登入تسمرت قدماي في مكاني.
حتى أنني نسيت كيف أتنفس لثوانٍ. كان صوته وحده كافيًا ليجعل ظهري يقشعر. أغمضت عيني للحظة. حسنًا... فشلت خطة الهرب. استدرت ببطء شديد، ثم عدت إلى مكاني وكأن شيئًا لم يحدث. لم أجرؤ حتى على رفع رأسي. ساد الصمت. صمت طويل وثقيل جعلني أشعر بأن كل ثانية تمر أطول من التي قبلها. سمعت خطواته تقترب. خطوة... ثم أخرى... توقفت الخطوات أمامنا. قبضت أصابعي على طرف عباءتي دون وعي. لا تنظري إليه... لا تنظري إليه... همست لنفسي بذلك، لكن فضولي غلبني. رفعت بصري ببطء. والتقت عيناي بعينيه. تجمدت. كانت عيناه الحمراوان ثابتتين علينا، خاليتين تقريبًا من أي تعبير، لكن ذلك كان أكثر ما أخافني. خفضت رأسي فورًا. لا... هذا الرجل مخيف. كيف تستطيع إيفون أن تتحدث عنه وكأنه شخص لطيف؟ سمعت صوته الهادئ. "أريد تفسيرًا." ابتلعت إيفون ريقها. "أخي... نحن..." "التفسير." ازدادت قبضتي على عباءتي. حتى إيفون بدت متوترة. لم أرها بهذا الشكل من قبل. قالت أخيرًا: "وصلتنا معلومات عن وجود مزاد لتجارة العبيد... فأردنا التأكد." ساد الصمت مجددًا. ثم سأل: "ومن سمح لكما بالذهاب؟" لم تجب. "هل أبلغتما أحدًا؟" هزت رأسها نفيًا. "هل كان لدى أي منكما خطة للانسحاب إذا فشلت المهمة؟" صمت. "هل كنتما تعلمان عدد الحراس؟" صمت آخر. أغمض عينيه لثوانٍ، ثم زفر ببطء. لسبب ما... شعرت أن زفرته كانت مخيفة أكثر من زئيره قبل قليل. قال أخيرًا: "لو وصلت متأخرًا دقائق فقط..." توقف. "...لكنتمـا الآن أسيرتين بدل أولئك الناس." لم أستطع منع نفسي من الارتجاف. كانت كلماته هادئة. هادئة جدًا. لكنها جعلتني أتخيل ما كان سيحدث فعلًا. حاولت طرد الفكرة من رأسي. اقترب خطوة أخرى. تراجعت خطوة دون إرادة. لاحظ ذلك. لكنه لم يقل شيئًا. يا إلهي... هل رآني؟ تمنيت في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعني. قال وهو ينظر إلى إيفون: "تعلمين أن خروجك من القصر دون حراسة مخالفة صريحة و لولا تساهل والدينا معك لعوقبت بتعمة تعريض حياة الأميرة الى الخطر." "أعلم..." "ومع ذلك فعلتِها." خفضت إيفون رأسها. لأول مرة منذ عرفتها... بدت كطفلة تنتظر العقاب. نظرت بينهما باستغراب. إيفون التي كانت تواجه الحراس قبل دقائق دون خوف... تقف الآن صامتة أمام أخيها. إذن... هو مخيف إلى هذه الدرجة. ساد الصمت مرة أخرى. لم أعد أحتمله. كلما طال، ازداد توتري. شعرت أن عليّ قول شيء. أي شيء. رفعت يدي بتردد. "أمم..." التفتت إليّ عيناه. توقفت الكلمات في حلقي. أنزلت يدي بسرعة. "لا... لا شيء." أغلقت فمي فورًا. ما الذي كنت سأقوله أصلًا؟ كاد قلبي يقفز من مكانه عندما نظر إليّ. ابتعد بنظره عني بعد لحظة، فعادت أنفاسي تدريجيًا. تنهدت في سري. الحمد لله. قال ماكسيل أخيرًا: "ستعودان إلى القصر." لم تعترض إيفون. ولم أفكر أنا في الاعتراض أصلًا. في الحقيقة... كنت أريد المغادرة من هنا بأسرع وقت. استدار وسار نحو الباب. تبعته إيفون مباشرة. أما أنا، فسرت خلفهما بمسافة جيدة. كلما اقترب مني، زدت تلك المسافة دون أن يلاحظ. أشعر براحة أكبر هكذا. بعد دقائق من السير، اقتربت من إيفون وهمست بأخف صوت أستطيع إخراجه: "إيفي..." التفتت إليّ. همست: "هل هو... غاضب دائمًا هكذا؟" رمشت باستغراب. "من؟" نظرت إلى ظهر ماكسيل بسرعة. "أخوك." ابتسمت إيفون ابتسامة صغيرة. "لا." كدت أختنق. لا؟ إن لم يكن هذا غضبًا... فكيف يكون عندما يغضب فعلًا؟ هززت رأسي في صمت. قررت قرارًا حاسمًا. من اليوم فصاعدًا... سأحاول ألا أبقى معه في المكان نفسه لأكثر من 5 دقائق. ولا أتحدث معه إلا إذا اضطررت. ولا أنظر إليه كثيرًا. هذا الرجل... مرعب. كانت هذا هو حكمي الاولي .وقفت أوريليا من فوق السرير، ثم اتجهت نحو غرفة الاستحمام. ما إن فتحت الباب حتى تصاعد بخار الماء الدافئ من الحوض الحجري الواسع. خلعت معطفها بهدوء، ثم نزلت إلى الماء. أغمضت عينيها للحظات وهي تشعر بحرارة الماء تخفف إرهاق اليوم الطويل. مرّت أمامها أحداث اليوم الواحد تلو الآخر... العالم الثالث... كزافييه... مارثا... ثم... ماكسيل. توقفت أفكارها عنده دون إرادة. تذكرت كيف كان يقترب منها أحيانًا دون أن يترك لها فرصة للهرب، وكيف كان ينظر إليها بعينيه الحمراوين وكأنه يرى العالم كله فيها. ثم تذكرت تلك اللحظة... حين انحنى أمامها حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما لا تكاد تُذكر. شعرت بحرارة غريبة تزحف إلى وجنتيها. فتحت عينيها بسرعة. "ما الذي أفكر فيه..." تمتمت بصوت منخفض وهي تغمر وجهها بالماء. اختفى الاحمرار تدريجيًا، لكنها بقيت تنظر إلى سطح الماء لبضع ثوانٍ قبل أن تزفر بهدوء. "ذلك المعتوه..." خرجت من الحوض بعد دقائق، ثم ارتدت ثيابًا جديدة بلون أبيض تتداخل معها خيوط فضية رقيقة، وربطت شعرها الفضي على شكل ذيل حصان منخفض. ما إن خرجت من غرفة الاستحمام حتى لاحظت كرة ضوء صغيرة تطوف فوق الط
ارتسمت على وجوه الحراس ابتسامات مقززة وهم يقتربون منها بنوايا لا تحمل خيرا .عضّت أوريليا باطن شفتيها وهي تحرك أصابعها بحركات سحرية خفية عنهم، لكن قبل أن تكمل، دوّى صوت امرأة في القاعة المشحونة."كزافييه، ما الذي تفعله؟"التفت الجميع إلى مصدر الصوت ليروا امرأةً جميلةً جدًا تقف عند باب القاعة بوجه جامد.ركع الحراس خلفها وقالوا بصوت واحد:"نعتذر، جلالتك، ولكن السيدة أصرت على المرور، ولم نستطع إيقافها."بمجرد أن رآها كزافييه، اختفى غروره في لحظة وحلّ محله ارتباك واضح، ثم اقترب منها ببطء فاتحًا ذراعيه."عزيزتي... لقد أسأتِ فهمي... آااه... مؤلم!"صرخ ولي العهد عندما أمسكت المرأة أذنه بعنف."أي... أي... عزيزتي، اتركيني، لا يجوز أن تفعلي هذا أمامها!"التفتت السيدة إلى أوريليا، وانحنت لها برسمية، ثم قالت بابتسامة راقية متناقضة مع إمساكها أذن ولي عهد هذا العالم:"أعتذر عن تصرفات زوجي غير اللائقة. اسمحي لي أن أعرف بنفسي... أنا مارثا، الأميرة المتوجة وزوجة سموه."انحنت أوريليا بصمت، ثم نظرت باحتقار مقصود إلى كزافييه."عزيزتي، هذا يكفي، لقد أسأتِ فهمي!" واصل كزافييه التوسل إليها، لكنها لم تهتم."
ساد الصمت في القاعة لثوانٍ.لم يبعد كزافييه عينيه عنها.بدأت نظراته من قدميها، ثم ارتفعت ببطء شديد، وكأنه يفحص سلعة معروضة أمامه لا أميرة من إحدى العائلات الإمبراطورية.توقفت عيناه عند خصرها النحيل، ثم ارتفعتا إلى صدرها، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة مستفزة."إذن... هذه هي أميرة العالم السابع؟"مال بجسده إلى الأمام مستندًا إلى ذقنه."أجمل مما توقعت."ساد الصمت مرة أخرى.ثم قال بكل وقاحة، غير آبه بوجود الحاضرين:"رغم أن لديكِ مشكلة صغيرة."رفع إصبعه مشيرًا إليها بلا أدنى احترام."لو ازداد امتلاؤك قليلًا... هنا."أشار بإيماءة مقتضبة نحو أعلى جسدها، ثم ضحك."لكنتِ مثالية."حبست النساء الواقفات في القاعة أنفاسهن.حتى الخدم تبادلوا النظرات في صمت.كان الجميع يعلم أن ولي العهد وقح...لكن مخاطبة أميرة بهذه الطريقة أمام الملأ تجاوزت كل الحدود.أما أوريليا...فلم يتغير تعبير وجهها.نظرت إليه كما لو كانت تنظر إلى شيء مثير للاشمئزاز علق أسفل حذائها.ثم قالت بهدوء جعل القاعة بأكملها تصمت:"أهذا أول ما تعلمته بصفتك وليًا للعهد؟"مالت رأسها قليلًا."لا عجب أن سمعة هذا العالم تسبق أهله."اختفت ابتس
عندما فتحت أوريليا عينيها مجددًا، وجدت نفسها أمام قصر غريب لم ترَ زخارفه من قبل.كانت المعالم مختلفة، والبناء المعماري شيئًا لم تشهده في أي من العوالم السبعة.كان هذا هو القصر الإمبراطوري للعالم الثالث.رفعت رأسها تتأمله في صمت. ارتفعت أعمدة ضخمة من الرخام الأسود، بينما غُطِّيت الجدران بطبقات كثيفة من الذهب والياقوت والزمرد حتى بدت وكأنها تحاول إبهار الزائر بالقوة بدلًا من الذوق.لم يكن في القصر أي انسجام.كل زاوية تصرخ بالمبالغة.كل تمثال، وكل عمود، وكل نافذة كانت تحمل عشرات النقوش التي لا يجمعها أي تناسق، وكأن من صمم المكان ظن أن تكديس الثروات وحده يكفي لصنع الفخامة.قلبت أوريليا عينيها باشمئزاز.حقًا؟ ذهب وياقوت؟هل ما زالوا يعيشون في العصر الحجري؟منذ قرون توقفت الممالك الراقية عن استخدام الذهب والأحجار الكريمة بهذه الطريقة الفجة، حتى تيجان الملوك أصبحت أكثر بساطة وأناقة من هذا العبث.لم يكن ذلك قصرًا إمبراطوريًا في نظرها...بل استعراضًا بائسًا للثراء.تابعت سيرها وهي تتأمل الحديقة الممتدة أمام القصر.تجمدت خطواتها للحظة.لم تكن الأزهار تشبه شيئًا رأته من قبل.كانت بتلاتها سميكة،
خرجت أوريليا من مكتب الإمبراطور بخطوات هادئة، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلقت زفرة طويلة.لم يكن رفضها للدعوة خيارًا منذ البداية.فإذا كان العالم الثالث يراقب إمبراطوريتها حقًا...فلا بد من معرفة ما يخطط له.سارت عبر الممرات الرخامية الواسعة، بينما كان الحراس ينحنون لها باحترام.توقفت أمام جناحها."استدعوا كبيرات الوصيفات."انحنت إحدى الخادمات بسرعة."أمركِ، صاحبة السمو."أكملت أوريليا طريقها الى غرفتها و هي تفكر فيما حصل بينها. وبين ماكسيل سابقا .غطت وجهها من الاحراج .ما كان عليها الهرب كطفلة ساذجة هكذا !!!سرعان ما ابعدت يدها عن وجهها عندما لاحظت نظرات الخدم المندهشة و اكملت طريقها بصمت .لو طلب منها الذهاب الى العالم الاول للقاء ولي العهد لكان ارحم لها من الذهاب الى العالم الثالث للقاء ذلك الخنزير المنحرف .كانت تعرف جيدًا سمعته السيئة. لم يكن يميز بين أميرة ونبيلة أو حتى رهينة حرب، فما دام أعجبه شيء، اعتبره ملكًا له.شدت اوريليا على قبضتها عندما تذكرت تلك المرة التي دخلت هي و ايفون القصر الامبراطوري للعالم الثالث و رأت طريقة معاملته لرهائن العوالم الاخرى .تذكرت إحدى الأميرات
خفق قلب أوريليا بعنف، فأغمضت عينيها للحظة، تحاول استعادة هدوئها. من قال إن النساء متقلبات المزاج؟ هذه المقولة تليق بالرجال أكثر... قبل لحظات كان ينظر إليها بهدوء، والآن يحاصرها بين ذراعيه، وكأنه لن يسمح لها بالفرار حتى يسمع الحقيقة. أخذت شهيقًا عميقًا، ثم رفعت رأسها ببطء. كانت عيناه لا تزالان معلقتين بها، تنتظران جوابًا لم تستطع هي نفسها إيجاده. ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت: "أنت... لم تخطئ." انعقد حاجباه أكثر. "إذًا لماذا تهربين مني؟" ساد الصمت مجددًا. أخفضت بصرها وهي تعض على شفتها السفلى بتردد. "أنا... لا أهرب منك." "حقًا؟" قالها بهدوء، لكنه لم يُخفِ عدم اقتناعه. "إذًا انظري إلي." ارتجفت رموشها. حاولت... لكن ما إن التقت عيناها بعينيه حتى اضطربت أنفاسها، فأشاحت بوجهها مرة أخرى. التقط ماكسيل ذلك في الحال. وللمرة الأولى منذ أن لحق بها... هدأت ملامحه قليلًا. كان يظن أنها غاضبة منه. أو أنها تلومه على شيء. لكن ما يراه الآن... لم يكن غضبًا. بل ارتباكًا. ارتباكًا لم يفهم سببه بعد. أرخى قبضته عن معصمها قليلًا، ثم قال بنبرة أخف: "أوري..







