Share

عرين الاسد

last update Tanggal publikasi: 2026-06-26 11:06:59

خطواتها كانت ثقيلة، كأنها تسحل معها أطناناً من ذكريات ماضٍ تبرأ منها قبل أن تتبرأ منه. دلفت "تاليا" إلى ردهة القصر الشاسعة وعيناها مسمّرتان في الأرض، ترفض أن تنظر لأعلى ليس فقط التزاماً بدور الخادمة المستكينة، بل خوفاً من أن تفضحها عيناها الزرقاوان الكامنتان خلف عدساتها البنية الباهتة.

كانت الست تهاني تسير أمامها بخطوات عسكرية صارمة، تقودها لتُعرفها على "سعاد هانم"، سيدة القصر الأولى وزوجة أحمد بيه الشامي. في تلك اللحظات، كان هناك إعصار من النيران يشتعل داخل صدر تاليا. عقلها لم يكف عن الصراخ، ونبضات قلبها تحولت إلى مطارق تدق في رأسها بعنف: *"منذ عامين فقط.. عامين اثنين لا أكثر، كنتُ أجلس في مدرجات كلية الطب، أرتدي المعطف الأبيض، ممسكة بمبضع الجراح، أستعد لأكون طبيبة يشار إليها بالبنان.. والآن؟ الآن أرتدي زي الخدم، أطأطئ رأسي، وأغير ملامح وجهي لأتحول إلى نكرة، خادمة في بيوت الأثرياء فقط لأجد ما أنفق به على أمي المختبئة في ذلك البيت المتهالك، ولأستمر في رحلة البحث عن هذا الوحش الذي كان أبي!"*

حاولت تاليا استجماع شتات نفسها، واستدعت في مخيلتها صور الخادمات اللواتي كنّ يعملن في بيتها القديم أيام رغدها؛ كيف كانت نبرات أصواتهن، وكيف كانت حركاتهن الخاضعة. طوّعت جسدها المرتجف ليناسب الدور، فشبكت يديها أمام بطنها بكبرياء جريح، وتكلمت بصوت منخفض يكاد لا يُسمع، ناظرة إلى الأرض بخجل مصطنع يخفي كبرياءً ينزف.

قطعت حبل أفكارها النبرة الحادة والباردة لصوت "سعاد هانم" وهي تسأل بكبرياء مقيت:

* "ما اسمكِ يا فتاة؟"

ابتلعت تاليا غصتها، وجاهدت لتخرج الحروف متزنة:

* "اسمي.. تاليا."

ولم تتمكن من منع فضولها الطبي وفطرتها، فرفعت نظرة واحدة سريعة لأعلى، لتستكشف ملامح السيدة التي ستتحكم في مصيرها للأيام القادمة. كانت تلك النظرة الخاطفة كفيلة بأن تبث الرعب في أوصالها؛ وجه سعاد هانم كان خالياً من أي تعبير إنساني، ملامح جامدة كصخر صوان، وعينان حادتان كالصقر لا تعرفان الرحمة. في تلك اللحظة، أدركت تاليا بيقين تام أن الأيام القادمة تحت سقف هذا القصر لن تكون سهلة أبداً، وأنها تخطو فوق أرض ألغام قد تنفجر في وجهها مع أي زلة.

أثناء وقوف تاليا مستسلمة لنظرات التقييم الصارمة، انشق سكون الردهة الفخمة على صوت جلبة وبكاء مرير يأتي من جهة الممر الطويل. التفت الجميع ليدخل أحد حراس القصر ضخم الجثة، وهو يمسك بعنف من ذراعها فتاة صغيرة السن، يبدو أنها إحدى عاملات النظافة، كانت تبكي بحرقة وتتوسل بكلمات متقطعة.

تقدم الحارس نحو سعاد هانم، ودفع الفتاة بخفوت لتجثو على ركبتيها، وقال بصوت غليظ:

* "ها هي يا سيدتي.. قبضنا عليها قبل أن تغادر البوابة الجانبية."

وقفت سعاد هانم من مجلِسها بهيبة طاغية، وتحركت بخطوات بطيئة واثقة نحو الفتاة الباكية. امتدت يد السيدة لتناول الفتاه قلما على وجهها كان كافيا ليوقعها ارضا

كان المشهد صادماً ومفاجئاً تالياً التي لم تعتد رؤية هذه الوحشية الإنسانية. أصدرت تاليا شهقة عالية، مدوية، واندفعت غريزتها الطبية والإنسانية فوراً لتهب مسرعة وتساعد الفتاة التي سقطت أرضاً تتأوه وتنزف دموعاً ودماً. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، امتدت يد الست تهاني الفولاذية وجذبت تاليا بقوة من ذراعها، وضغطت عليها بأصابعها كالكلاب الحديدية، وهمست بنبرة مرعبة في أذنها:

* "اثبتي في مكانكِ.. لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ إن كنتِ تريدين الخروج من هنا حية!"

تراجعت تاليا، وجسدها كله يرتجف، بينما تابعت سعاد هانم استجوابها للفتاة المطروحة أرضاً دون أن ترمش لها عين، وقالت بنبرة تقطر سماً:

* "أين السلسلة الذهبية التي سرقتيها؟"

صاحت الفتاة وهي تخفي وجهها بيديها المرتجفتين:

* "والله لم آخذ شيئاً يا هانم! أنا مظلومة، لم أمد يدي على حلالكم أبداً!"

ضاقت عينا سعاد هانم، والتفتت للحارس بنظرة آمرة، وأشارت بيدها قائلة في برود:

* "خذوها.. اجعلوها تتكلم بطريقتكم."

انقض الحارس وحارس آخر على الفتاة المنهارة، وجذبوها بقوة وقسوة نحو الخارج، وصوت صراخها واستغاثتها يتردد صداه في أرجاء الردهة الرخامية حتى تلاشى بعيداً. في تلك اللحظة، تملك الرعب الكامل من تاليا؛ شعرت أن الدماء تجمدت في عروقها، واكتشفت أن هذا القصر ليس مجرد بيت لثرى عريق، بل هو معقل لوحوش كاسرة لا تقيم وزناً للبشر، وأن خطأ واحداً هنا قد يكلفها حياتها.

ولكن، كأن القدر أراد أن يريها التناقض الصارخ لهذا العالم المظلم، انكسر هذا الرعب فجأة بصوت خطوات صغيرة وسريعة، تلاها صوت طفل صغير يركض بفرح طفولي نقي، متخطياً الممرات، ليرتمي في أحضان سعاد هانم وهو يصيح باشتياق:

* "جدتي! لقد اشتقتُ إليكِ كثيراً!"

وهنا، حدثت المعجزة التي لم تصدقها عينا تاليا. تحولت سعاد هانم في لمح البصر؛ انمحت القسوة من وجهها، وذابت الملامح الصخرية لترتسم مكانها ابتسامة حانية دافئة. انحنت السيدة وضمت حفيدها إلى صدرها بشغف وضعف إنساني عجيب، هامسة بكلمات حب دافئة، وكأنها لم تكن منذ ثوانٍ فقط تأمر بتعذيب فتاة مسكينة.

تبعت خطوات الطفل دخول رجل وسيم، يبدو في أوائل الثلاثينيات من عمره، يرتدي حلة أنيقة يفوح منها عطر فاخر. كان هو "نبيل"، ابن سعاد هانم. دخل وهو يبتسم ضاحكاً، واضعاً يديه في جيبيه، وقال بنبرة متهكمة وهو ينظر باتجاه الممر الذي سُحبت منه الفتاة:

* "ماذا فعلت هذه الفتاة المسكينة مجدداً يا أمي ليُحكم عليها بالإعدام في الصباح الباكر؟"

ردت سعاد هانم وهي تعدل من هندام حفيدها الصغير:

* "سرقت سلسلتي الذهبية النادرة.. والأمانة هنا خط أحمر لا تهاون فيه."

التفت نبيل، ووقع نظره فجأة على تاليا الواقفة بجوار تهاني كتمثال من شمع. كانت تاليا عاجزة عن إخفاء رعبها؛ جسدها يرتجف بوضوح، وعيناها البنيتان المزيفة متسعتان من الفزع، ووجهها المصبوغ بالسمرة يبدو شاحباً كالموت.

لمح نبيل هذا الخوف، فخطا خطوات نحوها وهو يبتسم ضاحكاً، وقال بنبرة ساخرة ليخفف من تشنج الموقف، أو ربما ليتسلى برعبها:

* "وماذا سرقتِ أنتِ أيضاً لتكوني بهذا الرعب؟"

انتفضت تاليا، وظنت لوهلة أن قناعها قد سقط، فردت بنبرة مرعوبة، وصوت متهدج يكاد يخرج من حنجرتها:

* "أنا.. أنا لم أسرق شيئاً.. والله لم أسرق!"

ضحكت تهاني محاولة تلطيف الأجواء والدفاع عن تاليا تماشياً مع توصية علوي بيه، وقالت:

* "يا نبيل بيه، هذا هو يومها الأول في العمل بالقصر، ولم تستوعب قوانين المكان بعد."

نظر إليها نبيل بتمعن، وابتسامته تزداد اتساعاً، ثم قال لتاليا بنبرة ضاحكة:

* "إذاً.. نصيحة مني، أمامكِ فرصة ذهبية للهروب الآن قبل أن يُغلق عليكِ هذا الحصن!"

لم يعجب هذا المزاح سعاد هانم. نظرت إلى ابنها بحدة، وقالت بصوت عالٍ وحازم قطع ضحكاته:

* "نبيل!"

ثم التفتت إلى رئيسة الخدم وأشارت بيدها إشارة آمرة:

* "تهاني.. خذي هذه الفتاة وانصرفي بها إلى المطبخ فوراً."

أومأت تهاني مسرعة، وجذبت تاليا التي كانت كالمغيبة من فرط الخوف، وتحركتا بسرعة نحو الممرات الخلفية للقصر. وقبل أن تبتعدا تماماً، تناهى إلى مسامع تاليا صوت سعاد هانم وهي توبخ ابنها بنبرة جافة:

* "ألم أقل لكَ مراراً وتكراراً يا نبيل ألا تضحك مع الخدم؟ اجعل بينك وبينهم جداراً عازلاً من الهيبة، حتى لا يطمعوا فينا أو يفقدوا احترامهم لك!"

انحنى نبيل الساخر، وقال بنبرة يملؤها الخنوع والتمثيل:

* "حاضر يا مولاتي.. أمركِ مطاع."

داخل المطبخ الشاسع والمجهز بأحدث الآلات، تركت تهاني ذراع تاليا، وزفرت ببطء وهي تنظر إلى وجه الفتاة المرتعبة. تغيرت نبرة تهاني قليلاً، لتصبح أقل قسوة، وقالت وهي تضع يدها على كتف تاليا:

* "لا تخافي يا تاليا.. سعاد هانم ليست شريرة كما تبدو لكِ الآن. هي فقط امرأة تحب النظام، والأمانة عندها فوق كل شيء. من يخلص لها يعش في خيرها، ومن يخونها لا يلومن إلا نفسه. هيا، انسي ما رأيتِ، واغسلي وجهكِ، فلدينا عمل كثير.. لنبدأ بإعداد وجبة الفطور أولاً."

تحركت تاليا نحو الحوض، وفتحت المياه لتغسل وجهها، وهي تنظر إلى انعكاس صورتها المشوهة في بريق رخام الحائط. علمت بيقين أن حياتها القديمة ماتت، وأنها الآن في وسط حقل تجارب مرعب؛ بين أسرار المافيا التي تطاردها في الخارج، وقسوة هذا القصر الذي تعمل فيه في الداخل. تنهدت بعمق، وبدأت أولى خطواتها في العمل، وعقلها لا يكف عن التساؤل عن الخطوة القادمة.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • من هو أبي   الفصل مائه وخمسه

    وقف عزيز على ركبتيه فوق الأرض السيراميكية الباردة، وجسده يرتجف بعنف إثر الصدمة، والأنفاس تتلاحق في صدره كأنه يركض في مضمار للموت. نظر حوله برعب؛ رأى ابن أخته نبيل مكبلاً بالحبال إلى العمود الرخامي والدماء تسيل من فمه، ورأى منار هانم تقف بوجه شاحب كالأموات بجوار ابنتها تاليا التي كانت تنظر إليه بعيون فيروزية متسعة يملؤها الشك، والغل، والانكسار. وفوق رؤوسهم جميعاً ، كان رأفت الدمنهوري يقف كملك الموت، ممسكاً بمسدسه والشرر يتطاير من عينيه القاسيتين. بلع عزيز ريقه بصعوبة، وتطلع إلى تاليا بنظرة استعطاف باكية ، وصاح بصوت متحشرج يملؤه الندم والخوف: "تاليا... يا ابنتي، أقسم لكِ بالله العلي العظيم أنا لم أكن أعرف! لم أكن أعرف أنكِ ابنة تلك السيدة المسكينة التي كانت في الغيبوبة قبل واحد وعشرين عاماً.. لو كنتُ أعلم، لكنتُ جئتُ إليكِ وأخبرتكِ بكل شيء من تلقاء نفسي ولم أترككِ تعيشين هذا العذاب! أنا لم أفعل شيئاً سيئاً لوالدتكِ إطلاقاً.. أنا لم ألمسها!". تحرك رأفت خطوة نحو الأمام، وهبط بمؤخرة مسدسه على كتف عزيز بعنف جعل الرجل يئن ألمًا، وصرخ فيه برعد زلزل أركان الصا

  • من هو أبي   الفصل مائه واربعه

    لم تكد كلمات نبيل تنتهي حتى تحولت الصالة الكبيرة إلى خية عمليات عسكرية يقودها رأفت الدمنهوري بكل جبروته . تراجعت النظرات القاسية لتستقر على الحراس ، وبنبرة جافة وصارمة تخلو من أي تردد، أصدر رأفت أوامره الحاسمة: "تتحركون الآن إلى المطار.. أريد عزيز هنا قبل أن تطأ قدمه أرض الطائرة، اقلبوا الدنيا ولا تعودوا بدون ذيله!". التفت رأفت إلى نبيل الذي كان الدم ما زال ينزف من زاوية فمه ، وأشار إلى الحراس بترك جَسده مقيداً بحبال غليظة إلى أحد الأعمدة الرخامية الضخمة في وسط الصالة، ليبقى تحت المراقبة المباشرة كرهينة تضمن عدم إفلات المجرم. أما منار وتاليا، فقد أمر رأفت بدفعهما بقسوة نحو غُرفة داخلية مغلقة ومعزولة في نهاية الممر السفلي ، وأوصد الحراس الباب عليهما بإحكام من الخارج ، لتلتقي الأم وابنتها في عتمة الاحتجاز، يلفهما الخوف والترقب القاتل لما سيحدث عند مواجهة الغريم. في تلك الأثناء، كانت عقارب الساعة في مطار القاهرة الدولي تقترب سريعا من موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى الخارج . كان الخال عزيز يقف في صالة المغادرة، ملامحه هادئة لكن في عمق عينيه كان يختبئ قلق مزمن رافقه لو

  • من هو أبي   الفصل مائه وثلاثة

    زلزلت كلمات نبيل أركان الصالة، وتحولت الصدمة إلى بركان من الغضب والذهول. تسمرت تاليا في مكانها لثوانٍ، وعيناها الفيروزيتان تتسعان بجنون، تحاول استيعاب أن الخيط الأخير، والسر البشع الذي طالما بحثت عنه، كان مخبأً في جعبة زوجها. ارتجف جسد تاليا بالكامل، ونظرت إلى نبيل بنظرات امتزج فيها الانكسار بالخيانة، وصرخت بصوت متهدج مزق سكون المكان: "ماذا تقول؟! خالي عزيز؟! هل كنت تنوي ألا تخبرني؟! كيف أمكنك ذلك؟! كيف خبأت عني أمراً كهذا وأنت تراني أموت في اليوم ألف مرة؟!". تلاحقت أنفاسها، واهتزت نبرتها بمرارة قاتلة وهي تتابع: "أنت خائن يا نبيل... خائن! أنا أكرهك! أكرهك!". وسقطت مجدداً على ركبتيها، بينما انهمرت دموعها بغزارة، تضرب الأرض بقبضتيها المقيدتين وهي تشعر بأن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الشخص الوحيد الذي وثقت به قد طعنها في ظهرها. لم يمنح رأفت الدمنهوري لنبيل فرصة للدفاع عن نفسه أو تبرير موقفه؛ فقد أعمى الغضب بصيرته، وثار الدم القديم في عروقه كالبركان المشتعل. اندفع رأفت نحو نبيل كالمجندل، وقبض بيده الفولاذية على ياقة قميصه بعنف شديد، حتى كادت الأزرار ت

  • من هو أبي   الفصل مائه واثنان

    ساد صمت جنائزي ثقيل، وبدت فوهة المسدس الموجهة نحوهم كأنها بوابة مشرعة على الموت. في تلك اللحظات الرهيبة ، كان صراع طاحن يمزق رأفت من الداخل؛ فرغم كل الغضب والجبروت والتعطش للانتقام الذي أبداه، إلا أن حبه الدفين لزوجته منار، وشعوره الغامض بالأبوة نحو تاليا ، كانا يسيطران عليه خفية ويحاربان قسوته. لكن كبرياءه منعه من التراجع. رفع رأفت يده ببطء ليعطي الحارس الإشارة الأخيرة بالضغط على الزناد وإسدال الستار على هذه المأساة. "أنا أعرف الفاعل!" شق صراخ نبيل سكون الصالة القاتل، ليتجمد كل شيء في مكانه. استقرت يد رأفت في الهواء ، والتفتت الفوهات نحو نبيل مجدداً. نظر إليه رأفت بعينين ضيقتين. يملؤهما الشك، وأطلق زفيراً حاداً ممزوجاً بالسخرية . وقال بنبرة متهكمة: "الفاعل؟ الآن تذكرت؟ يبدو أنك تحاول كسب بعض الوقت الضائع لتنقذ رقابكم، . لكن ألاعيبك هذه لن تنطلي عليّ!". في تلك الأثناء، التفتت تاليا نحو نبيل، وكانت نظراتها مزيجاً حاداً من الشك، والذهول ، وعدم التصديق. شعرت بغصة في حلقها وتساؤل مرعب يدور في عقلها: كيف يعرف نبيل الفاعل وهو الذي كان يبكي معها ويخبرها أ

  • من هو أبي   الفصل المائة وواحد

    امتص الضوء الساطع الذي انفجر من الثريا الكريستالية الضخمة كل شجاعة تاليا ونبيل في ثوانٍ معدودة . كان المكان يبدو كمسرح جريمة معد سلفاً؛ الصالة الواسعة لفيلا رأفت الدمنهوري، بأثاثها الكلاسيكي الداكن وسجادها الحريري الفاخر، تحولت إلى فخ محكم. تراقصت الأضواء على زجاج النوافذ الكبيرة التي تعكس عتمة الليل في الخارج، بينما كان الصمت في الداخل يضج برعب يحبس الأنفاس. جلس رأفت على مقعده الجلدي الوثير بكامل هيبته وجبروته ، ملامحه الصارمة لم تهتز، وعيناه القاسيتان كصخر الجرانيت تصوبان نظرات ثاقبة نحو الصيد الثمين الذي وقع في شباكه. التفت برأسه ببطء نحو الممر المؤدي إلى الغرف الداخلية، حيث ظهرت منار هانم وهي تخطو خطوات وئيدة مسندة يدها على الجدار؛ كانت ملامحها تشير إلى أنها بدأت تتعافى من وعكتها الصحية الشديدة بفضل الأدوية، لكن وجهها شحب مجدداً فور رؤيتها لابنتها ونبيل في هذا الموقف الصاعق. وضع رأفت كأسه على الطاولة الخشبية الصغيرة بصوت أحدث صدى مخيفاً في أرجاء الصالة، ثم تنهد بنبرة هادئة تملؤها السخرية القاتلة وقال: "بما أنكما تشجعتما واقتحمتما حصني في هذا ا

  • من هو أبي   الفصل المائة

    عاد نبيل إلى القصر والهموم تجثم على صدره كصخرة عاتية. دخل بهو الفيلا بخطوات وئيدة، وعقله يكاد ينفجر من فرط الحقيقة البشعة التي عرفها للتو. لم يكن الألم الذي يعتصره نابعاً من غموض اللغز، بل من وضوحه القاتل؛ فالخيط الذي يبحثان عنه يقبع هنا، في الغرفة المجاورة، تحت اسم "الخال عزيز". صعد الدرج ببطء، وفي صدره غليان مبرح. كيف يخبرها؟ كيف يلتفت إلى زوجته وحبيبته تاليا، التي يمزق الخوف أحشاءها على مأمن والدتها، ليقول لها إن المتهم الأول بنبش عرض أمها هو الرجل الذي تناول معهما الإفطار صباحاً؟ كان يعلم أن تاليا في حالتها الاندفاعية الحالية قد ترتكب جناية، أو تنهار بشكل لا رجعة فيه. فآثر الصمت، صمت يمزقه هو أولاً. فتح باب غرفتهما الهادئة ليرى تاليا جالسة بجوار النافذة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، تراقب خيوط الليل العاتية وعيناها الفيروزيتان غارقتان في بحر من الدموع الصامتة. كانت تبدو كعصفور بلله المطر، ترتجف من شدة الألم واليأس. اقترب منها نبيل، وجلس على حافة المقعد، ثم مد يده ليمسح دمعة حارقة سقطت على وجنتها. نظرت إليه بعيون منكسرة وقالت بصوت متهدج يملؤه الوجع:

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status