تسجيل الدخولمر أسبوعان على الفضيحة المدوية التي عاشتها ميرفت داخل مكتب رئيس مجلس الإدارة.
تحول القصر بعدها إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الصامتة؛ ميرفت انزوت في غرفتها لا تجرؤ على مواجهة نظرات شاكر بيه الحادة، ولا نظرات معاذ الواثقة التي كانت تذبحها في كل مرة تلتقي عيونهما في الرواق. كانت نايا تعيش في هذه الأيام أجمل فترات حياتها، مستسلمة للاهتمام المفرط والحب الحقيقي الذي يغرقها فيه معاذ، والالتزام بمواعيد الأدوية والحقن التي كانت تأخذها بانتظام وثقة. وفي أحد الصباحات داخل مقر الشركة الكبرى، كانت نايا تقف مع معاذ ووالدها شاكر بيه في بهو الاستقبال لمراجعة بعض التصاميم الجديدة لفرع الإسكندرية. وفجأة، شعرت نايا ببرودة شديدة تسري في أطرافها، ودوار عنيف جعل الرؤية تتشوش أمام عينيها بالكامل. لم تستطع إسناد جسدها، فترنحت وأطلقت آهة خافتة قبل أن تغلق عينيها تماماً وتستسلم لظلام دائم. انخلع قلب معاذ من مكانه، وتحركت رجولته ولهفته بسرعة البرق؛ فالتقط جسدها النحيل ببراعة قبل أن يلمس الأرض، وصرخ بصوت هز أركان البيت: "نايا! نايا ردي عليا يا حبيبتي! إسعاف بسرعة يا جماعة!" كان شاكر بيه يقف مصدوماً، يرتجف خوفاً على ابنته الوحيدة، والدموع تجمدت في عينيه وهو يرى معاذ يحملها بين ذراعيه ويركض بها نحو سيارته، قائلاً لشاكر بيه بحسم ب: "يا شاكر بيه، اطلب الدكتور بتاعها وخليه يجهز غرفتها في المستشفى فوراً، أنا هسبقك بالعربية!" وصل الجميع إلى المستشفى الخاص، وتم إدخال نايا إلى غرفة الفحص على وجه السرعة. كان معاذ يقف خارج الغرفة يدور حول نفسه كالمجنون، يضرب قبضتيه في الحائط، ويدعو الله بقلب محروق ألا يرميه في فاجعة خسارتها، فـ نايا لم تعد مجرد زوجة على ورق، بل أصبحت هي الروح والنبض لجسده.وقف بجانبه شاكر بيه، ووضع يده على كتف معاذ وقال بصوت متهدج : "اهدأ يا معاذ يا ابني.. إن شاء الله هتكون بخير. أنا شفت خوفك عليها، وعرفت إنك شاري بنتي بجد ومش طمعان فيها.. ربنا يحفظكم لبعض." خرج الطبيب فجأة من الغرفة، وكانت ملامحه هادئة بل وتحمل ابتسامة مشرقة لم يتوقعها أحد. ركض معاذ نحوه وأمسك بتلابيب بدلته متسائلاً بلهفة عارمة: "أرجوك يا دكتور.. طمئني! ما بها نايا؟ هل ساءت حالة رحمها؟ هل نحن في خطر؟" ابتسم الطبيب برفق، وربت على كتف معاذ وتحدث الرزينة: "اهدأ يا معاذ بيه.. لا يوجد خطر على حياة زوجتك. بالعكس، المعجزة الطبية قد حدثت بالفعل! الفحوصات السريعة وتحليل الدم يؤكدان أن مدام نايا.. حامل في أسبوعها الثالث! الدوخة والإغماء هما مجرد أعراض طبيعية بسبب التغير الهرموني المكثف في جسمها." تجمد معاذ في مكانه لثوانٍ، وكأن الزمن قد توقف. اتسعت عيناه، وانهمرت دموع الفرح الحقيقية على وجنتيه. التفت إلى شاكر بيه الذي صرخ بفرحة عارمة لم يختبرها منذ سنوات : "حامل؟! بنتي نايا حامل يا دكتور؟! الحمد لله يا رب.. الحمد لله!" دخل معاذ الغرفة بسرعة، ووجد نايا قد استعادت وعيها وتجلس على السرير الطبي بملامح شاحبة ولكن عيناها تلمعان بالدموع بعد أن أخبرتها الممرضة بالخبر. ارتمى معاذ في حضنها وقبل رأسها ووجهها ويديها بفيض من العواطف الجارفة، وهمس في أذنها ب بصوت باكٍ: "عملناها يا نايا.. المعجزة حصلت وبقيتي أم، وهتبقى أحلى أم في الدنيا.. أنا بحبك أوي." ضمت نايا وجهه بيديها الدافئتين وقالت وسط دموع الفرح: "أنا مش مصدقة يا معاذ.. ربنا استجاب لينا، والرحم المريض شال حتة منك.. أنا بحبك أكتر يا منقذي وسندي." دخل شاكر بيه الغرفة، واحتضن ابنته بحنان شديد، وقبل جبينها وقال وعيناه تلمعان بفخر: "مبروك يا قلب أبوكي.. مبروك يا أم الوريث الأول لعيلة السيوفي. رفعتي راسي، والشركة وكل الميراث بقوا بتوعك وبتوع ابنك من النهاردة، ومفيش مخلوق يقدر ينطق بحرف." في المساء، عاد الجميع إلى القصر الفاخر. كان الخبر قد وصل إلى ميرفت عبر خدمها، فنزلت إلى الصالة الرئيسية وعيناها تتطاير منهما شرارات الحقد والغل الأعمى. وقفت ميرفت بملامح مسمومة وقالت باستهزاء: "مبروك يا نايا هانم.. مبروك يا معاذ بيه. لحقتوا نفسكم وعملتوا اللعبة صح عشان تقشوا كل حاجة.. بس ياترى الحمل ده حقيقي ولا حتة تزوير تانية من بتاعتكم؟" قبل أن تنطق نايا بحرف، تقدم معاذ خطوة ووقف كالجدار العازل أمام ميرفت، ونظر إليها بنظرات قاتلة جعلتها تتراجع خطوة للخلف، وتحدث القاطعة: "الزمي حدودكِ يا ميرفت هانم! زوجتي نايا تحمل وريث هذه العائلة، وأي كلمة، أو تلميح، أو حركة طائشة منكِ تهدد سلامتها أو سلامة طفلي.. سأعتبرها إعلان حرب شخصي ضدي. وأنتِ تعلمين جيداً ماذا يمكن أن يفعل معاذ عندما يغضب.. احذري تماماً." أمسك معاذ بيد نايا وصعد بها إلى الجناح الفاخر، تاركين ميرفت تغلي في دمائها وتتوعد بخراب القصر فوق رؤوسهم.في الطابق السفلي، كان شاكر بيه يجلس في مكتبه الخاص، يتأمل صورة زوجته الراحلة والدة نايا. تذكر ملامح ميرفت المسمومة وتهديدات معاذ الصارمة لها. شعر شاكر بيه بوخزة ضمير وخوف حقيقي؛ فهو يعلم خبث مراته ميرفت، ويعلم أنها قادرة على ارتكاب أي حماقة أو مكيدة مسمومة لإجهاض نايا وحرمانها من هذا الحلم لتفسد شرط الميراث. التقط شاكر بيه هاتفه الخاص، واتصل برقم شخص غامض ومحترف في أعمال الحراسة والمراقبة الخاصة : "أهلو يا سليم.. اسمعني كويس. أنت من النهاردة هتعين أربعة من رجالتك الموثوقين يراقبوا ميرفت مراتي في كل خطوة برة البيت وجوة البيت.. وتراقبوا تليفونها وتحركاتها.. بنتي نايا حامل، وأنا خايف ميرفت تأذيها أو تعمل لها حاجة في أكلها أو شربها.. أي نفس تتحركه ميرفت، يوصلي تقرير بيه فوراً.. مفهوم؟"رد سليم بصرامة: "مفهوم يا شاكر بيه.. اعتبر مدام نايا في أمان كامل، ورجالتي مش هيغيبوا عن مرتك ثانية واحدة." اغلق شاكر بيه الهاتف، ونظر إلى جناح نايا في الأعلى وتنهد بارتياح : "أنا ضيعت حق أمك زمان يا نايا بسبب طيبتي.. بس وحياة غلاوتك عندي، ما هسمح لأي حد يمس شعرة منكِ ولا من ابنك.. معاذ درعك في الشغل، وأنا هكون درعك في البيت." نبضات الصخر هاجر سلامةكانت الأمور في الشركة تبدو هادئة، لكن تحت الرماد كان هناك بركان يغلي. "مازن" ابن ميرفت، الذي تملكه الحقد بعد سجن والدته وطردها، قرر ألا يقف صامتاً. كان يعلم أن نقطة ضعف معاذ الوحيدة هي ماضيه مع "سيرين"، وعلم بذكائه الشيطاني أن سيرين عادت إلى البلاد سراً بعد أن أنفقت جزءاً كبيراً من أموالها في الخارج. تواصل مازن معها، وأقنعها بخطة خبيثة للانتقام من نايا واستعادة معاذ، مستغلاً عاطفته القديمة.في صباح أحد الأيام، دخل معاذ مكتبه ليفاجأ بوجود سيرين تجلس على مقعد المقابل لمكتبه، وتبكي بحرقة مصطنعة، وترتدي ملابس بسيطة لتبدو ضحية. تجمد معاذ في مكانه، واشتعلت عيناه بالغضب: "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا سيرين؟ وبأي عين جاية تظهري في حياتي تاني بعد ما بعتيني بالرخيص وخنتيني عشان الفلوس؟"ارتمت سيرين على ركبتيها أمامه، وأمسكت بيده وهي تبكي بنحيب مرير وتتحدث بصوت متهدج: "ظلمتني يا معاذ! والله العظيم أنا عمري ما خنتك ولا حبيت غيرك! نايا هانم مرأتك هي اللي عملت كل ده.. هي اللي هددتني بسجن عيلتي وتدمير حياتي لو ما سبتكش ورميت الدبلة في وشك وقبلت الفلوس عشان تبان قدامك إنها خاينة! أنا عملت كدة عشان أحم
مرت عدة أشهر كأنها حلم جميل طهر قصر السيوفي من كل سموم الماضي. بعد طرد ميرفت وسجنها بتهمة الشروع في القـتل والتزوير، عاد الهدوء الحقيقي ليتنفسه الجميع. واصلت نايا رحلة حملها التي دخلت الآن في شهرها الخامس، وبدأت بطنها تبرز بشكل طفيف ومحبب زادها جمالاً ورقة فوق جمالها الكلاسيكي. لم تكن نايا تسير خطوة واحدة دون أن تجد يد معاذ تحيط بخصرها لحمايتها، وصار القصر شاهداً على قصة عشق ولدت من رحم المعاناة والصدق.في ليلة شتوية دافئة، كانت أمطار القاهرة تهبط برقة وتضرب زجاج الشرفة الكبيرة لجناحهما الفاخر. كانت نايا تجلس على مقعد مخملي مريح، ترتدي فستاناً صوفياً واسعاً بلون البيج الدافئ، وتضع يدها فوق بطنها البارزة وهي تبتسم لقطرات المطر. اقترب معاذ من خلفها ببطء، وحمل في يده غطاءً صوفياً ناعماً وضعه فوق كتفيها، ثم انحنى وقبل عنقها برقة : "الجميل سرحان في إيه وسايبني كل ده؟ المطر برة حلو بس عيونك أنتِ أحلى بكتير يا نايا."التفتت إليه نايا وعيناها تشعان حباً وعشقاً، وأمسكت بيده وجعلته يجلس بجانبها مباشرة وتحدثت بدلال رقيق: "مش سرحانة يا حبيبي.. أنا كنت بفكر في المعجزة اللي إحنا عايشين فيها. تف
عاشت نايا في الجناح الملكي وكأنها ملكة متوجة على عرش قلب معاذ. كان الصباح يبدأ بنسمات رقيقة تدخل من الشرفة، لتجد نايا نفسها محاطة بذراعي معاذ اللتين تضمانها بحنان مفرط وكأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها من الكسر. تلاشت النسخة القديمة الشرسة من نايا تماماً، وحل محلها وجه مشرق تملأه الطمأنينة، وعينان لا تريان في الكون سوى رجلها ومنقذها.في صباح ذلك اليوم، استيقظت نايا على لمسات معاذ الرقيقة وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعرها، ويقبل وجنتها بنعومة : "صباح الخير يا أم ابني.. صباح الورد على أحلى عيون في الدنيا."ابتسمت نايا بكسل ودلال، واختبأت في صدره أكثر وهي تهمس : "صباح النور يا حبيبي.. أنا مش عايزة أقوم من السرير خالص، الدفا اللي في حضنك ده أحلى من أي حاجة في العالم."ضحك معاذ بصوت رجولي دافئ، وقبل جبينها بحنان : "مفيش قيام من السرير أصلاً يا ملكتي.. الدكتور قال الراحة التامة في أول شهرين، وأنا النهاردة واخد إجازة من الشركة ومخصص اليوم كله ليكي ولابننا.. هجيب لك الفطار لغاية عندك.تحرك معاذ وخلفه السرد التي تصف رقة مشاعره وعنايته الفائقة بها؛ فقد قام بإعداد وجبة صحية متكاملة بيده، و
مر أسبوعان على الفضيحة المدوية التي عاشتها ميرفت داخل مكتب رئيس مجلس الإدارة. تحول القصر بعدها إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الصامتة؛ ميرفت انزوت في غرفتها لا تجرؤ على مواجهة نظرات شاكر بيه الحادة، ولا نظرات معاذ الواثقة التي كانت تذبحها في كل مرة تلتقي عيونهما في الرواق. كانت نايا تعيش في هذه الأيام أجمل فترات حياتها، مستسلمة للاهتمام المفرط والحب الحقيقي الذي يغرقها فيه معاذ، والالتزام بمواعيد الأدوية والحقن التي كانت تأخذها بانتظام وثقة.وفي أحد الصباحات داخل مقر الشركة الكبرى، كانت نايا تقف مع معاذ ووالدها شاكر بيه في بهو الاستقبال لمراجعة بعض التصاميم الجديدة لفرع الإسكندرية. وفجأة، شعرت نايا ببرودة شديدة تسري في أطرافها، ودوار عنيف جعل الرؤية تتشوش أمام عينيها بالكامل. لم تستطع إسناد جسدها، فترنحت وأطلقت آهة خافتة قبل أن تغلق عينيها تماماً وتستسلم لظلام دائم.انخلع قلب معاذ من مكانه، وتحركت رجولته ولهفته بسرعة البرق؛ فالتقط جسدها النحيل ببراعة قبل أن يلمس الأرض، وصرخ بصوت هز أركان البيت: "نايا! نايا ردي عليا يا حبيبتي! إسعاف بسرعة يا جماعة!"كان شاكر بيه يقف مصدوماً، يرتجف خو
لم ينم معاذ ليلته تلك؛ كان يجلس في صالة الجناح المظلمة وعقله يعمل كآلة حسابية معقدة لا تخطئ. كان ينظر إلى باب غرفة النوم حيث تنام نايا بهدوء مستسلمة لحضن الأمان الذي منحه إياها. علم معاذ أن ميرفت لن تنتظر كثيراً، وأنها بالتأكيد ستقوم بعرض صور التحاليل والتقارير الطبية على "شاكر بيه" في أقرب فرصة لتثبت له أن نايا تخدعه، وأن زواجهما مسرحية هزلية للالتفاف على شرط الميراث.تحدث معاذ مع نفسه بصوت خفيض وعينيه تشعان بحسم حديدي: "فاكرة نفسك ذكية يا ميرفت؟ فاكرة إنك لما صورتي الورق ده هتقدري تكسري نايا وتطردينا؟ أنا هخلي الصور اللي في إيدك دي تبقى هي حبل المشنقة اللي هيتلف حوالين رقبتك ورقبة ابنك في الشركة والقصر."بمجرد الشروق، تحرك معاذ بسرعة البرق. لم يخبر نايا بأي شيء لكي لا يوتر أعصابها ويهدد خطة العلاج الاستثنائية التي تقترب من نهايتها الشافية. اتصل بالطبيب الخاص بنايا على هاتفه الشخصي، وطلب مقابلته في العيادة فوراً قبل بدء مواعيد العمل الرسمية لأمر يخص حياة نايا وأمنها.وصل معاذ إلى عيادة الطبيب الفخمة، وجلس أمامه وعلامات الجدية والصرامة ترتسم على وجهه. كانت تعبر عن هيبته في هذه ال
استمرت الأيام والأسابيع في المرور ومع كل يوم كان الحب بين نايا ومعاذ يزداد عمقاً وصلابة. أصبح معاذ هو النبض الذي يحيي قلب نايا، وكانت نايا هي الوطن الذي وجد فيه معاذ أمانه وضالته. الالتزام بالبرنامج الطبي كان دقيقاً للغاية؛ مواعيد الحقن، الأدوية، والراحة التامة كانت تحت إشراف معاذ الصارم، مما جعل صحة نايا المستقرة نسبياً تبدو كهدوء مؤقت يسبق العاصفة، فالوقت لا يزال يداعب أعصابها، والرحم المهدد ينتظر المعجزة.لكن هذا الهدوء التام كان يثير جنون السيدة ميرفت. كانت تراقب تبدل الأحوال؛ تراقب كيف تحولت تلك الفتاة الشرسة الوقحة إلى امرأة هادئة ومبتسمة، وكيف تحول الموظف البسيط إلى رجل قوي يحمي زوجته ويدير أعمال الشركة بحنكة كبار رجال الأعمال. كانت ميرفت تجلس في صالون القصر السفلي تعض أصابعها ندماً وغيظاً، وعقلها الشيطاني يملأه الشك : "الجوازة دي مش طبيعية.. فيه إنّ في الموضوع. السعادة المفاجئة دي وراها سر، وزياراتهم الأسبوعية للدكتور المستمرة دي وراها مصيبة.. نايا مخبية حاجة كبيرة، وأنا لازم أعرفها عشان أهد المعبد ده على دماغهم."انتهزت ميرفت الفرصة الذهبية التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر.







