Se connecterخرج سليمان من مكتبه كالإعصار، يسبق الريح بخطواته، وعيناه لا تريان سوى وجه واحد... وجه تلك المرأة التي عادت من الموت.
كان عقله يصرخ، بينما قلبه يخوض حربًا لا يعلم من سينتصر فيها. جزء منه يتمنى أن يصل إليها قبل أن تغادر. وجزء آخر... كان يتوسل إليها أن ترحل قبل وصوله. لأنه، وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد يثق بنفسه. لم يعد يعلم ماذا سيفعل إن وقعت عيناه عليها. أيقتلها لأنها خدعته؟ أم يحتضنها لأنها لا تزال على قيد الحياة؟ --- لكن قبل أن يصل ذلك الإعصار إلى وجهته... دعونا نعود بالزمن ست سنوات إلى الوراء... إلى اليوم الذي بدأت فيه الحكاية. --- وقفت ملك أمام نافذة غرفتها، تزيح الستارة قليلًا، بينما كانت أشعة الصباح الأولى تتسلل إلى داخل الغرفة. توقفت عيناها على سيارة سوداء فاخرة توقفت أمام منزلهم. ضيقت عينيها قليلًا. إنها سيارة عمها الأكبر. عقدت حاجبيها في حيرة. ما الذي جاء به في هذا الوقت المبكر؟ لم تتجاوز الساعة الثامنة صباحًا، ولم يكن من عادته أن يزورهم في مثل هذا الموعد. إذن... لا بد أن هناك أمرًا جللًا. أغلقت النافذة ببطء، ثم عادت لتجلس على طرف سريرها، بينما راحت أصابعها تعبث بطرف حجابها في توتر. كانت تشعر أن قلبها يخبرها بأن شيئًا مصيريًا يحدث في الأسفل. مرت دقائق ثقيلة، بدت لها كأنها ساعات. ثم نهضت فجأة وكأنها اتخذت قرارها. ارتدت ملابسها على عجل، ثم أحكمت لف حجابها حول رأسها، وغادرت غرفتها متجهة إلى غرفة والدتها. كانت تعلم أن وجود عمها يعني أن والدها يجلس معه الآن في الطابق السفلي. طرقت الباب طرقات خفيفة. فجاءها صوت والدتها المنهك: — ادخلي يا ملك. دفعت الباب ببطء. وما إن دخلت حتى تجمدت خطواتها. كانت والدتها، ليلى، تجلس على حافة السرير، بينما كانت الدموع تنهمر على خديها بلا توقف. أسرعت إليها ملك، وارتمت بين ذراعيها تحتضنها بقوة. ثم سألتها بقلق بالغ: — أمي... ماذا حدث؟ لماذا تبكين؟ ولماذا جاء عمي في هذا الوقت؟ شهقت ليلى قبل أن تمسح دموعها المرتجفة، وقالت بصوت مختنق: — لا أعلم يا ابنتي... كل ما أعرفه أن عمك اتصل بوالدك قبل ساعة واحدة فقط، وأخبره أنه قادم لأمر بالغ الأهمية. وما إن أغلق والدك الهاتف حتى تغير وجهه تمامًا... حاولت أن أعرف منه شيئًا، لكنه لم يجبني، ونزل مسرعًا لاستقبال أخيك. ثم انفجرت بالبكاء من جديد. ربتت ملك على ظهرها بحنان، وقالت وهي تحاول أن تبدو قوية: — اهدئي يا أمي... ربما جاء بخبر كنا ننتظره جميعًا. ربما انتهى الأمر أخيرًا. رفعت ليلى رأسها إليها، وقد غلبها الخوف. — أو ربما حدث العكس... ربما ازدادت الأمور تعقيدًا. والله يا ملك، قلبي ليس مطمئنًا. أشعر منذ أيام أن مصيبة تقترب منا. ابتسمت ملك ابتسامة باهتة، أخفت خلفها بحرًا من الخوف. — لا تقولي ذلك، أرجوك. لا أريد أن يرتفع ضغطك أكثر. بإذن الله سيكون كل شيء بخير. كانت تتحدث بثبات... لكنها من الداخل كانت أكثر شخص يرتجف خوفًا. فذلك الأمر الذي يتحدثون عنه لم يكن يخص شخصًا غريبًا. بل كان يخص نصف روحها. توأمها... مالك. كيف لها ألا تخاف؟ لقد نشآ معًا، وضحكا معًا، وبكيا معًا. كانت تشعر بألمه قبل أن ينطق به، ويشعر هو بحزنها قبل أن تبوح به. لكن منذ اليوم الذي اختفى فيه مع ابن عمه خالد، خطيبها، لم تعرف العائلة طعم الراحة. كانا قد غادرا في . رحلة صي في الصحراء ثم... وصل الخبر الذي قلب حياتهم جميعًا. لقد قُتل سليم الهاشمي. الابن الأصغر لعائلة الهاشمي، إحدى أقوى العائلات في المنطقة. وكان آخر من شوهد معه... مالك. وخالد. ومنذ ذلك اليوم، اختفى الاثنان وكأن الأرض قد ابتلعتهما. لم يعثر أحد على أثر لهما. ولا على دليل واحد يقود إليهما. ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ الاجتماعات بين كبار عائلة الراجحي وشيوخ العشائر المجاورة. كان الجميع يسعى إلى إتمام الصلح مع عائلة الهاشمي قبل أن تشتعل نار الثأر. فعلى الرغم من أن عائلة الراجحي كانت من أكبر العائلات وأكثرها نفوذًا في المنطقة، فإن اسم الهاشمي وحده كان كفيلًا بإثارة الهيبة في قلوب الجميع. إسم تهتز لة عائلات وعشائر.لذلك عندما عُثرا على جثة سليم في عمق الصحراء. وقد كانت رصاصة مستقرة في قلبه. أما جسده... فقد نهشته الذئاب بعدما ظل ملقى هناك أيامًا حينها، اتخذ سليمان الهاشمي قرارًا أدهش الجميع. رفض تشريح جثمان شقيقه. وأغلق القضية قبل أن تبدأ. ولم يوجه الاتهام إلى أحد، مستغلًا نفوذه وسلطته الواسعة. لكن الجميع كانوا يعلمون أن ذلك الصمت... لم يكن عفوًا. بل كان بداية انتقام. دفن شقيقه بيديه. ورفض استقبال المعزين. ثم وقف أمام قبره، وأقسم قسمًا لم يجرؤ أحد على مقاطعته فيه. "لن يهدأ لي بال... حتى آخذ بثأر أخي بيدي."قال لها سليمان وهو لا يزال يحتضنها من الخلف، وقد اقترب بوجهه من وجهها، ثم همس في أذنها بصوت هادئ: — أتريدين أن تعرفي ماذا يعني أن تُسعديني؟ يمكنني أن أعرّفكِ الآن، في هذه اللحظة، كيف يمكنكِ أن تُسعديني. فهمت ملك قصده على الفور. انتفضت فجأة، وأبعدت يده عن خصرها، ثم ابتعدت بجسدها عنه بأسرع ما استطاعت. استدارت نحوه، ورفعت يدها أمامه بإشارة تحذير واضحة، وقالت بغضب ممزوج بالارتجاف: — غير مسموح لك أن تقترب مني أو تلمسني. وإذا كررت هذه الحركة مرة أخرى، فقد أقتلك يا سليمان، هل فهمت؟ قد أقتلك! انفجر سليمان في الضحك. ضحك ضحكًا هستيريًا، وكأن تهديدها بقتله كان أكثر شيء مضحك سمعه في حياته. أما ملك، فكانت واقفة أمامه ترتجف من شدة الصدمة. لم تستطع استيعاب ما حدث منذ لحظات. كيف تجرأ على احتضانها بهذه الطريقة؟ وكيف تجرأ على الاقتراب منها والهمس في أذنها بتلك الإيحاءات والكلمات؟ كانت تشعر بالغضب والإهانة والخوف في الوقت نفسه. وبعد أن انتهى سليمان من ضحكه، نظر إليها وقال: — لدي فضول حقيقي لأعرف... كيف ستقتلينني؟ أخبريني، كيف ستقتلينني؟ رفعت ملك رأسها إليه، وقالت بغضب: — لا تشغل بالك بذل
مشى سليمان عائدًا إلى القصر، وكانت ملك تسير خلفه بخطوات مترددة. كانت تشعر بالقهر والحزن، وما زالت آثار الموقف الذي مرت به منذ قليل عالقة في داخلها. وصل الاثنان إلى القصر، ودخل سليمان أولًا، ثم اتجه مباشرة إلى الدرج وصعده. لكن بعد أن قطع عدة درجات، لم يسمع صوت خطوات ملك خلفه. توقف سليمان، ثم التفت إلى الخلف ليرى ما الذي أخرها. فوجدها لا تزال واقفة عند أول درجة من السلم، تحدق في الأرض، وكأنها عاجزة عن اتخاذ القرار. ظل ينظر إليها دون أن ينطق بكلمة واحدة. كان ينتظر فقط ليرى ماذا ستفعل. أما ملك، فكان الأمر صعبًا عليها للغاية. لم تكن تريد الصعود إلى الطابق العلوي، لأنها كانت تخشى سليمان، وتخشى أكثر من ذلك أنه لا يضع حدودًا لتصرفاته معها، وأنه قد يتمادى في أي لحظة أو يفعل شيئًا يؤذيها. لكنها تذكرت التهديد الذي أطلقه عليها منذ قليل، وتذكرت ما فعله بها، وما جعلها تشعر به من رعب. وأدركت أن الأمر في الحالتين لن ينتهي لصالحها. سواء صعدت الآن ونفذت أمره، أو ظلت في مكانها ورفضت... ستكون هي الخاسرة في النهاية. أخذت نفسًا عميقًا. ثم استسلمت للأمر الواقع. رفعت قدمها، وصعدت أول درجة. وم
لم يجبها. — فقط ابقَ أنت في الأسفل، وسأصعد وأنظفه ثم أنزل! واصل السير دون أن يلتفت إليها. ازدادت سرعة خطواته. بدأت ملك تشعر بأن الخوف يسيطر عليها تمامًا. — أرجوك يا سليمان... ثم رفعت صوتها قليلًا: — حسنًا، سأفعل ما تريد. سأفعل ما تقوله، ولن أعصي أوامرك مرة أخرى. لم يجب. كانت تحاول إيقافه بكل قوتها، لكنه كان يسحبها خلفه دون أن يمنح كلماتها أي اهتمام. — أرجوك... بدأ صوتها يضعف. — لا تأخذني إلى هناك... ثم قالت وهي تكاد تبكي: — أرجوك، لا تأخذني إلى الكلاب. لكن سليمان لم يرد. استمرت في توسله، حتى شعرت أنها بدأت تذل نفسها أمامه. كانت تطلب منه الرحمة، وتكرر أنها ستنفذ أوامره، بينما هو لا يجيبها حتى. وحين أدركت أنه لا يستمع إليها، وأنه لا يمنح كلماتها أي قيمة، سكتت. لم يعد لديها ما تقوله. استسلمت للأمر الواقع. حتى لو كان يريد إيذاءها... ماذا يمكنها أن تفعل؟ لم يكن في يدها شيء. بدأت دموعها تنزل بصمت على خديها. وبعد لحظات، رأت سليمان يتجه بها نحو القبر. توقفت أنفاسها. شعرت أن قلبها سيتوقف من شدة الرعب. هل وصل الأمر إلى النهاية؟ اقترب سليم
الفصل — ثمن العصيان وقف سليمان عند آخر درجة من سُلَّم القصر، وظل ينظر إلى ملك دون أن ينطق بكلمة واحدة. لاحظت ملك وجوده، فتوقفت يدها عن الحركة، وثبتت في مكانها وهي تمسك بأداة التنظيف. رفعت عينيها إليه، وظلت تحدق فيه للحظات، بينما كانت أفكار كثيرة تتصارع داخل رأسها. لماذا يقف وينظر إليَّ هكذا؟ ماذا يريد أن يفعل؟ شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلها، لكنها حاولت بكل ما تستطيع ألا يظهر شيء منه على وجهها. لم تكن تريد أن يرى خوفها، وكانت تخشى أن يستغله ضدها، أو يستخدمه ليجعلها تتراجع في كل مرة تعترض فيها على أمر لا تستطيع تنفيذه. لذلك تماسكت، وأبقت ملامحها ثابتة قدر الإمكان. أما نظرات سليمان، فكانت غامضة إلى درجة أربكتها. لم تستطع أن تفهم ما يدور في رأسه. كان وجهه متجمدًا، ساكنًا، لا يظهر عليه غضب واضح، ولا يبدو عليه أي انفعال آخر. مجرد نظرة ثابتة لا تعرف كيف تفسرها. ثم... خطا سليمان الدرجة الأخيرة، وتقدم نحوها بخطوات هادئة. لم يكن مستعجلًا، ولم يرفع صوته، لكن هدوءه كان أكثر إثارة للخوف من الغضب نفسه. حتى وقف أمامها، ثم قال بنبرة باردة: — كيف استطعتِ أن تعصي أمري؟ رفعت مل
خرجت ملك من باب القصر، وبدأت عملها في إزالة الثلج المتراكم فوق الممر المؤدي إلى البوابة الخارجية للقصر. كان الطريق مغطى بطبقة سميكة من الثلج، وكانت هذه المرة أكثر كثافة من المرة السابقة، الأمر الذي جعل المهمة أصعب بكثير. أمسكت المجرفة وبدأت تدفع الثلج بعيدًا عن الممر. كانت يداها تؤلمانها من شدة البرودة، وأنفاسها تخرج على هيئة سحب بيضاء صغيرة، بينما أخذ جسدها يرتجف من قسوة الطقس. ومع ذلك، لم تتوقف. كانت تعرف أن التوقف لن يفيدها بشيء. فواصلت العمل. دقيقة بعد أخرى... وساعة بعد أخرى... حتى تمكنت أخيرًا من الوصول إلى المكان نفسه الذي توقفت عنده في المرة السابقة. وبمجرد أن وصلت إليه، ظهر أحد الحراس أمامها. قال لها بلهجة حازمة: — هذا آخر مكان مسموح لكِ بالوصول إليه. نحن سنتولى الباقي. نظرت ملك إلى الطريق الذي أمامها، ثم إلى الحارس، وقد شعرت بالغضب يتصاعد داخلها. — حقًا؟ لم ينتظر الحارس ردًا، بل أمسك بالأدوات وبدأ هو ومن معه في إكمال العمل. اشتد غضب ملك. وفي لحظة، رمت المجرفة على الأرض بكل ما لديها من غيظ، وقالت في سرها: "طالما أنهم هم من سيكملون العمل، فلماذا لا يبدأون به م
استيقظت ملك في ذلك الصباح على غير عادتها، ومن دون أن تأتي ماري لإيقاظها. فتحت عينيها ببطء، ثم جلست على طرف السرير وهي تشعر بضيق شديد. كان هناك شيء واحد يزعجها منذ استيقاظها... رائحة فضلات الخيل. رفعت ملك يدها إلى ملابسها، ثم بدأت تشم نفسها باستياء، وعقدت حاجبيها في اشمئزاز. كانت تشعر بأن الرائحة ما زالت عالقة بها، رغم أنها استحمت أكثر من مرة في اليوم السابق. وكلما تذكرت ما فعلته بالأمس، عندما أجبرها سليمان على تنظيف إسطبل الخيول، عادت الرائحة إلى أنفها من جديد، وكأنها لم تفارقها أصلًا. — يا إلهي... قالتها بضيق وهي تشم ملابسها مرة أخرى. — لماذا ما زلت أشم تلك الرائحة؟ كانت تشعر بالاشمئزاز والغضب في الوقت نفسه. وكلما تذكرت سليمان، ازداد غضبها أكثر. ذلك الرجل أجبرها على تنظيف فضلات الخيل! هي التي لم تتخيل في حياتها أن تضطر إلى القيام بمثل هذا العمل، وجدته يفرضه عليها وكأنه أمر طبيعي. بدأت تسبه في سرها، وتلعن ذلك اليوم الذي وقعت فيه تحت سيطرته. ثم نهضت من مكانها واتجهت إلى الحمام من جديد. غسلت جسدها بعناية، ثم خرجت وبدلت ملابسها بالكامل، وبعدها أخذت زجاجة العطر التي كانت ق







