Se connecterكانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.
توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد. أخرج هاتفه، واتصل بأخيه. — صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك. — حسنًا، سأخرج الآن. أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه. كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا. منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره. لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف. وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى. أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج. وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل. توقفت عيناه عليهما. كانتا تراقبانه بقلق واضح. رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال: — ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟ وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه. كانت رنا أول من تحدثت. — أبي... لقد أقلقتنا. نظر إليها صالح. — أقلقتكِ؟ — نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ ترددت لحظة قبل أن تسأله: — ماذا يريد سليمان الهاشمي حقًا؟ توقفت ابتسامة صالح للحظة. ثم عاد إليها سريعًا. — لا أعرف يا رنا. — كيف لا تعرف؟ — لأنني لو كنت أعرف، لما كنت ذاهبًا إليه الآن. حاول أن يجعل صوته هادئًا، لكن رنا كانت تعرف أباها جيدًا. كانت تستطيع أن ترى القلق المختبئ خلف كلماته. قالت: — وهل تعتقد أن الأمر يتعلق بمالك وخالد هل تظن يا أبي أنة قد عرف مكانهم؟ نظر صالح إليها، ثم أومأ ببطء. — بالطبع يتعلق بهما. ولكن لا أعرف أن كان عرف مكانهم أم لا ثم تنهد. — سليمان لم يعد إلى البلاد ويطلب مقابلتي أنا وعمك إبراهيم بعد عام كامل من أجل أن يتحدث عن الطقس أو التجارة. لم تستطع رنا منع نفسها من الارتجاف. أما ملك، فكانت صامتة. كانت تحدق في وجه أبيها وكأنها تحاول أن تقرأ ما يخفيه عنها. ثم اقتربت منه. — أبي... نظر إليها. كانت عيناها ممتلئتين بالخوف. قالت بصوت منخفض: — أرجوك... لا تفرط في مالك. تغيرت ملامح صالح. تابعت ملك، وكأنها كانت تحمل هذه الكلمات داخلها طوال الأيام الماضية: — وافق على أي شيء يريده هذا الرجل. — ملك... — أي شيء يا أبي. اقتربت منه أكثر. — حتى لو أراد قطعة من أجسادنا... شهقت رنا. أما صالح فظل ينظر إليها مذهولًا. تابعت ملك والدموع تتجمع في عينيها: — أو أراد أرواحنا. ثم وضعت يدها على صدرها. — أنا مستعدة. ارتجف صوتها. — مستعدة أن أفدي أخي وأضحي بروحي من أجله. ظل صالح صامتًا. كانت كلمات ابنته أقوى مما توقع. لم يكن يتوقع أن يصل بها الخوف إلى هذا الحد. رفع يده ووضعها على كتفها. — ملك... ما الذي تقولينه يا ابنتي؟ ثم جذبها إليه قليلًا. — اهدئي. لكن ملك لم تستطع التوقف. — أنا لا أريد شيئًا سوى أن يعود مالك يا أبي. ابتلع صالح غصته. ثم قال: — سيعود. — هل أنت متأكد؟ صمت للحظة. لم يستطع أن يقول نعم وهو لا يعرف. لكنه لم يستطع أيضًا أن يقول لا. فقال: — سأفعل كل ما أستطيع. ثم أضاف: — بل سأعطي سليمان الهاشمي كل ما نملك إذا كان هذا هو ثمن عتق رقبة مالك. رفعت ملك عينيها إليه. — حقًا؟ أومأ صالح. — نعم. ثم قال بثبات: — المال يُعوض، والأرض تُعوض، وكل شيء في هذه الدنيا يمكن تعويضه... إلا الولد. كانت تلك الكلمات تحمل من الألم ما جعل ملك تخفض رأسها وتبكي بصمت. لكن قبل أن يكمل صالح حديثه، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. كان إبراهيم. ضغط زر الإجابة. — نعم يا إبراهيم؟ جاءه صوت أخيه من الطرف الآخر: — أين أنت يا صالح؟ أنا أنتظرك منذ دقائق. الطريق طويل، ولا أريد أن نتأخر عن الموعد. نظر صالح إلى ابنتيه. ثم قال: — حسنًا، أنا نازل الآن. أغلق الهاتف. ثم التفت إلى رنا وملك. — رنا، خذي أختك وادخلا إلى أمكما. قالت رنا: — ولكن يا أبي... قاطعها بلطف: — هونّي على أمك وأختك يا ابنتي. ثم نظر إلى ملك. كان وجهها شاحبًا. فقال: — وأنتِ يا ملك... اقترب منها، ووضع يده على رأسها. — لا تخافي. سكت لحظة. ثم قال: — سأجلب لكم مالك. ارتجفت شفتا ملك، واندفعت الدموع من عينيها. — أبي... ابتسم لها. — فقط ادعي لنا بالتوفيق. ثم استدار وبدأ يبتعد. لكن قبل أن يصل إلى الدرج، توقف للحظة. لم يلتفت إليهما. ظل واقفًا وظهره لهما. كانت كلمات ملك لا تزال تتردد داخل رأسه. «حتى لو أراد قطعة من أجسادنا أو أرواحنا...» أغمض عينيه للحظة. لم يكن يريد أن يعترف حتى لنفسه بأنه خاف. لكن قلبه لم يكن مطمئنًا. لماذا شعرت ابنته بهذا الرعب؟ ولماذا شعر هو نفسه منذ أن تلقى رسالة سليمان بأن الأمر أكبر من مجرد قصاص أو دية؟ فتح عينيه. ثم قال في نفسه: يا رب... لا تجعل مخاوفنا حقيقة. نزل الدرج مسرعًا. وفي الأسفل كان إبراهيم ينتظره داخل السيارة. فتح صالح الباب وصعد إلى جوار أخيه. نظر إليه إبراهيم وقال: — أخيرًا. ابتسم صالح ابتسامة باهتة. — هيا. تحركت السيارة. وبقي صالح صامتًا طوال الطريق، بينما كانت صورة ملك لا تفارق ذهنه. ابنته التي طلبت منه أن يعطي سليمان كل شيء مقابل مالك. لم يكن يعرف أن كلماتها لم تكن مجرد خوف عابر. وأنه بعد وقت قصير جدًا... سيتمنى لو كان يستطيع أن يعطي سليمان كل ما يملك فعلًا. لأن ما سيطلبه سليمان الهاشمي منهم... لن يكون مالًا. ولا أرضًا. ولا حتى اعتذارًا. بل شيئًا سيغير حياة ملك إلى الأبد.خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—
كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س
في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي
مرَّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تتعمد الركض بنا نحو ذلك اليوم الذي لم يكن أحد منا يريد أن يأتي.وها قد جاء.اليوم الذي سيذهب فيه أبي وعمي إبراهيم إلى منزل سليمان الهاشمي.اليوم الذي انتظرناه جميعًا بقلوب مرتجفة، ندعو الله من أعماقنا أن ينتهي اللقاء على خير، وأن يكون هناك مخرج من تلك الكارثة التي أرهقت عائلتنا لأكثر من عام.لكنني...لم أكن مطمئنة.منذ أن استيقظت هذا الصباح، وأنا أشعر بشيء غريب يضغط على صدري.لم يكن مجرد خوف عادي.كنت خائفة...بل مرعوبة.ذلك الشعور الذي يجعلك عاجزًا عن تفسير ما يحدث بداخلك، وكأن قلبك يعرف شيئًا لم يصل إلى عقلك بعد.كان أبي جالسًا في مكتبه، وقد أغلق الباب على نفسه منذ الصباح، ينتظر مجيء عمي إبراهيم حتى يذهبا معًا إلى اللقاء المتفق عليه.وقبل أن يدخل أبي إلى مكتبه، قال بصرامة:— لا أريد أن يدخل عليَّ أحد، ولا أريد إزعاجًا من أي شخص.ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس على الأريكة المقابلة لباب مكتبه، أنتظر خروجه.لم أكن أعرف ماذا يفعل في الداخل.ربما يراجع بعض الأوراق.ربما يتحدث مع أحد رجال العائلة.وربما...كان يحاول أن يستجمع شجاعته للقاء رجل مثل سليمان اله
خرجت من غرفتي على صوت أمي وهي تناديني، وقد تناسيت ذلك الشعور الغريب بالقلق الذي انتابني قبل قليل، أو ربما أقنعت نفسي بأنني لا داعي لأن أقلق من شيء لا أعرفه.وجدت أمي تنتظرني أمام باب غرفتها.وقبل أن أصل إليها، قالت وهي تنظر إليّ بشيء من الضيق المصطنع:— ما الأمر يا ملك؟ أنا أنادي عليك منذ مدة!ابتسمت وأنا أقترب منها وقلت:— لا شيء يا أمي، كنت شاردة ولم أسمعك، وما إن سمعت صوتك حتى أتيت فورًا.هزت أمي رأسها وقالت:— حسنًا. لقد ذهب أبوك إلى عمله منذ مدة، وعمتك فاطمة والعاملة في المطبخ بدأتا إعداد طعام الغداء. اذهبي وساعديهما، فأنا أشعر ببعض الإرهاق وسآخذ دوائي وأستريح قليلًا، ثم أنضم إليكم في المطبخ.اقتربت منها أكثر، ووضعت يدي حول كتفيها، ثم نظرت إلى وجهها بقلق.— أمي...قالت وهي تنظر إليّ:— ماذا؟— أرجوكِ، إذا كنتِ متعبة فلا تخفي عني الأمر. سأخذك أنا وهيثم إلى المستشفى.ابتسمت ليلى بحنان، ثم قالت:— لا يا ملك، حقًا أنا بخير. كل ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا ليلة أمس.ضيقت عيني وأنا أتفحص وجهها.— أرجوك يا أمي، أخبريني بالحقيقة.ضحكت أمي بخفة، وقالت:— قلت لك إنني بخير ولست متعبة.ثم د
استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.ثم أدرت رأسي ببطء.غرفتي...كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.لكن كيف وصلت إلى هنا؟آخر شيء أتذكره هو...الغرفة.أمي.صوت صراخي.الملابس التي ألقيتها أرضًا...ثم...لا شيء.حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.كان أبي جالسًا على طرف السرير.ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.التقت عيناي بعينيه.وبقينا نتبادل النظرات في صمت.لم أبدأ الحديث.ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:— ملك...كيف حالك يا ابنتي؟بماذا تشعرين؟ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.كل شيء.كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.كل شيء عاد د