Share

ملاك أسيرة للشيطان
ملاك أسيرة للشيطان
Author: قصص وحكايات

1

last update publish date: 2026-08-04 21:44:50

جلس ذلك الرجل المتجبر خلف مكتبه الفخم، متكئًا إلى ظهر مقعده الجلدي، بينما ارتسمت على وجهه ملامح دهشة لم ينجح، رغم قسوته، في إخفائها.

لم يكن يصدق ما التقطته أذناه قبل لحظات.

راح يحدث نفسه في صمت، وعيناه لا تفارقان الرجل الجالس أمامه.

أهذا الرجل مختل العقل؟

أم أنه جاء ينسج تلك القصة السخيفة طمعًا في حفنة من المال؟

أم أن وراء حضوره غاية أخرى لا علاقة لها بالنقود؟

وهل ظن، ولو للحظة، أنه يجلس أمام رجل يمكن خداعه بتلك السهولة؟

ألم يعرف سليمان  الهاشمى من قبل أن يجرؤ على الوقوف أمامه؟

ألم يخبره أحد بما يستطيع فعله بمن يكذب عليه؟

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لكنها كانت ابتسامة لا تبشر بخير، ثم مال بجسده إلى الخلف وهو يزفر ببطء.

"يبدو أن كيس الملاكمة الخاص بي جاء إليّ بنفسه اليوم... لم أعد بحاجة إلى الذهاب إلى النادي."

قالها في نفسه، قبل أن يرفع بصره إلى الرجل، متصنعًا هدوءًا لا يشبه ما يدور داخله.

ثم سأله بنبرة ثابتة، تخفي خلفها عاصفة من الغضب:

— حقًا...؟ وماذا رأيت أيضًا؟

لم يتردد الرجل لحظة، بل أجابه بثقة أربكت سليمان أكثر مما أربكته الكلمات نفسها.

— ليس لدي المزيد لأقوله... لكن لدي ما أُريك إياه، يا سيد سليمان.

أدخل يده إلى جيب سترته، وأخرج هاتفه المحمول بهدوء، ثم فتحه وأخذ يتنقل بين الملفات لبضع ثوانٍ.

ساد الصمت في الغرفة.

صمت ثقيل... خانق.

حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.

وأخيرًا فتح مقطعًا مصورًا، ثم مد الهاتف أمام سليمان.

في البداية لم ينظر إليه.

ظل يحدق في وجه الرجل المقابل، وكأنه يبحث في عينيه عن أي ارتباك... عن أي إشارة تدل على أنه يكذب.

لكن الثقة التي كانت ترتسم على ملامحه زلزلت شيئًا في أعماقه.

ابتلع ريقه بصعوبة.

ثم أدار رأسه ببطء نحو شاشة الهاتف.

ثانية...

ثانيتان...

ثلاث ثوانٍ...

وفجأة...

ارتجفت أصابع يده قبل أن تمتد نحو الهاتف.

أمسكه ببطء، وكأن وزنه أصبح أطنانًا، ثم ثبت نظره على الشاشة.

واتسعت عيناه إلى أقصى حد.

توقف الزمن.

نسي كيف يتنفس.

وتحولت دقات قلبه إلى طرقات عنيفة تكاد تمزق صدره.

لا...

هذا مستحيل...

كيف...؟

كيف يمكن أن يحدث هذا؟

هل يعود الموتى إلى الحياة؟

لقد دفنها بيديه.

كان هو من أنزلها إلى قبرها.

كان هو من ألقى حفنات التراب الأخيرة فوق جسدها.

وقف يبكي عند قبرها حتى جفت دموعه.

عاش ثلاث سنوات كاملة يحمل ذنبها فوق كتفيه، يجلد نفسه كل ليلة، ويكاد يفقد عقله من شدة الندم.

حتى إنه اقترب أكثر من مرة من تدمير حياته، بعدما صار تأنيب ضميره يلتهمه ببطء.

كان من الممكن أن يقنع نفسه بأنها مجرد امرأة تشبهها.

لكن...

ذلك الرجل الذي يقف إلى جوارها...

ذلك الوجه الذي يعرفه أكثر من معرفته لنفسه...

أدهم......خالة ادهم 

كان يتحدث إليها بهدوء، وكأنه يطمئنها، وكأنها لم تمت يومًا.

تجمدت ملامح سليمان.

ثم بدأت الحقيقة تتسلل إلى عقله ببطء قاتل.

لقد خدعوه...

جميعهم.

كان هو الأحمق الوحيد في تلك المسرحية.

رأوا انهياره.

شهدوا حزنه.

استمعوا إلى صرخاته.

ورأوا كيف كان ينهار يومًا بعد يوم.

وأدهم...

ذلك الرجل الذي كان يقف إلى جواره، يربت على كتفه، ويواسيه كل ليلة...

كان يعرف الحقيقة منذ البداية.

همس سليمان بصوت خرج مبحوحًا من بين شفتيه:

— إذًا... كنتَ تخدعني أنت أيضًا... يا خالى ادهم 

تحولت ملامحه تدريجيًا.

اختفت الصدمة.

وحل محلها شيء أكثر رعبًا.

الغضب.

الغضب الذي يولد بعد الخيانة.

برزت عروق جبينه بوضوح، واحمرت عيناه حتى بدتا كجمرتين مشتعـلتين، بينما بدأت قطرات العرق تتجمع فوق جبينه رغم برودة الغرفة.

قبض على الهاتف بقوة حتى كاد يحطمه بين أصابعه.

ثم همس بصوت مرعب، لم يكن موجَّهًا لأحد سوى نفسه:

— اهربي...

كان صوته منخفضًا...

لكن كل حرف فيه كان يحمل وعدًا بالموت.

— اهربي... فهذا أفضل لكِ.

لأنكِ إن وقعتِ بين يدي...

فلن يرحمك أحد.

وفي لحظة انفجر غضبه.

قذف الهاتف بقوة حتى ارتطم بالحائط وتناثر صوته في أنحاء المكتب.

ثم اندفع نحو الباب بخطوات سريعة، قبل أن يتوقف فجأة ويلتفت إلى الرجل الذي أحضر المقطع.

سأله بحدة كادت تزلزل المكان:

— هل أقلعت الطائرة؟

ارتبك الرجل من هيئته، ثم أجاب سريعًا:

— لا أعلم، يا سيد سليمان. كل ما عرفته أنهم أوقفوها في المطار بسبب مشكلة في أوراق السفر. وكانت تنتظر حتى ينهي السيد أدهم الأمر... وبعد ذلك انقطعت أخباري، ولا أعرف إن كانت المشكلة قد حُلَّت... أم أنها ما زالت هناك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملاك أسيرة للشيطان    19

    خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—

  • ملاك أسيرة للشيطان    18

    كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س

  • ملاك أسيرة للشيطان    17

    في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي

  • ملاك أسيرة للشيطان    16

    مرَّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تتعمد الركض بنا نحو ذلك اليوم الذي لم يكن أحد منا يريد أن يأتي.وها قد جاء.اليوم الذي سيذهب فيه أبي وعمي إبراهيم إلى منزل سليمان الهاشمي.اليوم الذي انتظرناه جميعًا بقلوب مرتجفة، ندعو الله من أعماقنا أن ينتهي اللقاء على خير، وأن يكون هناك مخرج من تلك الكارثة التي أرهقت عائلتنا لأكثر من عام.لكنني...لم أكن مطمئنة.منذ أن استيقظت هذا الصباح، وأنا أشعر بشيء غريب يضغط على صدري.لم يكن مجرد خوف عادي.كنت خائفة...بل مرعوبة.ذلك الشعور الذي يجعلك عاجزًا عن تفسير ما يحدث بداخلك، وكأن قلبك يعرف شيئًا لم يصل إلى عقلك بعد.كان أبي جالسًا في مكتبه، وقد أغلق الباب على نفسه منذ الصباح، ينتظر مجيء عمي إبراهيم حتى يذهبا معًا إلى اللقاء المتفق عليه.وقبل أن يدخل أبي إلى مكتبه، قال بصرامة:— لا أريد أن يدخل عليَّ أحد، ولا أريد إزعاجًا من أي شخص.ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس على الأريكة المقابلة لباب مكتبه، أنتظر خروجه.لم أكن أعرف ماذا يفعل في الداخل.ربما يراجع بعض الأوراق.ربما يتحدث مع أحد رجال العائلة.وربما...كان يحاول أن يستجمع شجاعته للقاء رجل مثل سليمان اله

  • ملاك أسيرة للشيطان    15

    خرجت من غرفتي على صوت أمي وهي تناديني، وقد تناسيت ذلك الشعور الغريب بالقلق الذي انتابني قبل قليل، أو ربما أقنعت نفسي بأنني لا داعي لأن أقلق من شيء لا أعرفه.وجدت أمي تنتظرني أمام باب غرفتها.وقبل أن أصل إليها، قالت وهي تنظر إليّ بشيء من الضيق المصطنع:— ما الأمر يا ملك؟ أنا أنادي عليك منذ مدة!ابتسمت وأنا أقترب منها وقلت:— لا شيء يا أمي، كنت شاردة ولم أسمعك، وما إن سمعت صوتك حتى أتيت فورًا.هزت أمي رأسها وقالت:— حسنًا. لقد ذهب أبوك إلى عمله منذ مدة، وعمتك فاطمة والعاملة في المطبخ بدأتا إعداد طعام الغداء. اذهبي وساعديهما، فأنا أشعر ببعض الإرهاق وسآخذ دوائي وأستريح قليلًا، ثم أنضم إليكم في المطبخ.اقتربت منها أكثر، ووضعت يدي حول كتفيها، ثم نظرت إلى وجهها بقلق.— أمي...قالت وهي تنظر إليّ:— ماذا؟— أرجوكِ، إذا كنتِ متعبة فلا تخفي عني الأمر. سأخذك أنا وهيثم إلى المستشفى.ابتسمت ليلى بحنان، ثم قالت:— لا يا ملك، حقًا أنا بخير. كل ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا ليلة أمس.ضيقت عيني وأنا أتفحص وجهها.— أرجوك يا أمي، أخبريني بالحقيقة.ضحكت أمي بخفة، وقالت:— قلت لك إنني بخير ولست متعبة.ثم د

  • ملاك أسيرة للشيطان    14

    استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.ثم أدرت رأسي ببطء.غرفتي...كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.لكن كيف وصلت إلى هنا؟آخر شيء أتذكره هو...الغرفة.أمي.صوت صراخي.الملابس التي ألقيتها أرضًا...ثم...لا شيء.حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.كان أبي جالسًا على طرف السرير.ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.التقت عيناي بعينيه.وبقينا نتبادل النظرات في صمت.لم أبدأ الحديث.ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:— ملك...كيف حالك يا ابنتي؟بماذا تشعرين؟ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.كل شيء.كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.كل شيء عاد د

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status