All Chapters of ملاك أسيرة للشيطان : Chapter 1 - Chapter 10

19 Chapters

1

جلس ذلك الرجل المتجبر خلف مكتبه الفخم، متكئًا إلى ظهر مقعده الجلدي، بينما ارتسمت على وجهه ملامح دهشة لم ينجح، رغم قسوته، في إخفائها.لم يكن يصدق ما التقطته أذناه قبل لحظات.راح يحدث نفسه في صمت، وعيناه لا تفارقان الرجل الجالس أمامه.أهذا الرجل مختل العقل؟أم أنه جاء ينسج تلك القصة السخيفة طمعًا في حفنة من المال؟أم أن وراء حضوره غاية أخرى لا علاقة لها بالنقود؟وهل ظن، ولو للحظة، أنه يجلس أمام رجل يمكن خداعه بتلك السهولة؟ألم يعرف سليمان الهاشمى من قبل أن يجرؤ على الوقوف أمامه؟ألم يخبره أحد بما يستطيع فعله بمن يكذب عليه؟ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لكنها كانت ابتسامة لا تبشر بخير، ثم مال بجسده إلى الخلف وهو يزفر ببطء."يبدو أن كيس الملاكمة الخاص بي جاء إليّ بنفسه اليوم... لم أعد بحاجة إلى الذهاب إلى النادي."قالها في نفسه، قبل أن يرفع بصره إلى الرجل، متصنعًا هدوءًا لا يشبه ما يدور داخله.ثم سأله بنبرة ثابتة، تخفي خلفها عاصفة من الغضب:— حقًا...؟ وماذا رأيت أيضًا؟لم يتردد الرجل لحظة، بل أجابه بثقة أربكت سليمان أكثر مما أربكته الكلمات نفسها.— ليس لدي المزيد لأقوله... لكن لدي ما أ
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

2

خرج سليمان من مكتبه كالإعصار، يسبق الريح بخطواته، وعيناه لا تريان سوى وجه واحد... وجه تلك المرأة التي عادت من الموت.كان عقله يصرخ، بينما قلبه يخوض حربًا لا يعلم من سينتصر فيها.جزء منه يتمنى أن يصل إليها قبل أن تغادر.وجزء آخر... كان يتوسل إليها أن ترحل قبل وصوله.لأنه، وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد يثق بنفسه.لم يعد يعلم ماذا سيفعل إن وقعت عيناه عليها.أيقتلها لأنها خدعته؟أم يحتضنها لأنها لا تزال على قيد الحياة؟---لكن قبل أن يصل ذلك الإعصار إلى وجهته...دعونا نعود بالزمن ست سنوات إلى الوراء...إلى اليوم الذي بدأت فيه الحكاية.---وقفت ملك أمام نافذة غرفتها، تزيح الستارة قليلًا، بينما كانت أشعة الصباح الأولى تتسلل إلى داخل الغرفة.توقفت عيناها على سيارة سوداء فاخرة توقفت أمام منزلهم.ضيقت عينيها قليلًا.إنها سيارة عمها الأكبر.عقدت حاجبيها في حيرة.ما الذي جاء به في هذا الوقت المبكر؟لم تتجاوز الساعة الثامنة صباحًا، ولم يكن من عادته أن يزورهم في مثل هذا الموعد.إذن...لا بد أن هناك أمرًا جللًا.أغلقت النافذة ببطء، ثم عادت لتجلس على طرف سريرها، بينما راحت أصابعها تعبث بطرف حجابها
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

3

أغمضت ملك عينيها للحظة، وكأنها تعود بذاكرتها إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي غيّر حياة الجميع.كان كل شيء واضحًا في ذهنها، وكأنه حدث بالأمس.عُثر على جثة سليم الهاشمي بعد ثلاثة أيام فقط من اختفاء شقيقها التوأم، مالك، وابن عمها خالد.في ذلك الصباح، خرج الاثنان من المنزل وهما يخبران الجميع أنهما متوجهان إلى إحدى مناطق الصحراء المعروفة بكثرة الطرائد، لقضاء يوم في الصيد، كما اعتادا بين الحين والآخر.لم يثر الأمر ريبة أحد.ابتسمت لهما والدتهما، ودعت لهما بعودة سالمة، ولوحت لهما ملك حتى اختفت سيارتهما عن الأنظار.لكن...لم يعودا مع غروب الشمس.في البداية، ظنت العائلة أن رحلتهما قد طالت، أو أن شبكة الاتصال انقطعت في عمق الصحراء.اتصلوا بهاتفيهما مرة تلو الأخرى.لكن كلا الهاتفين كانا مغلقين.ومع مرور الساعات، بدأ القلق يتسلل إلى القلوب.خرج الرجال يبحثون عنهما في كل مكان.جابت السيارات الطرق الصحراوية.وسألوا كل من يمكن أن يكون قد رآهما.لكن...لم يكن هناك أي أثر.وظل الوضع على حاله حتى صباح اليوم الثالث.اليوم الذي انقلبت فيه حياتهم رأسًا على عقب.انتشر الخبر في المنطقة كلها كالنار في الهشيم."مق
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

4

ولم يكن ما يزيد خوفنا سوى حقيقة يعرفها الجميع.فعلى مدار سنوات طويلة، ومنذ أن خضعت عائلات منطقتنا لأعراف كبار وشيوخ العشائر، لم يحدث قط أن تنازلت عائلة عن دم قتيلها.أبدًا.حتى أولئك الذين كانوا يعيشون في ضيق شديد، وكانت الدية كفيلة بانتشالهم من الفقر، لم يبيعوا دماء أبنائهم بالمال.كانوا يختارون القصاص، مهما بلغت حاجتهم.فكيف سيكون الحال مع سليمان الهاشمي؟ذلك الرجل الذي يُعد واحدًا من أكبر أثرياء البلاد، وليس منطقتنا فحسب.في بلدته يمتلك عشرات المنازل، والمزارع الشاسعة، والأراضي الممتدة التي تكاد تعادل نصف المنطقة.أما شركاته المنتشرة في أنحاء البلاد، بل وخارجها أيضًا، فحدِّث ولا حرج.كان المال بالنسبة إليه مجرد رقم.ولذلك، لم يكن أحد يتوقع أن يلين قلبه أو يقبل الدية.ومع ذلك...لم يفقد والدي وعمي الأمل.ولم نفقده نحن أيضًا.في كل ليلة، كنا نرفع أيدينا إلى السماء، ندعو الله أن يبدل القلوب، وأن يكتب العفو بدلًا من الدم، وأن يأتي اليوم الذي يعود فيه مالك وخالد، وتنتهي هذه الكارثة التي سرقت منا طعم الحياة.انتبهت من شرودي على صوت أمي وهي تمسح ما تبقى من دموعها بطرف حجابها، محاولة أن تب
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

5

في مجلس الرجال، حيث خيّم الصمت الثقيل على أرجاء المكان، جلس إبراهيم الراجحي إلى جوار شقيقه الأصغر صالح، وكلٌّ منهما يحمل فوق كتفيه همًّا يكاد يسحقه.كان إبراهيم، الشقيق الأكبر، رجلًا تجاوز الخمسين من عمره، عُرف بين أبناء عشيرته بالحكمة ورجاحة العقل، لكن السنوات الأخيرة سرقت من وجهه كثيرًا من ملامح الطمأنينة، حتى غزا الشيب رأسه قبل أوانه.رزقه الله ثلاثة أبناء كانوا أغلى ما يملك في هذه الحياة.خالد...ابنه البكر، ذو السبعة والعشرين عامًا، والذي كان يعده امتدادًا له، وسنده بعد أن يشتد به العمر. وكان خطيب ملك..ثم يوسف، الابن الأوسط، البالغ من العمر خمسةً وعشرين عامًا.وأخيرًا ابنته الوحيدة، شهد، ذات الثلاثة والعشرين عامًا، مدللة العائلة وصاحبة القلب الرقيق.لطالما تمنى إبراهيم أن يرزقه الله عددًا أكبر من الأبناء، لكن زوجته عانت سنوات طويلة من مشكلات صحية أخرت حملها، حتى منّ الله عليها بأطفالها الثلاثة.وبعد ولادة شهد، أصيبت بمرض خطير في الرحم، أنهى حلم الإنجاب إلى الأبد.لذلك، لم يكن إبراهيم يرى أبناءه مجرد أولاد...بل كانوا حياته كلها.وكانت فكرة فقدان أحدهم كفيلة بتحطيمه.ولهذا، لم يك
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

6

في المطبخ، وقفت ملك تراقب الباب الخارجي حتى اختفت رنا عن أنظارها.كانت شقيقتها قد غادرت قبل دقائق، بعدما اتصلت بها شهد، ابنة عمها، واتفقتا على الذهاب إلى الجامعة معًا كعادتهما.أغلقت ملك الباب بهدوء، ثم عادت إلى الداخل.كانت طعام الإفطار قد أصبح جاهزة بالكامل، ولم يتبقَّ سوى أن يخرج والدها وعمها من مجلس الرجال حتى تقدم الطعام.جلست على أحد المقاعد الخشبية، وأسندت ظهرها إليه في إرهاق، ثم أطلقت زفرة طويلة خرجت من أعماق صدرها.ساد المطبخ هدوء ثقيل، لم يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط.أما عقلها...فلم يعرف الهدوء منذ زمن.مر أكثر من عام...عام كامل لم ترَ فيه شقيقها التوأم، مالك.لم تسمع صوته.ولم تطمئن عليه.ولم تعرف حتى إن كان لا يزال حيًا... أم أن القدر خبأ لهم مصيبة أكبر.أغمضت عينيها ببطء، واستسلمت لذاكرتها.راحت تسترجع سنوات طفولتهما معًا.كيف كان يسرق حلواها ثم يضحك وهو يهرب منها في أرجاء المنزل.وكيف كان يختبئ خلف والدتهما كلما قررت الانتقام منه.ابتسمت رغمًا عنها.ثم تذكرت يومًا آخر، حين وضع لها ضفدعًا صغيرًا داخل حقيبتها المدرسية، فصرخت حتى تجمع أهل البيت جميعًا، ب
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

7

تسللت إلى ذهن ملك بقية تفاصيل ذلك اليوم، وكأن السنوات لم تمضِ، وكأنها ما زالت تجلس حول مائدة الطعام، تستمع إلى الحديث الذي غيّر مسار حياتها بأكملها.كان أفراد العائلة مجتمعين حول مائدة الغداء، يتبادلون الأحاديث المعتادة، قبل أن يسود الصمت فجأة حين تنحنح والدها، صالح، وقال بصوت هادئ:— لدي أمر أريد أن أتحدث معكم بشأنه.التفتت إليه جميع الأنظار.وبدأ يقص عليهم ما دار بينه وبين شقيقه إبراهيم، منذ طلب خالد يد ملك وحتى الحديث الذي انتهى إليه اللقاء.وما إن فرغ من حديثه، حتى نهض حسن من مقعده بعصبية، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه.قال بصوت مرتفع:— ماذا؟! وما علاقة خطبتي لشهد بخطبة خالد لملك؟ثم التفت إلى والده، وأضاف بانفعال:— هل إذا رفضنا، سيرفض عمي زواجي من شهد؟تنهد صالح تنهيدة طويلة، ثم قال وهو يخفض بصره:— نعم... هذا ما لمح إليه عمك إبراهيم.ساد الصمت.كان الخبر أثقل مما توقع الجميع.أما ملك، فشعرت وكأن الكلمات سقطت فوق رأسها دفعة واحدة.لم تكن تتخيل أن يأتي يوم يُطرح فيه اسمها في مثل هذا الحديث، وبهذه السرعة.وقبل أن تستوعب ما يجري، سمعت صوت مالك يشق ذلك الصمت.قال وهو ينظر إلى والده
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

8

وبعد مرور عام كامل على الخطبة...كان كل شيء يسير بهدوء، حتى جاء ذلك اليوم الذي لم تكن تعلم أنه سيكون آخر يوم ترى فيه شقيقها.تذكرت ملك صباح ذلك اليوم بكل تفاصيله، وكأنه لم يغادر ذاكرتها قط.دخل مالك إلى المنزل وهو يحمل حقيبته الصغيرة، وعلى وجهه ابتسامته المعتادة التي كانت تبعث الطمأنينة في قلبها مهما اشتدت الظروف.قال وهو يتجه نحو الباب:— سأخرج في رحلة صيد مع خالد، لن نتأخر كثيرًا.لم يستغرب أحد الأمر.فمنذ أن تدخل العم إبراهيم وألزم خالد باحترام شروط الخطبة، تغيرت الأمور كثيرًا.خلال ذلك العام، حاول خالد أكثر من مرة أن يتواصل مع ملك، سواء برسالة أو بمكالمة أو حتى بلقاء عابر.لكنها كانت تصده في كل مرة.ولم تكن تخفي الأمر عن والدها.كان صالح يذهب في كل مرة إلى شقيقه إبراهيم غاضبًا، ويعاتبه بشدة لأن ابنه لم يلتزم بالاتفاق الذي تم بين العائلتين.كان يقول له بوضوح:— اتفقنا ألا يشغل خالد ابنتي عن دراستها، فإن لم يلتزم، فسألغي الخطبة من أساسها.وكان إبراهيم، في كل مرة، يعتذر لشقيقه، ثم يقول بحزم:— اطمئن يا صالح، سأحاسبه بنفسي، ولن يحدث إلا ما يرضيك.ومنذ ذلك الحين...لاحظ الجميع أن خالد
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

10

سبقتُ والدي إلى صالة المنزل، فوجدتُ والدتي قد انتهت من ترتيب مائدة الإفطار، وكانت تقف بجوارها في انتظار خروجنا.رغم ابتسامتها الهادئة، لم يكن الحزن الذي يسكن عينيها يخفى على أحد، حتى وإن حاولت جاهدة أن تواريه خلف ملامحها الثابتة.اقتربت منها وأنا أقول بلومٍ رقيق:— أمي... لماذا أتعبتِ نفسك؟ كنتُ سأقوم بكل شيء.ابتسمت لي ابتسامة باهتة، ثم قالت بحنان:— لا بأس يا ملك، أنتِ بذلتِ جهدًا كبيرًا في إعداد الطعام، ولم أرد أن أتركك تقومين بكل شيء وحدك.تنهدت في استسلام، ثم قلت:— حسنًا... سأذهب لإيقاظ البقية حتى نجتمع جميعًا على المائدة.هزت رأسها قائلة:— لا داعي لإيقاظ حسن، فقد خرج منذ الصباح الباكر، كما أن رنا ذهبت إلى الجامعة بعد أن اتصلت بها شهد.ثم أردفت وهي تشير بيدها نحو الطابق العلوي:— أيقظي عمتك فاطمة، وأخاك هيثم... وإياكِ أن تعودي من دونه.ضحكت بخفة، ووضعت يدي على صدري في حركة مسرحية، ثم قلت:— لا تقلقي يا أمي... سأحضره، ولو اضطررت إلى سحبه من أذنه!ابتسمت
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status