشرتي، أنفاس لوركان المنتظمة في مهده تذكرني بأنني لم أعد وحدي، وأنني لن أكون وحدي أبداً.اليوم، تخترق الشمس الزجاج المتجمد، ملقية على الباركيه معينات من الضوء الشاحب. خرج كايل قبل الفجر بدورية إلى حدود الإقليم، وميلو في الحرم الجامعي لحضور محاضرة — أو بالأحرى لمراقبة الطلاب، للتأكد من عدم وجود من يتآمر علينا بعد موت ليلى واختفاء كلوي.أنا وحدي في المنزل، وحدي مع لوركان الذي يغرّد في مهده، وحدي مع النار التي تتطاير في الموقد، وحدي مع أفكاري التي تدور في حلقة منذ أيام. ليلى. لماذا فعلت ليلى ذلك؟ لماذا حاولت تسميمي؟ هل كانت حقاً تغار لدرجة الرغبة في قتلي، أم كان هناك شيء آخر، سبب أعمق، أكثر ظلمة، لا أفهمه بعد؟أنزل إلى المطبخ، لوركان بين ذراعيّ، وأشعل الماء لتسخين الشاي. إنه طقس تبنته منذ أن سكنت هنا، متعة بسيطة صغيرة تذكرني بأنني آمنة، وأنه يمكنني الاستمتاع بالأشياء العادية في الحياة دون خوف من الإهانة، أو الإساءة، أو الاعتداء.الماء يرتجف في الغلاي







