Share

الفصل السادس

last update publish date: 2026-09-04 06:22:40

لفصل السادس: 

​لم تضيع نيرمين ثانية واحدة في البكاء المتقطع أو الندم السطحي الباهت على ما رآته بعينيها خلف زجاج المكتب الفاخر؛ فالكبرياء الجريح الذي مزق غرورها الأعمى ودمر كل أوهامها كان يغذي في أعماق روحها طاقة شيطانية مدمرة لا تقف عند أي حدود أو خطوط حمراء. أغلقت باب مكتبها الفاخر بإحكام شديد ومحكم لتعزل نفسها عن العالم الخارجي تماماً وعن أي عيون متطفلة، وجلست بمفردها أمام شاشة حاسوبها الموصول مباشرة بشبكة الملفات الداخلية الحساسة للشركة.

​كانت تدرك جيداً وبدقة بالغة ومحسوبة أن أثمن كنز يمتلكه مراد في مشوار حياته المهنية الكبرى ومشرعه الأبرز "بورتو الشرق" هو ثقته العمياء والمطلقة في الحسابات الهندسية الدقيقة التي قدمتها حبيبة بجهدها وعرقياتها المخلصة، والتي تعب الطرفان في مراجعتها وتدقيقها طوال ليالي العمل الطويلة المضنية. ولهذا السبب تحديداً، وضعت نيرمين خطتها الشريرة بعناية فائقة وحقد مكتوم يغلي في صدرها: تزوير مستندات مالية وإنشائية بالكامل منسوبة زوراً وبهتاناً إلى مكتب حبيبة، تُظهر للناظرين وجود عجز مالي وهمي خطير في ميزانية المواد الخام الأساسية، مع إرفاق رسومات هندسية مزيفة بدقة منقطعة النظير تشير إلى وجود عيوب خطيرة قد تعرض الهيكل الإنشائي للمشروع بأكمله للانهيار المفاجئ.

​لم تكن تلك الخطة الملعونة مجرد محاولة عابرة لإفساد العلاقة العاطفية بين الحبيبين فحسب، بل كانت ضربة قاصمة مقصودة بعناية فائقة لضرب كفاءة حبيبة المهنية وسمعتها الناصعة من أساسها، لتظهر أمام لجنة الإدارة العليا ومجلس الأمناء على أنها مهندسة مهملة، عديمة الأمانة، أو ربما متورطة بطريقة مباشرة في قضايا تلاعب بالمال العام وسرقة أصول الشركة.

​بعد ساعات طوال من العمل السري المضني والمتوتر والأعصاب المحترقة، نجحت نيرمين أخيراً في زرع وتثبيت تلك الملفات الخبيثة داخل الأرشيف الرقمي المخصص للمشروع، بحيث تظهر للناظرين وكأنها رُفعت خصيصاً من جهاز حبيبة الشخصي في وقت متأخر من الليل لضمان عدم كشفها بسهولة أمام المراجعات الإدارية الدورية.

​ابتسمت نيرمين بابتسامة صفراء ومرعبة تعكس سواد سريرتها وخبثها وهي تنظر بانتصار إلى شاشة حاسوبها المضيئة، وهمست بصوت خفيض يقطر شراً وحقداً دفيناً:

ـ دلوقتي بس، يقدر مراد يشوف بنفسه الوجه الحقيقي للست اللي اختارها، ويقفل بنفسه باب جنته المزعومة.

​وفي تلك الأثناء، وفي الطابق السفلي الهادئ والمفعم بالسكينة، كانت حبيبة تقف بسعادة تامة مع مراد أمام نافذة المكتب الواسعة التي تطل على المدينة، تتبادلان أحاديث خفيفة محملة بالدفء والوعود المستقبلية المؤكدة، غير آبهين نهائياً بما يُحاك لهما في الظلام الدامس من مؤامرات ودسائس وخيانات غادرة. كانت أيديهما تتلامس برقة عابرة تعكس طهارة مشاعرهما وصدقها، ولم يكن أي منهما يدرك تماماً أن العاصفة القادمة لن تقتصر أبداً على هواء الشتاء البارد، بل ستضرب بعنف وقسوة في صميم الثقة الصلبة التي بناها العشق بينهما حديثاً.

​وفي صباح اليوم التالي المشرق، انطلق الجرس الخفي للإنذار الإداري ليحطم هذا الهدوء المخادع كالصاعقة؛ حين تلقى مراد رسالة إلكترونية غامضة ومجهولة المصدر على هاتفه الشخصي المباشر، مرفقة بحزمة ملفات "بورتو الشرق" المزورة بعناية فائقة، ومذيلة بعبارة قصيرة ومقتضبة تنفث سمومها الخبيثة: "ابحث جيداً في أرشيف مهندستك المعشوقة.. السرقات الهندسية لها وجوه لطيفة أحياناً".

​تجمد الدم فجأة وبشكل كامل في عروق مراد وأطرافه، وتحولت نظراته الدافئة التي كانت تمتلئ بالغرور العاطفي والعشق نحو حبيبة إلى نظرة باردة كالصقيع، مشحونة بصدمة هائلة لا تصدق، ومحملة بأسئلة قاتلة كأرواح معذبة كادت تعصف بكل ما بينهما من أحلام وآمال في ثوانٍ معدودة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نبضات العشق   الفصل خامس عشر

    الفصل الخامس عشر والأخير: ​بعد مرور عدة أشهر، كانت شركة "العمارة الحديثة" تعيش أزهى عصورها المهنية. مشروع "بورتو الشرق" لم يقتصر على كونه مجرد مشروع هندسي ضخم، بل تحول إلى حديث السوق العقاري بأسره بفضل دقة تصاميمه، وعبقرية حساباته التي أشرفت عليها حبيبة بنفسها، مسجلةً بذلك نجاحاً ساحقاً جعل اسم «مهندسة حبيبة» يلمع في كل مكان. تقديراً لتفوقها وكفاءتها الاستثنائية، لم يكتفِ مجلس الإدارة برد اعتبارها فحسب، بل أصدر قراراً رسمياً بترقيتها لتصبح الشريكة الهندسية الأولى والمديرة التنفيذية للقسم الهندسي بجانب مراد، لتجتمع طاقاتهما معاً في قمة النجاح.​لكن الحياة لم تكن كلها مكاتب وأوراق ومشاريع؛ فبعد انتهاء ضغوط العمل الشاقة، حرص الاثنان على أخذ مساحة خاصة بعيداً عن صخب الشركة وجدرانها. كانت حبيبة تقضي بعض الوقت بمنزل أسرتها الهادئ، تستمتع بالهدوء والدفء العائلي، بينما كان مراد يزورها بانتظام، محاولاً تعويض كل لحظة قلق مرّا بها. أدرك الاثنان تماماً أن الحب الحقيقي لا يزدهر فقط بين جدران المكاتب، بل يحتاج إلى حياة حقيقية، ودفء بيتي يجمع قلبيهما بعيداً عن أعباء الحياة المهنية.​وفي ليلة خاص

  • نبضات العشق   الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر: ​مرت أسابيع قليلة معدودة، بطيئة وهادئة، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تمنح شركة "العمارة الحديثة" وموظفيها فرصة ذهبية ومطلوبة لالتقاط أنفاسهم العميقة بعد الهزات العنيفة، المروعة والمرعبة التي تعرضت لها مؤخراً وكادت تعصف بكل أساساتها. في مكتبه الواسع والفاخر، كان مراد جالساً براحة تامة على كرسيه الجلدي الوثير، يرتدي قميصه المريح والأنيق، وقد اختفت تماماً آثار الإصابة الخطيرة والأليمة من كتفه العريض، مخلّفة وراءها ندبة خفيفة، صغيرة وبسيطة تذكره دائماً بذلك اليوم العصيب والمصيري الذي كاد يفقد فيه كل شيء يملكه في ومضة عين وسرعة البرق.​لم يكن تركيزه اليوم منصباً على الإطلاق على الأرقام الحسابية المعقدة، ولا على ضغوط الميزانية الثقيلة أو خطط التطوير المستقبلية، بل كانت عيناه العسليتان تتأملان بعمق بالغ وبابتسامة دافئة وساحرة تلك الورقة الهندسية الملقاة أمامه على سطح المكتب المصقول، والتي تحمل توقيع حبيبة الواثق والأنيق، بعد أن أثبت التحقيق القانوني النهائي نظافة ذمتها المهنية والأخلاقية بالكامل ودون أدنى شائبة، وإدانة نيرمين رسمياً ودون شك بتهم التزوير الجسيم ومحاولة القت

  • نبضات العشق   الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر: ​لم تكن سيارة الإسعاف لتصل بالسرعة المطلوبة التي تمنتها وتوسلتها حبيبة بكل كيانها؛ فقد كان الوقت يجري كقطرات السم السامة في عروقها وهي تضغط بيديها المرتجفتين بقوة وعنف على جرح مراد النازف بغزارة، محاولة جاهدة منع الدماء الحارة من التسرب واستنزاف طاقته. كانت أضواء الشارع الباهتة والخافتة تتسلل ببطء عبر زجاج السيارة المهتز، مسلطة ومكشفة عن وجه مراد الشاحب كالموت، والذي كانت عيناه النصف مغمضتين تتحركان ببطء شديد وبصعوبة بالغة للبحث عن وجهها وسط ضباب الألم الجارف والظلام الذي يحيط بهما.​ـ حبيبة.. ارجعي لورا.. اهتمي بنفسك.. سيبيني ونمشي..همس بها مراد بصوت متقطع، واهن وخافت كأنه حفيف ورق جاف يحمله الريح، لتقاطع هي بكاءها العنيف وصراخها الداخلي بانهيار عصبي كامل وهي تضغط بدموعها الساخنة فوق كفه البارد:ـ اخرس خالص يا مراد! إياك تنطق بكلمة زيادة.. مش هسمحلك تسيبني وتكسرني.. سامعني؟! أنا سامحتك في كل حاجة حصلت، ونسيت كل الشك، بس تعيش.. أرجوك عيش عشاني!​في مستشفى العاصمة الكبير، تحولت الممرات المعقمة فجأة إلى ساحة طوارئ مصغرة وصاخبة؛ أطباء وممرضون يركضون بخفة وهلع حول ا

  • نبضات العشق   الفصل الثاني عشر

    ​الفصل الثاني عشر: ​لم تكن عودة انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ مجرد صدفة عادية أو عطل تقني عابر في ذلك المساء الموحش والمظلم؛ فبينما كانت عتمة المكتب الدامسة تحيط بهما من كل جانب وتجدد بداخلها ذكرى تلك الليلة الأولى والقديمة التي جمعتهما معاً وسط الخوف والتوتر، كان صمت المكان يحمل في طيات سكونه توتراً كهربائياً مختلفاً ومحرقاً. كان مراد واقفاً في الظلام على بعد خطوات معدودة منها، يحاول جاهداً وبعينين مليئتين بالرجاء كسر الجليد السميك والطويل الذي بنته بينهما الأيام، قبل أن تباغتهما فجأة أصوات غريبة، خشنة وحركة مريبة للغاية قادمة من الممر الخارجي المظلم والموحش.​وفي تلك الأثناء، وفي الظلام الدامس والرهيب خارج الغرفة، كانت عقلية شيطانية مريضة ومدمرة تتسلل بخطوات قططية وخبيثة نحو المكتب؛ كانت «نيرمين». لم تكن تلك المرأة قد غادرت حقًا دائرة الهوس الأعمى والرغبة في الانتقام، بل نجحت في التسلل والهروب المؤقت من ملاحقة الشرطة لتختبئ بذكاء في أروقة المبنى القديمة والمهملة طوال الأيام الماضية، مرتدية معطفًا داكنًا وطويلاً يخفي ملامح وجهها الشاحب والمجنون، وعيناها الدمويتان تبرقان بشرارة

  • نبضات العشق   الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشر:​بعد أن أُسدل الستار أخيراً على فصل الفضيحة المدوي وسقوط نيرمين الذريع والمدمر، غادرت نيرمين مبنى شركة "العمارة الحديثة" خاسرة كل شيء ومحملة بالخزي والعار المبرح، بينما عادت قاعة الاجتماعات الكبرى تدريجياً إلى هدوئها الحذر والساكن. لكن الهدوء البارد الذي حلّ بالمكان لم يكن سوى سكون ما بعد العاصفة الهوجاء، وخاصة بين مراد وحبيبة اللذين كانا يعيشان زلزالا داخلياً لا يقل ضراوة.​وقفت حبيبة أمام مكتبها الواسع، تنزع نظارتها الطبية ببطء شديد وبأنفاس متقطعة، وتغسل وجهها بماء بارد تحاول به جاهدة أن تطفئ نيران القهر المشتعلة وتأكل صدرها من الداخل. لم تكن فرحتها العارمة بظهور براءتها الساطعة توازي أبداً مرارة الخذلان الهائل الذي تجرعته وتذوقت علقمه حين هان عليها مراد، وانساق خلف سراب تقارير الغدر والتشكيك من اللحظة الأولى دون أن يمنحه قلبه فرصة للدفاع عنها. أخذت تجمع أدواتها الهندسية، أوراقها، ومستلزماتها الشخصية في حقيبتها بهدوء وثبات قاتل وصارم، وقد عقدت العزم النهائي والقطعي على مغادرة المكان فوراً وعدم البقاء دقيقة واحدة إضافية.​قبل أن تخطو خطوتها الأولى وثابتة خارج باب ال

  • نبضات العشق   الفصل العاشر

    ​الفصل العاشر: ​لم يتحمل الهواء الثقيل والخانق والمكهرب في أرجاء قاعة الاجتماعات الكبرى وزر الفضيحة المدوية والمرعبة التي تسببت فيها نيرمين بكل خبث ودهاء وشر مستطير. كانت شاشة العرض الكبرى المعلقة في صدر القاعة ما زالت تعرض بوضوح تام، وبجودة فائقة، لقطات كاميرات المراقبة الرقمية والمستندات التقنية التي توثق جريمتها النكراء وتلاعبها الخبيث بالتفصيل الدقيق، بينما عمّ صمت مذهول، ثقيل ومطبق أرجاء المكان لدرجة سماع دقات الأنفاس المتلاحقة للجميع.​وسط هذا السكون القاتل والمهيب الذي خيم على الحاضرين، نهضت نيرمين من مكانها ببطء شديد، وقد تحولت ملامحها المغرورة المتماسكة إلى حالة هستيرية عارمة من الجنون والانهيار العصبي الكامل. ركضت بتخبط وعشوائية نحوه، ودموعها المصطنعة تسيل بغزارة على وجنتيها الشاحبتين، بينما فتحت ذراعيها المرتجفتين تحاول يائسة تبرير ما اقترفته يداها بصوت متقطع، باهت ومرتجف بشدة يكاد يضيع في الفراغ:ـ مراد! أرجوك افهمني.. ارجوك اسمعني الأول قبل ما تحكم عليّ بالاعدام! أنا.. أنا مفعلتش كده إلا عشان بحبك بجنون وعشق أعمى! غصب عني والله العظيم.. الغيرة كانت هتموتني وتحرق قلبي من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status