LOGIN156 - بين صمت النجوم وثقل القدر قبل الرحلة.. كانت الأجواء في القصر مشحونة بالترقب، مزيجاً متوتراً من الأمل الصامت والقلق الملموس. كل شخص في القصر كان يؤدي دوره بكفاءة آلية؛ يجهزون، يخططون، ويتحركون؛ لكن خلف هذا النشاط الظاهري، كانت هناك قلوب مثقلة بالهموم. لم يستطع "رون" تحمل هذا الجو أكثر من ذلك، فقد شعر بغصة تخنقه. لم يتجه إلى غرفته، ولم يبحث عن "كاسيا". بدلاً من ذلك، قادته قدماه إلى المكان الوحيد الذي طالما وجد فيه السكينة والضآلة في آن واحد: "المرصد الملكي". كان المرصد عبارة عن قبة زجاجية ضخمة تتربع في أعلى برج بالقصر، مكاناً هادئاً يطل على فضاء "كاسكاديا" اللامتناهي. كان "رون" يحب المجيء إلى هنا ليتذكر حجمه الحقيقي أمام عظمة الكون، وهو شعور طالما منح روحه شعوراً بالراحة. "النجوم لا تكذب أبداً، أليس كذلك؟" جاء صوت والده الهادئ من بين الظلال، مما جعل "رون" يلتفت نحوه. لم يكن قد لاحظ وجوده من قبل؛ كان والده يقف بجانب التلسكوب الضخم، يحدق في سديم بعيد. "إنها جميلة وقاسية في نفس الوقت،" أجابه رون وهو يتقدم ليقف بجانبه، وعيناه تتبعان نظرته إلى الفضاء الشاسع. "تعد بالجمال، لكنه
155 - الوداع وتجهيز سفينة الفضاءكان الليل قد أرخى سدائله على كاسكاديا، لكن النوم كان غريباً عن جفون الجميع. وقفت "لاميا" في شرفة غرفتهما الفسيحة، تلف جسدها بوشاح حريري رقيق، وعيناها تراقبان تحضيرات الجنود للمركبات حيناً، وحيناً آخر معلقتين بالفضاء الشاسع؛ ذلك المحيط المظلم الذي سيبتلع "رووس" قريباً في رحلة نحو المجهول، نحو مملكة لم تعد سوى همس في كتب التاريخ.كان "رووس" يرتدي ثيابه بعدما أخذ حماماً، وشعرت به قبل أن تراه؛ خطواته الهادئة التي تعرفها عن ظهر قلب، ثم ذراعاه القويتان تحيطان بخصرها من الخلف، وذقنه يستقر على كتفها.لم يقل شيئاً، بل تنهد تنهيدة طويلة، زفر فيها كل القلق الذي يثقل صدره. استندت برأسها إلى صدره، وأغمضت عينيها، تستنشق عطره الذي كان مزيجاً من رائحة الجلد والمسك ورائحتها التي علقت به بعد علاقتهما الحميمية التي كانت بمثابة وداع سريع.همس صوته الأجش قرب أذنها، صوته الذي كان يأمر الجيوش ولكنه معها يتحول إلى لحن دافئ: "ألا يجب أن تكوني في فراشنا؟"أجابت بصوت مختنق وهي تدير جسدها بين ذراعيه لتواجهه، ورفعت يدها المرتجفة لتلامس وجنته الخشنة بلطف: "أنا خائفة، رووس! كيف لي
154 - قرار الإبحار نحو المجهول صعد الملك "زين" إلى غرفته بعد أن غادرت الحكيمة -أو تلك الساحرة- ورأسه يعج بآلاف الأفكار التي لا تنتهي. هل يصدق كلامها؟ هل يخاطر بكل شيء ويسافر بحثاً عن المجهول؟ عن مملكة لم يسمع بها أحد من قبل؟ كل ما يعرفونه عنها محض أساطير في كتاب قديم... ورغم ذلك، كان قلبه يتمسك بأي خيط قد ينقذ "فريزيا" ويعيدها إليه من جديد. بدأ يؤمن أن حياته لعنة، وأن كل من يحبهم يتأذون، بدءاً من والديه وصولاً إلى "فريزيا"... زوجته. ظن أنه أخيراً وجد السعادة، وأن عثوره على ملكته التي بحث عنها لسنوات قد تم... لكن في لحظة واحدة اختفى كل شيء؛ اختفت أحلامه معها، ذكرياتهما، ضحكاتها، وصوتها العذب، ولم يبقَ سوى أنينه وصدره الذي ينقبض كلما نظر إلى وجهها الشاحب. والأسوأ أنه يراها دائماً تتألم بسببه. جلس "زين" على حافة الفراش، ووضع رأسه بين يديه وأغمض عينيه، يتنهد تنهيدة طويلة تحمل كل آلامه. لم يشعر بوجود نمره "تايجر" إلا حين مسح رأسه برأسه؛ فلم يدرِ متى دخل الغرفة، لكنه كان قد فقد الإحساس بكل ما حوله. سأله "زين" بصوت مبحوح، والطبقة الزجاجية تغلف عينيه: "هل سنتمكن من إنقاذهن، ت
153 - حبيسة في الظلام الملكة ماريتا والدة فريزيا، ولاميا وصيفتها كانتا فى حالة يرثي لها، لكن بذات الوقت كانت الغرابة تتملكهن، لقد كان الكتاب يتحدث عن الممالك القديمة وخاصة مملكة "أنوكسا"، ولكن مجرة "نازيا" ليس لها وجود، كيف يمكن الذهاب إليها ولم يسمع عنها أحد من قبل أو حتى يعرف مكانها؟ سأل رون، الذي كان يتحرك ذهاباً وإياباً بجنون لرؤية أخته، توأمه بهذا الوضع وهو لا يستطيع فعل شيء "كيف سنصل إلى تلك البوابة؟ أين طريقها؟ نحن حتى لا نعرف وجهتنا؟" نظرت له الحكيمة وتنهدت، ثم أخذت تقوم بتلاوة بعض التعاويذ الغير مفهومة، حتى ارتفعت عن الأرض وقد حاوطها دخان غريب مثل الضوء الأبيض حتى أن عينيها تحولت إلى اللون الأبيض مثل النور، ثم ضمت يديها إلى صدرها وهبطت على الأرض بعدها. كان الجميع مذهولاً مما تفعله إلا الملك جريم، لقد رأى تلك الرؤيا من قبل، ولكنها كانت مبعثرة وغير واضحة ولكن الآن بات يفهم كل شيء، أن كل الامور متشابكة معاً وعليهم جميعاً أن ينجحوا بالوصول لأنوكسا قبل أن يفوت آوان إنقاذ فريزيا. فتحت الحكيمة يديها، وفى لحظة ظهر بين يديها ملفوفة ثم اختفت هالة النور من حولها، عادت عيناها ل
152- تحذيرات الساحرة الحكيمةكان الصمت يعم غرفة البرج الطبي في كاسكاديا، كانت عيون الملك زين مشدودة إلى الحكيمة، وكأن كلماتها قد فتحت بوابة إلى عالم غامض لا يعرفه أحد. حيث أخبرته للتو أن من يمكنه أن يفك السحر عن زوجته وملكته، ساحر ليس من هذا الزمان أو هذا المكان، بل من زمن الممالك القديمة، ممالك لا توجد سوى في كتب الأساطير والخيال. مملكة أنوكسا؟اسم لم يُسمع به من قبل، حتى في أقدم المخطوطات التي تحفظها مكتبات المجرات، لكن عينا الحكيمة المملوءتان بالخوف والإجلال كانتا كافيتين لتؤكدا أن هذا الاسم ليس مجرد أسطورة."مملكة أنوكسا؟" كرر الملك زين، صوته يحمل مزيجًا من الشك والغضب "إن كانت هذه المملكة هي الحل الوحيد لإنقاذ فريزيا وسافيرا، فأخبريني أين أجدها، ولو كانت في أعمق هاوية في الفضاء!"تنهدت الحكيمة سيلينا بعمق وهي تنظر إلى فريزيا الملقاة على الفراش، كانت مؤشرات جسدها لا تزال طبيعية، لكن السهم الأسود الغارق في صدرها كان ينبض بنور خافت، كأنه يمتص حياتها ببطء، سافيرا خنيمة نمر الملك المخلصة، كانت مستلقية بجانبها، تتنفس بصعوبة، وجرح كتفها ينزف بلون غامض يميل إلى الأسود."مملكة أنوكسا لي
151 - بداية نهاية الحرب قفز "تايجر" بغضب عارم على "مارسيل" وجنوده، ومزقهم إرباً بسرعة البرق، وجال بينهم بضراوة شتت صفوفهم حين رأى ملكته وخنيمته قد سقطتا سوياً. كان يتردد بجنون داخل عقله: "سافيرا، فريزيا." كان ذلك يتردد في ذهنه كما يفعل "زين" تماماً وهو يحرك جسدي "فريزيا" و"سافيرا" الملقيين على الأرض؛ فهما مرتبطان سوياً كما ارتبطت روح "زين" بنمره "تايجر" تماماً. أخذ "ليساندر" و"رووس" يقاتلان بظهر بعضهما ليبعدا الجميع عن "زين" و"فريزيا" التي سقطت، وسقطت معها قوتهم، لكن محاربي "فول روز" لم يتوقفوا عن استخدام قوتهم لحماية الملك "زين" وحماية ظهر الملك "جريم"، الذي بدأ يطيح بالجميع حتى يصل إلى ابنته. أطاح "رون" بكل المركبات بعد أن رأى شقيقته تسقط، وأمر "توريكو" بإطلاق تلك الحمم البركانية التي أحرقت القلعة بأكملها بغضب. قفزت "كاسيا" عن ظهر توريكو لتركب على ظهر أحد النمور حتى تذهب إلى شقيقها؛ فمهما قاتل الجميع بضراوة، لن يستطيع أحد تعويض "زين" عن ملكته التي سقطت دفاعاً عنه لتحميه. زاد جنون الجميع في الميدان، وأمر "ليساندر" مركباته بالذهاب إلى مجرة "مور لايت" ليقضوا على الملك "ماركل"،







