تسجيل الدخولبعد دقائق طويلة من الصمت داخل مكتب بارك تايسون، أغلق ريو عينيه للحظات قبل أن يزفر بهدوء.
كان يعلم جيدًا أن الرجل الذي يجلس أمامه لن يتراجع بسهولة، كما أنه يعلم أن ماضيه لن يسمح له بالعيش بسلام إلى الأبد. - حسنًا، سأوافق. ارتسمت ابتسامة رضا على وجه تايسون وهو ينظر إليه. - كنت أعلم أنك ستتخذ القرار الصحيح. عقد ريو حاجبيه قبل أن يسأله بجدية: - وما هي المهمة؟ هز تايسون رأسه مبتسمًا. - عندما يحين الوقت المناسب، سأخبرك بكل شيء. - لا أحب العمل دون معرفة التفاصيل. - وهذه المرة عليك أن تثق بي. توقف قليلًا قبل أن يضيف بنبرة جادة: - إذا أردت حماية الفتاة التي تحبها، فعليك إنهاء كل ما يربطك بهذا العالم أولًا. لم يجب ريو هذه المرة، لكنه نهض من مكانه وغادر المبنى بهدوء. --- كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً عندما عاد إلى منزله. طوال الطريق، كان شارداً يفكر بكلمات تايسون. لقد وافق على مهمة لا يعرف عنها شيئًا، فقط لأنه يريد حماية الأشخاص المهمين بالنسبة إليه. دخل إلى منزله وألقى مفاتيحه فوق الطاولة قبل أن يتجه مباشرة إلى الحمام. فتح الماء البارد ووقف تحت الدش لفترة طويلة محاولًا ترتيب أفكاره. كيف تحولت حياته خلال بضعة أشهر فقط؟ قبل لقائه بهانا، لم يكن يتردد في سحب الزناد أو تنفيذ أي مهمة تُطلب منه. أما الآن، فقد أصبح كل قرار يتخذه مرتبطًا بشخص آخر يخشى عليه. أغلق الماء أخيرًا، ثم خرج من الحمام وهو يجفف شعره بمنشفة صغيرة. ارتدى ملابس مريحة خاصة بالمنزل، وما زال ذهنه غارقًا في التفكير. وفي تلك اللحظة، سمع صوت جرس الباب. عقد حاجبيه باستغراب، فمن الذي قد يزوره في هذا الوقت؟ فتح الباب بهدوء، لكنه تجمد قليلًا عندما رأى هانا تقف أمامه وهي تحمل كيسًا ورقيًا صغيرًا بين يديها. - هانا؟ ابتسمت له ابتسامة خفيفة، لكنها كانت تبدو قلقة بشكل واضح. - مرحبًا. - ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟ نظرت إليه للحظات قبل أن تجيب بصراحة: - لأنني كنت قلقة عليك. تفاجأ ريو من إجابتها المباشرة، بينما أكملت حديثها: - عندما غادرت المنزل بهذه السرعة، لم تجب على رسائلي طوال اليوم، لذلك أردت الاطمئنان عليك. بقي ينظر إليها لثوانٍ دون أن يعرف بماذا يجيب. - كنت منشغلًا قليلًا، لا داعي للقلق. ابتسمت بخفة وهي ترفع الكيس الذي تحمله. - كما أنني أحضرت لك بعض الحلوى التي صنعتها اليوم. نظر إلى الكيس الصغير ثم عاد ينظر إليها قبل أن يشعر بدفء غريب في صدره. حتى بعد كل ما فعله في حياته، ما زالت هذه الفتاة تأتي لتطمئن عليه بنفسها. - هل ستبقيني واقفة أمام الباب؟ سألته وهي تضحك بخفة. - بالطبع لا، تفضلي بالدخول. دخلت هانا إلى المنزل وهي تنظر حولها باستغراب. - هذه أول مرة أزور فيها منزلك. - لا يوجد شيء مميز فيه. جلست على الأريكة بينما اتجه ريو إلى المطبخ ليحضر كوبًا من العصير لها. - بالمناسبة، هذا المنزل مرتب أكثر مما توقعت. - هل كنت تعتقدين أنني أعيش وسط الفوضى؟ - قليلًا. ضحك بخفة قبل أن يجلس أمامها. - أخبريني، هل كنت قلقة إلى هذه الدرجة؟ هزت رأسها بإيجاب. - بالطبع، أنت شخص مهم بالنسبة لي يا ريو. توقفت قليلًا قبل أن تكمل بابتسامة لطيفة: - وعندما يختفي شخص مهم بالنسبة لك فجأة، فمن الطبيعي أن تقلق عليه. شعر ريو للحظة بأن كل القرارات التي اتخذها اليوم كانت صحيحة. فمهما كان الثمن الذي سيدفعه لإنهاء ماضيه، فإنه يريد مستقبلًا يستطيع فيه العودة إلى منزل هادئ ويجد أشخاصًا يقلقون عليه بصدق. نظر إليها مبتسمًا للمرة الأولى منذ مغادرته منزلها في ذلك اليوم، ثم قال بهدوء: - شكرًا لأنك أتيتِ. ولأول مرة منذ ساعات طويلة، شعر أن ثقل الماضي الذي يحمله على كتفيه قد أصبح أخف قليلًا.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







